دليلنا في المسألة: أن هذه عبادة في أثنائها نطق واجب، وجب أن يكون في ابتدائها نطق واجب، دليله: الصلاة (١). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الحج عبادة، لا يشترط في أدائها القراءة وجب أن لا يشترط في وجويها التلبية، دليله: العمرة (٢). مسألة:
١٥٠ – لبس المحرم القفازين يجوز للمحرم لبس القفازين (٣) عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا يجوز في قول، ويجوز في قول (٥).
(١) استدل الأحناف من النقل بما روى عن ابن عباس وابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهم، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾
[البقرة: ١٩٧]. «بأن فرض الحج الإهلال». انظر الأدلة بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٣٠٦؛ البدائع ١٣/ ١٧٤؛ شرح فتح القدير ٢/ ٤٣٩. (٢) لم أجد هذا القياس في كتب الشافعية التي بين يدي، لكن الشيرازي قاسه بالصوم، حيث يقول: «لأنها عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب في أولها كالصوم». واستدلوا من النقل بحديث النية: «إنما الأعمال بالنيات» الحديث سبق تخريجه في المسألة (١٢٢)، ص ٢٢٥ انظر: المجموع مع المهذب ٧/ ٢٢٦ فما بعدها. (٣) القفازان: تثنية قفّاز، بالضم والتشديد، وأصله قفز من باب ضرب، والقفاز: شيء تتخذه النساء
في أيديهن يغطي كفّى المرأة وأصابعها، ويحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد، كالذي يتخذه الصائد. أنظر: الصحاح، معجم مقاييس اللغة؛ المغرب؛ الصباح المنير، مادة: (قفز). (٤) يجوز للنساء فقط. انظر: المبسوط ٤/ ١٢٨؛ البدائع ٣/ ١٢٣١، ١٢٣٢. (٥) قال النووي رحمه الله: يحرم على الرجل لبس القفازين بلا خلاف، وفي المرأة قولان مشهوران: أصحهما عند الجمهور تحريمه، وهو نص الشافعي في الأم، وتجب به الفدية.
مسألة:
١٥١ – لبس المحرم السراويل من لم يجد الإزار، ولبس السراويل تلزمه الفدية، عندنا (١)، وعند الشافعي: لا تلزمه الفدية (٢). دليلنا في المسألة: ما روي عن ابن عمر عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا يلبس المحرم قميصًا ولا عمامة ولا برنسًا (٣) ولا سراويلًا
= انظر: الأم ٢/ ١٤٨؛ التنبيه، ص ٥٢؛ الوجيز ١/ ١٢٤؛ المجموع ٧/ ٢٦١، ٢٦٥، ٢٦٩؛ المنهاج، ص ٤٣. لم يذكر المؤلف في هذه المسألة دليلًا لأحد المذهبين: واستدل الأحناف للجواز:»بما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه كان يلبس بناته القفازين في الأحرام«، وأدلة أخرى. المبسوط ٤/ ١٢٨؛ البدائع ٣/ ١٢٣٢. انظر ما رواه ابن أبي شيبة
من الآثار ٤/ ٩٢. واستدل الشافعية:»بما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي – ﷺ -: «نهى أن تنتقب المرأة وهي محرمة وتلبس القفازين»، ولأنه عضو منها لبس يعم، فتعلق به حرمة الإحرام كالوجه”، وهذا قول عليّ وعائشة رضي الله عنهما. أخرجه البخاري في صحيحه، في جزاء الصيد، باب ما ينهى من الطيب للمحرم والمحرمة (١٢٣٨)، ٤/ ٥٢؛ السنن الكبرى، في باب المرأة لا تنتقب في إحرامها ولا تلبس القفازين ٥/ ٤٦، ٤٧). (١) هذا إن لبسه على الوجه المعتاد، وإذا استمر لابسًا يومًا كاملًا فعليه دم، وإن كان دون ذلك فصدقة، وأما إذا ائتزر بالسراويل أو شقه ولبسه فلا شيء عليه. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٦٨؛ القدوري، ص ٣٠؛ المبسوط ٤/ ١٢٦؛ البدائع ٣/ ١٢٢٥؛ الهداية ١/ ١٣٨. (٢) انظر: الأم ٢/ ١٤٧؛ التنبيه، ص ٥١؛ الوجيز ١/ ١٢٤؛ المجموع مع المهذب ٧/ ٢٥٣. (٣) البرنس، بضم الباء والنون وسكون الراء، قلنسوة طويلة، كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. انظر: الصحاح؛ المغرب، مادة: (البرنس).
ولا الخفين» (١) فالنبي – ﷺ – نهى عن لبس المخيط، فإذا لبسها وجب أن تلزمه الفدية، دليلنا: إذا لبس القميص. احتج الشافعي، وهو: أنه إذا لم يجد
الإزار، كان عذرًا، وجب أن لا تلزمه الفدية (٢). كما لو وضع القباء (٣) على الكتف في البرد الشديد، فإنه لا تلزمه الفدية (٤)، كذلك ها هنا.
(١) الحديث أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما (بطوله): أن رجلًا قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله – ﷺ -: «لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين، فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيثًا مسه زعفران أو ورس»: البخاري، في الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب، (١٥٤٢)، ٣/ ٤٠١؛ مسلم، في الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح له، (١١٧٧)، ٢/ ٨٣٤. (٢) استدل الشافعي من النقل بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه سمع النبي – ﷺ – يخطب وهو يقول: «إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خفين، وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل». ثم قال الشافعي: «ومن لم يجد إزارًا لبس سراويل فهما سواء، غير أنه لا يقطع من السراويل شيئًا؛ لأن رسول الله – ﷺ – لم يأمر بقطعه». الحديث أخرجه الشيخان: البخاري، في اللباس، باب السراويل (٥٨٠٤)، ١٠/ ٢٧٢؛ مسلم، في الحج، باب ما يباح للمحرم بحج
أو عمرة، وما لا يباح (١١٧٨)، ٢/ ٨٣٥. انظر: الأم ٢/ ١٤٧. (٣) القباء: ثوب يجمع ويضم جميع أعضاء البدن، وهو مشتق من قولهم: قبوت الشيء: جمعته وضممته. انظر: معجم مقاييس اللغة، مادة (قبو). (٤) قياس المؤلف السراويل بالقباء، صحيح بالنسبة لمذهب الأحناف، وأما الشافعية – كما أراده المؤلف – فلا يصح عندهم هذا؛ لأنه يحظر لبسه عندهم إطلاقًا، كما نقل النووي الإجماع عن ابن المنذر، على عدم جواز لبس القباء للمحرم سواء أخرج يديه من كميه أم لا، ولو لبس لزمه الفدية. وقال السرخسي في جواز لبسه: «ولا بأس بأن يلبس المحرم القباء ويدخل فيه منكبيه دون يديه عندنا». انظرة المبسوط ٤/ ١٢٥؛ المجموع ٧/ ٢٥٨.
مسألة:
١٥٢ – تطيب المحرم ولبس الثوب إذا تطيب المحرم عضوًا (١)، أو لبس الثوب واستدام اللبس أكثر النهار (٢). فعليه الفدية، وإن كان نصف اليوم أو أقل، لا تلزمه الفدية، بل تلزمه الصدقة (٣) عندنا (٤)، وعند الشافعي: تلزمه الفدية، قل أو كثر (٥). دليلنا في المسألة، وهو: أن الفدية إنما تجب بالطيب واللبس بما يحصل به الاستمتاع والانتفاع، أما إذا لبس دون يوم، وتطيب دون عضو، لم يحصل المقصود منه، فلم تجب الفدية (٦)،
كما لو قطع ظفرًا. احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الفدية إنما تجب باللبس والطيب، بحصول المنفعة به، فإذا لبس ساعة واحدة، فقد حصل له الانتفاع، فتلزمه الفدية، كما لو لبس أكثر اليوم (٧).
(١) أي عضوًا كاملًا، كالفخذ والساق، عمدًا كان أو سهوًا. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٠. (٢) ذكر فقهاء الأحناف بأن الفدية لا تجب إلا باستدامة اللبس يومًا كاملًا، وما ذكره المؤلف (بأكثر النهار) كان هذا قول الإمام أبي حنيفة أولًا، ثم رجع عنه وقال: «لا دم عليه حتى يلبس يومًا كاملًا»، كما ذكره الكاساني. انظر: البدائع ٣/ ١٢٣٢. (٣) ويقصد بالصدقة: نصف صاع من بر، قال الكاساني: «وكل صدقة تجب بفعل ما يخطره الإِحرام، فهي مقدرة بنصف صاع»، البدائع ٣/ ١٢٣٣. (٤) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٦٨؛ القدوري، ص ٣٠؛ المبسوط ٤/ ١٢٢، ١٢٥؛ البدائع ٣/ ١٢٣٢، ١٢٣٣، ١٢٣٨؛ الهداية ١/ ١٦٠، ١٦١. (٥) انظر: الأم ٢/ ١٤٧، ١٥١؛ التنبيه، ص ٥١؛ الوجيز ١/ ١٢٤؛ المجموع مع المهذب ٧/ ٢٥٣، ٢٧٠، وما بعدها؛ المنهاج، ص ٤٣. (٦) وإنما تجب عليه صدقة. انظر: القدوري، ص ٣٠؛ المبسوط ٤/ ٧٧. انظر: الأدلة بالتفصيل؛ البدائع ٣/ ١٢٣٢، ١٢٣٣، ١٢٣٩. (٧) واستدل الشافعي من النقل بعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ما يلبس المحرم
من الثياب … الحديث، وقد سبق تخريجه في المسألة السابقة (١٥١)، ص ٢٦١. انظر: الأم ٢/ ١٤٧؛ المجموع ٧/ ٢٦٩، وما بعدها.
مسألة:
١٥٣ – إدهان المحرم إذا دهن المحرم رأسه بالزيت (١) أقل من ربع (٢) رأسه لا تجب الفدية عندنا (٣)، وعند الشافعي: تجب (٤). والمعنى فيه: ما ذكرنا في المسألة الأولى (٥).
(١) سواء كان مطيبًا أو غير مطيب عند أبي حنيفة. انظر: المبسوط ٤/ ١٢٢. (٢) لأنهم يجعلون الربع بمنزلة الكمال، على قياس الحلق، كما اعتبر ذلك في مسح الرأس. راجع المسألة: (١٠)، ص ١٠٣. (٣) انظر: المبسوط ٤/ ١٢٢؛ البدائع ٣/ ١٢٣٩؛ الهداية ١/ ١٦٠. (٤) وفصل الشافعية القول في الأدهان: ففرقوا بين ما هو دهن مطيّب وما هو غير مطيب كالزيت، وكذلك بين أدهان البدن والرأس واللحية. أما الدهن المطيب فهو ملحق بالطيب، وأما غير المطيب كالزيت فلا يحرم استعماله في جميع البدن، إلا في الرأس واللحية فيحرم استعماله فيهما بلا خلاف عندهم، وتلزمه الفدية بالاستعمال؛ «لأنه موضع الدهن وترجيل الشعر». انظر: مختصر المزني، ص ٦٦؛ التنبيه، ص ٥٢؛ الوجيز ١/ ١٢٥؛ المجموع ٧/ ٢٧٩، ٢٨٠. (٥) ودليلهم على تحريم الدهن للمحرم
قوله – ﷺ – حينما سئل من الحاج: «الشعث التفل». (أخرجه الترمذي، في كتاب تفسير القرآن، باب من سورة آل عمران، (٢٩٩٨) وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث ٥/ ٢٢٥؛ ابن ماجه، في المناسك، باب ما يوجب الحج (٢٨٩٦)، ٢/ ٩٦٧). والمعنى: أن استعمال الدهن والطيب يزيل هذا الوصف «وهي صفة العبادة». انظر: مختصر المزني، ص ٦٦؛ المبسوط ٤/ ١٢٢. وأما من حيث تقدير الفدية فهو كما ذكر في المسألة السابقة (١٥٢)، ص ٢٦٢.
مسألة:
١٥٤ – حجة الواطئ ناسيًا إذا وطئ (١) امرأته ناسيًا (٢) يفسد حجه (٣)، وعليه الكفارة عندنا (٤)، وعند الشافعي فيه قولان (٥): في قول يفسد حجه، وفي قول لا يفسد. دليلنا في المسألة، وهو: أن الوطء مفسد للحج موجب للكفارة إذا كان عامدًا، فكذلك إذا كان ناسيًا؛ لأن النسيان إنما يكون عندنا في موضع النسيان، وهذا لا يكون موضع النسيان،
(١) الوطء المفسد للحج ما كان في القبل، وفيما عدا ذلك خلاف، وسيأتي في المسألة (١٥٥) تفصيله. (٢) يستوي العامد والمخطئ والناسي والذاكر في أحكام الحج
عند الأحناف. قال القدوري: «ومن جامع ناسيًا كمن جامع عامدًا»، «ويلزمه ما يلزم العامد إلا أنه لا يأثم بعذر النسيان». القدوري، ص ٣٠؛ المبسوط ٤/ ١٢١. (٣) هذا إذا وقع الجماع قبل الوقوف بعرفة، «فإنه يفسد حجهما، وعلى كل واحد منهما دم، ويمضيان في حجهما حتى يفرغا منه، وعليهما قضاء الحج من قابل ولا يتفرقان». وأما إن وقع الجماع بعد الوقوف، كان على كل واحد منهما بدنه ولا يفسد حجهما. (٤) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٦٧؛ القدوري، ص ٣٠؛ المبسوط ٤/ ١٢١؛ البدائع ٣/ ١٢٩٩ – ١٣٠٣؛ فتح القدير ٣/ ٤٤ – ٤٦. (٥) “أصحهما: أنه لا يفسد حجه، ولا تلزمه الكفارة، كما ذكره الشيرازي والنووي، والجماع الذي يفسد الحج عند الشافعية: هو ما كان عمدًا قبل الوقوف بعرفة كالأحناف. وكذلك ما كان بعد الوقوف إلى ما قبل التحلل الأول – فعل اثنين من الرمي والحلق والطواف – وعليهما المضي والقضاء من قابل ويستحب لهما المفارقة على الأصح. وفي كلا الحالتين يلزمه: بدنة. واختلف الشافعية في وجوب البدنة على المرأة على ثلاثة أقوال، كاختلافهم السابق في كفارة جماع الصائم الصائمة. راجع المسألة: (١٢٤)، ص ٢٢٨. انظر: الأم ٢/ ٢١٨؛ التنبيه، ص ٥١؛ الوجيز ١/ ١٢٦؛ المجموع ٧/ ٣٧٧، ٣٧٨، ٣٨٥، ٣٨٨، ٣٩٣؛ الروضة ٣/ ١٤٣.
فلا يكون معذورًا، كما لو تكلم في الصلاة ناسيًا تفسد صلاته (١). مسألة:
١٥٥ – حجة الواطئ فيما دون الفرج إذا وطئ فيما دون الفرج أو تلوط، أو وطئ البهيمة، لا يفسد حجه عندنا، وعند الشافعي: يفسد (٢).
(١) «لأن الفساد باعتبار معنى الارتفاق في الإحرام ارتفاقًا مخصوصًا وهو عين الجماع»، وهذا لا ينعدم بسبب النسيان. انظر: المبسوط ٤/ ١٢١؛ البدائع ٣/ ١٣٠٠؛ الهداية وشروحها: فتح القدير مع؛ والعناية ٣/ ٤٨، ٤٩. لم يذكر المؤلف دليلًا للشافعي كعادته، وإنما استدل الشيرازي بالمعنى بقوله: «لأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فاختلف في الوطء فيها العمد والسهو كالصوم». انظر: المهذب ٩/ ٢٢٠؛ الوجيز ١/ ١٢٦؛ المجموع ٧/ ٢٩٣، ٣٤٦. (٢) المسألة ليست على هذا الإجمال الذي ذكرها المؤلف، وإنما فيها تفصيل لدى الطرفين: أولًا: لا خلاف بين المذهبين بأن الوطء فيما دون الفرج – سواء أنزل أو لم ينزل – لا يفسد الحج ولا يجب عليه بدنه، وإنما عليه كفارة. انظر: المبسوط ٤/ ١٢٠؛ المجموع ٧/ ٢٩٢. ثانيًا: وأما اللواطة ومواقعة البهيمة ففيهما خلاف كما يأتى: في اللواطة: روي لأبي حنيفة روايتان: رواية: «أنه يفسد الحج؛ لأنه في معنى الجماع في القبل» وهو قول الصاحبين، قال
ابن الهمام: «وهو الأصح». والثانية: لا يتعلق به الفساد «لعدم كمال الارتفاق لقصور قضاء الشهوة فيه لسوء المحل فأشبه الجماع فيما دون الفرج». وأما وطء البهيمة فلا خلاف فيه بين الأحناف: بأنه لا يفسد حجه، «ولا كفارة عليه إلا إذا أنزل؛ لأنه ليس باستمتاع مقصود». انظر: المبسوط ٤/ ١٢٠؛ البدائع ٣/ ١٢٩٩؛ الهداية مع شرحها؛ فتح القدير ٣/ ٤٤. ولا خلاف لدى الشافعية في إفساد الحج باللواطة وبإتيان البهيمة كما يذكر ذلك الشافعي، بإجمال حيث يقول: «والذي يفسد الحج: الذي يوجب الحد من أن يغيب الحشفة، لا يفسد الحج شيء غير ذلك»، ويوضح ذلك الشيرازي بقوله:، والوطء في الدبر واللواط وإتيان البهيمة كالوطء في القبل في جميع ما ذكرناه؛ لأن الجميع وطء، والله أعلم”. =
دليلنا في المسألة، وهو: أن الشرع إنما أوجب فساد الحج بالوطء الكامل في محله؛ لأنه يحصل به اقتضاء الشهوة بكماله، وهذا المعنى لا يحصل بهذه الأشياء، فلا تلزمه الكفارة (١)، دليله: الاحتلام (٢). احتج الشافعي، في المسألة: بأنه وطء يتعلق به الحكم، وهو الحد، فوجب أن يثبت به فساد الحج، كالوطء في الفرج (٣). مسألة:
١٥٦ – حج الصبي الصبي (٤) ليس له حج صحيح عندنا (٥)، وعند
الشافعي،
= وقال النووي معلقًا عليه: «وهذا الذي قاله هو المذهب، وبه قطع الجمهور من العراقيين والخراسانيين». انظر: الأم ٢/ ٢١٨؛ النكت للشيرازي (مخطوط) (ورقة ١٠٩/ أ)، المجموع ٧/ ٣٩٤؛ الروضة ٣/ ١٣٨. وعدم ذكر المؤلف المسألة بالتفصيل: إما لأجل الاختصار كعادته، ليسهل الحفظ والضبط، وإما أنه ذكره من محفوظاته، بدون الرجوع إلى المراجع، والله أعلم، كما رأينا ذلك أيضًا في المسألة السابقة، وأشباهها كثيرة. (١) قوله: (لا تلزمه الكفارة) صحيح إن أراد به البدنة، وإلا فغير صحيح، كما علم من تفصيل المسألة. (٢) قياسه الوطء فيما دون الفرج بالاحتلام، غبر مستقيم؛ لأن الاحتلام ليس من فعله، ولم يوجب أحد على المحتلم الكفارة، وأما الوطء فيما دون الفرج ففيه استمتاع، وإن كان قاصرًا، كما أن من فعله فعليه الكفارة كما بينته، وهذا قياس مع الفارق. (٣) وبالنسبة لدلالة عدم فساد الحج بالوطء فيما دون الفرج، كما ذكره الشيرازي، بقوله: «لأنها مباشرة لا يجب الحد بجنسها فلم يفسد الحج كالمباشرة بغير شهوة». المجموع ٧/ ٣٩٥. وانظر: مراجع الشافعية في هامش (١) من المسألة. (٤) اتفق العلماء على عدم وجوب الحج على الصبي، وسقوط فرضيته عنه، ولو حج ثم بلغ لا يجزئه عن حجة الإسلام، نقل ابن المنذر الإجماع فيها. انظر: ابن المنذر، الإجماع، ص ٦٨؛ البدائع
٣/ ١٠٨٢؛ المجموع ٧/ ٣٤. (٥) اشتهر في كتب الخلاف: بأن الأحناف يقولون: بعدم صحة حج الصبي، كما ذكر المؤلف هنا، ونقل بعضهم ذلك عن بعض أصحاب أبي حنيفة رحمه الله كالشيرازي في النكت، وابن=
إذا كان مميزًا فأحرم بإذن وليه صح، وإن لم يكن مميزًا، فأحرم عنه الولي (١).
= هبيرة في الإفصاح، إلا أن الباحث إذا رجع إلى كتب الأحناف للتأكد من مدى صحة هذا القول في المذهب، فإنه لا يجد قولًا واحدًا يدل على صحة ما ذكر في كتب الخلاف، بل الجميع متفقون على أن حج الصبي يقع تطوعًا، اللهم إلا ما ذكره ابن عابدين في حاشيته: «ذكر في البدائع، أنه لا يجوز أداء الحج من مجنون وصبي لا يعقل، كما لا يجب عليهما، ونقل غيره صحة حجهما». وبالرجوع إلى البدائع للتأكد من صحة نقل ابن عابدين عنه، نجد الكاساني يقول في شرائط فرضية الحج«فمنها البلوغ، ومنها العقل، فلا حج على الصبي والمجنون؛ لأنه لا خطاب عليهما، فلا يلزمهما الحج، حتى لو حج ثم بلغ الصبي، وأفاق المجنون، فعليهما حجة الإسلام، وما فعله الصبي قبل البلوغ يكون تطوعًا والجملة الأخيرة من قول الكاساني صريحة في صحة حج
الصبي، ووقوعه تطوعًا. ثم إن افترضنا صحة ما ذكر في كتب الخلاف عن الأحناف فرضًا، وعدم عثورنا على هذا القول في الكتب التي بين أيدينا، فمن الممكن التوفيق والجمع بين القولين، فيكون معنى قولهم: إنه لا يصح حج الصبي»صحة يتعلق بها وجوب الكفارات عليه إذا فعل محظورات الإِحرام، زيادة في الرفق به، لا أنه يخرجه من ثواب الحج” كما ذكره ابن هبيرة في الإفصاح. ومن ثم يظهر أنه لا خلاف بين الذهبين في صحة حج الصبي، ووقوعه نفلًا، سواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز. (١) وإنما الخلاف في صفة حجه باختلاف حاله: الصبي إما أن يكون مميزًا أو غير مميز. (أ) أما الصبي المميز: فإنه يحرم عنه وليه، ويؤدي عنه المناسك، ويجنبه محظورات الإحرام، ولكن لا يصلي عنه ركعتي الطواف، بل تسقطان عنه عند الأحناف، وعند الشافعية: يصليهما الولي عنه. (ب) وأما الصبي غير المميز: فلا يصح إحرامه إلا بنفسه، وينعقد بإذن وليه وبغير إذنه عند الأحناف. وأما عند الشافعية فيصح إحرام وليه عنه، وإذا أحرم بنفسه فلا ينعقد إلا بإذن وليه على الأصح عندهم في المسألتين، ويفعل المميز كل ما يستطيع فعله بنفسه من المناسك، ولا تجوز النيابة عنه فيما قدر عليه بنفسه، وكل ما لا يقدر الصبي على أدائه بنفسه ينوب عنه وليه في أدائه، وهذه باتفاق
الطرفين. (ج) وأما إن ارتكب الصبي محظورًا من محظورات الإحرام، أو ترك فرضًا أو واجبًا من الواجبات، فلا جزاء عليه عند الأحناف، لعدم الأهلية، ولأنه يأتي به للتخلق، وأما الشافعية فعندهم: عليه الجزاء، ثم إن كان الصبي أحرم بإذن الولي وجبت الفدية في مال الصبي، =
وحاصل الخلاف: راجع بالصبي، إذا أتى بالنوافل من العبادات والصدقات، هل يصح هذا من؟ عند أبي حنيفة لا يصح (١)، وعند الشافعي: يصح. مسألة:
١٥٧ – جزاء قتل الصيد إذا قتل [الحلال] (٢) صيدًا في الحرم، أو قتل المحرم خارج المصر، يضمنه بقيمته ثم يصرف القيمة إلى النعم عندنا (٣).
= وإن أحرم بغير إذنه – على القول المرجوح بصحة ذلك منه – وجبت الفدية في مال الصبي. انظر: الشيرازي، النكت، (مخطوط) (ورقة ٩٨)، حلية العلماء ٣/ ١٩٥؛ ابن هبيرة، الإفصاح ١/ ٢٦٦؛ العثماني، رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، ص ١٠٢؛ المبسوط ٤/ ٦٩؛ تحفة الفقهاء ١/ ٥٨٣؛ البدائع ٣/ ١٠٨٢ – ١٠٨٥؛ فتح القدير ٢/ ٤٢٣؛ البناية ٣/ ٤٤٦؛ الفتاوى الهندية ١/ ٢١٧؛ البحر الرائق ٢/ ٣٣٥؛ منلا مسكين ١/ ٤٦١؛ المتقسط في المنسك المتوسط مع الحاشية، ص ٢٤؛ حاشية الطحطاوي
١/ ٤٨١، مع الدر المختار؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٤٥٩، ٤٦٦؛ الأم ٢/ ١١١؛ المهذب ٧/ ٢٠، ٣٤، مع المجموع؛ الوجيز ١/ ١٠٨، ١٢٣؛ الروضة ٣/ ١١٩؛ الإيضاح، ص ٩٩. (١) والصحيح عند الأحناف: أن عباداته صحيحة، وإن لم تجب عليه، وثوابها له على القول المعتمد عندهم، وكذلك جميع حسناته، وذكر ابن رشد أن سبب الخلاف معارضة الأثر في ذلك للأصول، فمن أجاز ذلك أخذ بحديث ابن عباس المشهور: أن امرأة رفعت صبيًا لها، فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ فقال: «نعم ولكِ أجر»، ومن منع ذلك تمسك بأصل: أن العبادة لا تصح من غير عاقل. انظر: ابن رشد، بداية المجتهد ١/ ٣١٩؛ الإفصاح عن معاني الصحاح ١/ ٢٦٦؛ ابن نحيم، الأشباه والنظائر، ص ١٦٩. (٢) الظاهر من سياق العبارة أنها سقطت من الناسخ. (٣) ثم هو مخير في القيمة: بين الهدي، أو الإطعام، أو الصيام، بحسابها وإن كان الحلال لا يجزيه إلا طعام وبالتأدي بالهدي روايتان. انظر المسألة بالتفصيل: مختصر الطحاوي، ص ٧٠، ٧١؛ القدوري، ص ٣١؛ المبسوط ٤/ ٨٢، ٨٣، ٩٧؛ تحفة الفقهاء ١/ ١٤٤؛ البدائع ٨/ ١٣٥٨.
وعند الشافعي: يضمنه بمثله من النعم (١). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، فإنما يحكم تارة بالمثل، وتارة بالقيمة (٣). احتج الشافعي، في المسألة: أن الله تعالى أوجب الجزاء بمثل ما قتل من النعم، ومثل الشيء جنسه (٤). مسألة: ١٥٨ – جزاء الصيد على القارن القارن إذا قتل صيدًا، يلزمه جزاآن عندنا (٥)، وعند الشافعي: جزاء واحد (٦) وهذا الخلاف مبني على ما ذكرناه: أن القران أفضل، أم الإفراد (٧).
(١) انظر: الأم ٢/ ١٨٧ فما بعدها؛ مختصر المزني، ص ٧١؛ التنبيه، ص ٥٢؛ الوجيز ١/ ١٢٨؛ المجموع ٧/ ٤٠٤. (٢) سورة المائدة: آية ١٩٥. (٣) انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٧٤. (٤) انظر تفسير آية منع الصيد: أحكام القرآن، للكيا الهراسي ٣/ ١٠٩؛ تفسير البيضاوي ١/ ٢٩٢؛ والنكت للشيرازي (مخطوط)، (ورقة ١٣/ ب)، وراجع المصادر السابقة للشافعية. (٥) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧١؛ القدوري، ص ٣١؛ المبسوط ٤/ ٨١. (٦) انظر: النكت (مخطوط)، (ورقة ١١٥)، الوجيز ١/ ١٢٩؛ روضة الطالبين ٣/ ١٦٢؛ المجموع ٧/ ٣٣٦. (٧) ويتضح وجه الخلاف بما يأتي: الشافعية: يدخلون العمرة في إحرام الحج في القران، فتندرج أعمال العمرة في أعمال الحج، فيكفي لهما طواف واحد وسعي واحد، وذلك لاتحاد
الإحرام، وبالتالي يجب على القارن الجاني جزاء واحد لاتحاد الحل، وأما الأحناف فإنهم لا يدخلون أحدهما في الآخر وعليه أن يطوف طوافين ويسعى سعيين ويقدم أفعال العمرة على أفعال الحج؛ «لأن القران ينبئ عن الضم والجمع دون التداخل، فصار القارن بقتل الصيد جانبًا على إحرامين فيلزمه جزاآن». انظر: المبسوط ٤/ ٨١؛ تحفة الفقهاء ١/ ٦٢٩، ٦٣٠؛ الوجيز ١/ ١١٤، ١٢٩؛ المجموع ٧/ ١٦٤، ٣٣٦؛ راجع المسألة (١٤٥)، ص ٢٥٣.
مسألة:
١٥٩ – جزاء الاشتراك في الصيد إذا اشتركوا في قتل صيد واحد، يلزم كل واحد منهم جزاء عندنا (١)، وعند الشافعي: يلز [مهم] جزاء واحد (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن الجزاء إنما يجب بفعل القتل بحسب كل واحد منهم جزاء على حدة، كما نقول في القتل إذا اجتمعوا على قتل رجل واحد، فإنه يلزم كل واحد منهم كفارة (٣). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الفدية إنما تجب بقتل الصيد فتجب على الكل فدية واحدة، كما في الدية: أن جماعة لو اجتمعوا على قتل رجل أخطأ، تجب على الكل دية واحدة، فكذلك هذا (٤).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧١؛ المبسوط ٤/ ٨٠، ٨١؛ البدائع ٣/ ١٢٦٧. (٢)
انظر: النكت، (ورقة ١١٥/ أ، ب)، التنبيه، ص ٥٣؛ الوجيز ١/ ١٢٩؛ الروضة ٣/ ١٦٢. (٣) واستدل الأحناف من النقل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكلمة «من» تتناول كل واحد من القاتلين على حياله، كما في قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]«. انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٧٧؛ المبسوط ٤/ ٨١؛ البدائع ٣/ ١٢٦٧، ١٢٦٨. (٤) واستدل الشيرازي من النقل بقضاء الصحابة:»أن رجلين رميا ظبيًا فقتلاه فقضى عمرو عبد الرحمن فيه بشاة واحدة” ونحوه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم. النكت (ورقة ١١٥/ أ).
مسألة:
١٦٠ – تحلل المريض المحرم إذا مرض يجوز له التحلل عندنا (١)، وعند الشافعي: لا يجوز (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن المرض عذر يباح له التحلل، وتلزمه الفدية، كما لو أحصر (٣). احتج الشافعي: في المسألة؛ لأنه لما أحرم وجب عليه
(١) وعلى المريض «أن يثبت على إحرامه حتى ينحر عنه الهدى في الحرم فيحل به ويكون عليه قضاء ما حل منه». انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧١؛ القدوري، ص ٣٢؛ المبسوط ٤/ ١٠٨؛
تحفة الفقهاء ١/ ٦٣٢؛ البدائع ٣/ ١٢٠٧؛ الهداية مع شروحها: فتح القدير، والعناية ٣/ ١٢٤؛ البناية ٣/ ٨١٧. (٢) لا يجوز للمحرم إذا مرض التحلل ما لم يكن شرط التحلل مقترنًا بنية الإحرام، فإن اشترطه فله ذلك. انظر: الأم ٢/ ٢١٩؛ التنبيه، ص ٥٨؛ الوجيز ١/ ١٣٠؛ المجموع مع المهذب ٨/ ٢٥٠ فما بعدها. (٣) الإِحصار في اللغة المنع، من حصره إذا منعه، والمحصر: هو الممنوع، تقول العرب، أحصر فلان: إذا منعه خوف أو مرض من الوصول إلى أيام حجته أو عمرته. انظر: مختار الصحاح؛ المصباح، مادة: (حصر)، البناية ٣/ ٨١٧. وفي الشرع: هو المحرم الذي منع عن المضي في موجب الإحرام، «سواء كان المنع من العدو أو المرض أو الحبس …» أي بمطلق المنع. كما ذكره السرخسي والكاساني. انظر: المبسوط ٤/ ١٠٨؛ البدائع ٣/ ١٢٠٦. واستدل الأحناف، على أن المرض من الحصر، بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، محتجّين باتفاق أهل اللغة: أن لفظة الإِحصار تتناول المرض. انظر أدلتهم اللغوية والنقلية والعقلية بالتفصيل في المبسوط ٤/ ١٠٨، ١٠٩؛ البدائع ٣/ ١٢٠٨، ١٢٠٩؛ وما ذكره العيني في اختلاف العلماء في الإِحصار، البناية ٣/ ٨٠٨ فما بعدها.
إتمامه ولا يباح
له التحلل، كما لو كان له عذر لا من جهة السماء (١).
(١) في المخطوط: (السماوي). الأصل عند الشافعي: أن الإحصار: لا يكون إلا من عدو سواء كان مسلمًا أو كافرًا وما شابهه من حبس، كما نص عليه الشافعي في الأم، واستدل على ذلك بأن آية الإحصار نزلت يوم الحديبية حيث أحصر النبي – ﷺ – بعدو، وبما أخرجه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «لا حصر إلا حصر العدو». انظر: أدلتهم بالتفصيل في الأم ٢/ ٢١٨، ٢١٩؛ أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٩٢؛ السنن الكبرى ٥/ ٢١٩؛ المجموع ٨/ ٢٥٠ – ٢٥٥. والظاهر من أدلة المذهبين أن سبب الخلاف في المسألة هو الاختلاف في تعريف الإحصار حيث عرفه الأحناف: بأنه مطلق المنع، والشافعي قيده بمنع العدو فقط، والله أعلم. انظر المسألة بالتفصيل: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أحكام القرآن للجصاص ١/ ٢٦٨ وما بعدها، أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٩٢ وما بعدها.
كتاب البيوع (١) [مسألة]:
١٦١ – بيع الغائب بيع الغائب (٢) وشراؤه جائز عندنا (٣)، وعند الشافعي لا يجوز (٤). دليلنا في المسألة وهو: ما
روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» (٥).
(١) البيوع: جمع بيع، وباع الشيء يبيعه بيعًا ومبيعًا وهو شاذ، وقياسه: مباعًا. وباعه: اشتراه فهو من الأضداد، والشيء مبيع ومبيوع، وهو في اللغة عبارة: عن مطلق المبادلة، وفي الشرع: «مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكًا وتملكًا» على وجه التراضي. وينعقد: بالإيجاب والقبول إذا كانا بلفظي الماضي. انظر: الصحاح، معجم مقاييس اللغة، التعريفات، المصباح، مادة: (بيع)، الهداية وشرحها البناية ٦/ ١٨٧، ١٩٢؛ مغني المحتاج ٢/ ٣. (٢) ويقصد به بيع العين الغائبة عن المتعاقدين التي لم تسبق لهما معرفة صفتها ولا رؤيتها. (٣) لكن بشرط الإِشارة إليه أو إلى مكانه، فلو لم يشر لذلك لم يجز، كما ذكره السرخسي، وعلى مذهبهم، لا يثبت الخيار عند الرؤية إلا للمشتري، قال القدوري: «ومن اشترى شيئًا لم يره فالبيع جائز، وله الخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء رده، ومن باع ما لم يره فلا خيار له». انظر: مختصر الطحاوي، ص ٤٨؛ القدوري، ص ٣٥؛ المبسوط ١٣/ ٦٩، ٦٨؛ تحفة الفقهاء ٧/ ١١٢، ١١٨؛ الهداية وشرحها فتح القدير ٦/ ٣٣٥. (٤) انظر: الأم ٣/ ٢٠٠٣؛ مختصر المزني، ص ٨٧؛ التنبيه، ص ٦٣؛ المهذب ١/ ٢٧٠؛ الوجيز ١/ ١٣٥؛ الروضة
٣/ ٣٦٨؛ المجموع ٩/ ٣١٥. (٥) الحديث روي مسندًا ومرسلًا: رواه الدراقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسندًا، وفيه عمر بن إبراهيم الكردي، وهو مذكور بالوضع، وذكر الدارقطني أنه تفرد به، وإنما يروي هذا من قول =
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن البيع مجهول، ألا ترى أن الجهالة [في] صفة المبيع، تمنع صحة العقد، وجهالة الأصل أولى أن تمنع صحة العقد (١). مسألة:
١٦٢ – توريث خيار الشرط خيار (٢) الشرط لا يورث عندنا (٣)، وعند الشافعي: يورث (٤).
= ابن سيرين، حيث يقول: «عمر بن إبراهيم يقال له الكردي، يضع الأحاديث، وهذا باطل لا يصح، لم يروها غيره، وإنما يروى عن ابن سيرين موقوفًا من قوله». وقال ابن القطان في كتابه: «الراوي عن الكردي: داهر بن نوح وهو لا يعرف ولعل الجناية منه». وأما المرسل فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه والدراقطني والبيهقي في سننهما عن مكحول عن النبي – ﷺ -، والراوي عنه أبو بكر بن أبي مريم ضعيف، كما ذكره الدارقطني، ونقل النووي اتفاق الحفاظ على تضعيفه. وقال ابن حجر: «وطريق مكحول المرسلة على ضعفها أمثل من الموصولة». انظر: الدارقطني ٣/
٤، ٥، مع التعليق المغني؛ السنن الكبرى ٥/ ٢٦٨؛ نصب الراية ٤/ ٩؛ تلخيص الحبير ٣/ ٦. (١) واستدل الشيرازي بحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله – ﷺ – نهى عن بيع الغرر»، وفي هذا البيع غرر، ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم. وأخرجه مسلم، في البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر (١٥١٣)، ٣/ ١١٥٣. راجع المسألة واختلاف الشافعية فيها في المجموع ٩/ ٣١٥ فما بعدها. (٢) خيار الشرط: هو مركب إضافي، من إضافة الحكم إلى سببه، أي الخيار الذي سببه الشرط، إذ لولا الشرط لما ثبت الخيار. وهو: أن يشترط في العقد أو بعده الخيار، لأحد المتعاقدين أو كليهما في فسخ العقد وإمضائه كان يقول البائع للمشتري: بعت لك هذه الدار بكذا، على أني بالخيار مدة كذا. انظر: البناية ٦/ ٢٥٨؛ أحمد أبو الفتح، المعاملات في الشريعة الإسلامية ١/ ٢١٤. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٥؛ القدوري، ص ٣٥؛ المبسوط ١٣/ ٤٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٠٢؛ الهداية وشروحها: فتح القدير والعناية ٦/ ٣١٨؛ البناية ٦/ ٢٨٣. (٤) انظر: الأم ٣/ ٥؛ المجموع مع المهذب ٩/ ٢٢١، ٢٢٢؛ المنهاج، ص ٤١.
دليلنا في المسألة: أن
الخيار مشيئته وإرادته، والمشيئة لا تورث (١). واحتج الشافعي وهو: أن الوارث قائم مقام [المورث] (٢)، ألا ترى: أن خيار العيب يورث، ويكون الوارث قائمًا مقام المورث، وهذا المعنى في خيار الشرط موجود (٣). مسألة: ١٦٣ – ملك المبيع أثناء مدة الخيار إذا تبايعا، وشرطا الخيار، فإن عندنا: الملك للبائع في مدة الخيار، إذا كان الخيار للبائع (٤). وعند الشافعي: الملك للمشتري (٥).
(١) انظر بالتفصيل: المبسوط ١٣/ ٤٣؛ البدائع ٧/ ٣٣٠٤. (٢) في أصل المخطوط: «الفرض». (٣) وعلل الشيرازي ذلك بقوله: «لأنه حق ثابت لإصلاح المال، فلم يسقط، كالرهن وحبس المبيع على الثمن». المهذب ٢/ ٢٦٦. (٤) انظر: القدوري، ص ٣٤؛ المبسوط ١٣/ ٦٠، ٦١؛ الهداية وشروحها: فتح القدير والعناية ٦/ ٣٠٥؛ البناية ٦/ ٢٦٧. (٥) اختلفت الشافعية في هذه المسألة اختلافًا كبيرًا، بسبب ورود ثلاثة أقوال عن الشافعي رحمه الله تعالى فيها: أحدها: أنه ملك للمشتري ينتقل إليه بنفس العقد، والثاني: أنه باق على ملك البائع ولا يملكه المشتري إلا بعد انقضاء الخيار من غير فسخ، والثالث: أنه موقوف، فإن تمّ البيع فكان للمشتري، وإلا فهو باق على ملك البائع. ومن ثم اختلف أصحاب الشافعي في الأصح من هذه الأقوال: قال إمام الحرمين: «إن كان الخيار للبائع فالأصح أن البيع باق
على ملكه». وصحح هذا القول القفال. وصاحب البيان، والرافعي، وقطع به الروياني في الحلية وغيرهم من المحققين في المذهب كما ذكره النووي في المجموع. وهذا ما ذهب إليه الغزالي في الوجيز، وقال النووي في المنهاج: «إنه الأظهر». انظر: الأم ٢/ ٦٣؛ التنبيه، ص ٦٣؛ الوجيز ١/ ١٤١؛ المنهاج، ص ٤٢؛ بالتفصيل: المجموع ٩/ ٢٢٨ – ٢٣١.
دليلنا في المسألة وهو: أنه لما باع وشرط الخيار لنفسه، لم يرض بزوال الملك؛ لأن الملك باق بدليل أنه لو أسقط الخيار يعود إليه من غير سبب جديد (١). احتج الشافعي وهو: أن العقد سبب لزوال الملك، ألا ترى أن البيع إذا كان باتًا أوجب زوال الملك، فكذلك إذا كان بشرط (٢). مسألة:
١٦٤ – شرط الخيار لأكثر من ثلاثة أيام إذا اشترط الخيار أكثر من ثلاثة أيام، يصح العقد ويبطل الشرط عندنا (٣)، وعند الشافعي: الشرط فاسد، والعقد باطل (٤).
(١) وذلك لأن تمام البيع بالمراضاة ولا يتم الرضا مع الخيار. راجع الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١٣/ ٦١؛ فتح القدير مع العناية ٦/ ٣٠٥. (٢) استدل الشيرازي على هذا القول بالقياس على النكاح بجامع أنهما «عقد معاوضة يوجب الملك»، حيث يقول: «ينتقل
بنفس العقد؛ لأنه عقد معاوضة يوجب الملك، فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح». وهذا القول – الأول – صححه طائفة من أئمة الشافعية، منهم: «الشيخ أبو حامد، والماوردي، والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين وغيرهم»، وإن كان القول الثاني هو الأصح في المذهب كما ذكرته آنفًا في هامش (٥). انظر: المجموع ٩/ ٢٣٠، ٢٣١. (٣) المسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل والتوضيح: ما ذكره المؤلف بصحة العقد وبطلان الشرط بسبب الزيادة على الثلاثة الأيام، غير مستقيم على هذا الإطلاق؛ لأن المروي عن أبي حنيفة رحمه الله: بأن الشرط الزائد على الثلاثة يفسد البيع؛ لأنه شرط مخالف لمقتضى العقد وهو: اللزوم، والشرع إنما أجاز الخيار لثلاثة أيام، استثناء، فبقي ما زاد على أصل القياس – عدم الجواز -. وإنما يصح حمل قول المصنف على الوجه الآتي: «إن شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام، ثم أسقط من له الخيار خياره قبل مجيء اليوم الرابع صح العقد عند أبي حنيفة»؛ لأنه أسقط المفسد قبل تقرره، فيعود جائزًا، كما إذا باع بالرقم وأعلمه بالمجلس وهو المذهب. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٥؛ القدوري، ص ٣٤؛ المبسوط ١٣/ ٤٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٩٣. (٤) لأن العقد لا ينعقد إلا باطلًا لمقارنته الشرط الفاسد، قال النووي في المجموع: “قال أصحابنا: =
دليلنا في المسألة وهو: ما روي أن رجلًا: يسمّى حبان بن منقذ جاء إلى رسول الله – ﷺ – فقال: يا رسول الله إني رجل أغبن في البياعات، فقال النبي – ﷺ -: «فقل لا خلابة ولا خيانة، ولي الخيار ثلاثة أيام» (١). فالنبي – ﷺ – بيّن أن مدة الخيار ثلاثة أيام، فإذا زاد على ذلك صار الشرط لغوًا. والبيع جائزًا، بوجود شرائطه. احتج الشافعي بما روي عن النبي – ﷺ – أنه: «نهى عن بيع وشرط» (٢) فلو خلينا القياس لكنا نقول: كل شرط إذا دخل في
= فإن زاد على ثلاثة أيام ولو لحظة بطل البيع«. وقال في الروضة:»إذا فسد العقد بشرط فاسد ثم حذفا الشرط لم ينقلب العقد صحيحا سواء كان الحذف في المجلس أو بعده«. انظر: المهذب ٢/ ٢٦٥؛ الوجيز ١/ ١٤١؛ المجموع ٩/ ٢٠٤؛ الروضة ٣/ ٤١٠؛ المنهاج، ص ٤٢. وانظر الشروط الفاسدة في المجموع ٩/ ٤١١، ٤٣٨، ٤٥٥. (١) الحديث رواه الجماعة، عن ابن عمر رضي الله عنهما، ذكر رجل لرسول الله – ﷺ – أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله – ﷺ -:»من بايعت فقل لا خلابة«واللفظ لمسلم. وأما الزيادة:»ولك الخيار ثلاثًا«أو بألفاظ نحوها، فقد رواها ابن ماجه
في سننه، والحميدي في مسنده، والبخاري في تاريخه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن الكبرى، ولم أجد في كتب السنن بلفظ المؤلف:»ولي الخيار«بضمير المتكلم، ولعله من تصرفه كعادة الفقهاء. انظر: البخاري، في البيوع، باب ما يكره من الخداع في البيع (٢١١٧)، فتح الباري ٤/ ٣٣٧؛ ومسلم، في البيوع، باب من يخدع في البيع (١٥٣٣)، ٣/ ١١٦٥. وراجع الاختلاف في ألفاظ الحديث وطرقه: السنن الكبرى ٥/ ٢٧٣، ٢٧٤؛ نصب الراية ٤/ ٦ وما بعدها؛ تلخيص الحبير ٣/ ٢١، ٢٢. وانظر أدلة الأحناف بالتفصيل: في المبسوط ١٣/ ٤١ وما بعدها؛ البدائع ٧/ ٣٠٧٤، ٣٠٩٣؛ الهداية وشروحها: فتح القدير مع العناية ٦/ ٣٠٠؛ البناية ٦/ ٢٦١. (٢) الحديث أخرجه ابن حزم في المحلى والخطابي في العالم، والطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث عن أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا في ضمن حكاية طويلة يروى عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة كما ذكره ابن حجر في التلخيص ونقل عن ابن أبي الفوارس أنه (غريب)، وقال النووي في المجموع:»حديث عمرو غريب”، وقال=
العقد يوجب فساد العقد، إلا أنه قام الدليل في شرط الخيار إذا كان ثلاثة أيام، وما زاد على ذلك بقي
على أصل القياس. مسألة: ١٦٥ – العلة في الربا العلة (١) في الربا (٢) عندنا، هي: الكيل في المكيلات،
= الهيثمي بعد ذكر القصة: «رواه الطبراني وفي طريق عبد الله بن عمرو مقال»، وذكره ابن تيمية في القواعد النورانية إلا أنه أنكر وجوده في دواوين الحديث حيث يقول! «وقد ذكره جماعة من المصنفين في الفقه، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه …». والذي رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك». «أخرجه: أبو داود في البيوع، باب في الرجل يبيع ما ليس عنده (٣٥٠٣)، ٣/ ٢٨٣؛ ونحوه: الترمذي (١٢٣٤) وقال:»حديث حسن صحيح«٣/ ٥٣٥؛ والنسائي ٧/ ٢٨٨». انظر: المحلى ٨/ ٤١٥؛ معالم السنن (٥/ ١٥٤)، مع مختصر سنن أبي داود؛ المجموع ٩/ ٤١٠؛ القواعد النورانية الفقهية، ص ١٨٨؛ مجمع الزوائد ٤/ ٨٥؛ تلخيص الحبير ٣/ ١٢. (١) العلة لغة: المرض الشاغل، وجمعها: علل. انظر: مختار الصحاح؛ المصباح، مادة: (علل). والمقصود بها هنا تعريفها الأصولي، وهي كما عرفها الرازي والبيضاوي: «بأنها المعرف للحكم»، بمعنى:
«هي وصف في الأصل بنى عليه حكمه، ويعرف به وجود هذا الحكم في الفرع». انظر: شرح البدخشي والأسنوي، على منهاج الوصول ٣/ ٣٩. (٢) الربا: بكسر الراء، مقصور على الأشهر، ويثنى ربوان، بالواو على الأصل، وقد يقال – ربيان – على التخفيف، والنسبة إليه ربوي بالكسر. وهو لغة: مطلق الزيادة، وربا الشيء يربو ربوًا، أي زاد، يقال: أربا الرجل: إذا عامل بالربا. نظر: الصحاح؛ المصباح، مادة: (ربا). وشرعًا: كما عرفه الميداني بأنه: «فضل خال عن عوض بمعيار شرعي، مشروط لأحد المتعاقدين في المعاوضة». وعرفه الشربيني وغيره من الشافعية بأنه: «عقد على عوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما». انظر: اللباب ٢/ ٣٧؛ مغني المحتاج ٢/ ٢١.
والوزن في الموزونات (١)، وعند الشافعي: الأكل في الأكل هو: الطعم (٢). دليلنا، وهو: أن الشرع لا حرم الفاضل، فالفضل لا يظهر إلا بالكيل والوزن، فكانت العلة في الحقيقة هي: الكيل؛ لأن التسوية التي توجب تحريم التفاضل، إنما هي: الكيل، فيضاف الحكم إليه، كما نقول في الرمي؛ لأن إغراق السهم في القوس يوجب المرور، والمرور يوجب الإصابة، والإصابة توجب الجرح، والجرح يوجب الإيلام؛ والإيلام يوجب الموت، فكان الكل مضافًا
إلى الرمي، وإن كان الموت قد حصل بوسائط، فكذلك ها هنا (٣). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الشرع إنما حرم التفاضل لحرمة هذا المال، وحرمته لكونه مطعومًا؛ لأنه يتعلق به بقاء الحياة، كما يتعلق في الدراهم والدنانير إنما حرم لحرمة هذا العين؛ لأن حرمته كونه ثمنًا، وكونه ثمنًا يتعلق به بقاء الأموال، وبقاء النفوس ببقاء الأموال، فكذلك في الطعم؛ لأن بقاء النفوس يتعلق بشيئين بالمطعومات والتجارة، والمطعومات: تقوم بها النفوس، والتجارة تقوم بها الأموال (٤).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧٥؛ القدوري، ص ٣٨؛ المبسوط ١٢/ ١٣١؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٣١؛ البدائع ٧/ ٣١٠٦؛ الهداية مع فتح القدير ٤/ ٧؛ البناية ٦/ ٥٢٥. (٢) انظر: الأم ٣/ ١٦ – ٢٠؛ التنبيه، ص ٦٤؛ المهذب ١/ ٢٧٧؛ الوجيز ١/ ١٣٦؛ المجموع ٩/ ٤٤٦. (٣) والأصل في هذا الباب بإجماع القائسين: الحديث المشهور، الذي رواه مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله – ﷺ -: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد»: مسلم في المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق (١٥٨٧)، ٣/ ١٢١١؛ وإنما وقع الاختلاف في العلة. انظر الأدلة
بالتفصيل: المبسوط ١٢/ ١١٣، وما بعدها؛ البدائع ٧/ ٣١٠٦، وما بعدها. (٤) انظر الأدلة النقلية والعقلية بالتفصيل: الأم ٣/ ١٤ – ٢٠؛ المجموع ٩/ ٤٥٣، وما بعدها.
مسألة:
١٦٦ – الربا في القليل الربا لا يجري في قليل البر ما لا يتأتى به الكيل عندنا (١)، وعند الشافعي: يجري (٢) الأصل في هذه المسائل، هو: الحديث المعروف، وهو: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «الذهب بالذهب مثل بمثل يد بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد، والفضل ربا، والحنطة بالحنطة مثل بمثل يد بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثل بمثل يد بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مثل بمثل يد بيد، والفضل ربا، والملح بالملح مثل بمثل يد بيد والفضل ربا» (٣). فالنبي – ﷺ – أثبت الربا في هذه الأشياء الستة؛ لأن الحنطة مطعوم بني آدم، وهو الأصل، والشعير مطعوم الحيوان، والتمر هكذا، والملح أصل التوابل، والدنانير والدراهم أصل مال التجارة، فالنبي – ﷺ – إنما أثبت الربا [في] هذه الأشياء، لعزة هذه الأشياء، وما لا يدخل تحت الكيل يكون مهانًا عند الناس، كالحفنة بالحفنتين، فوجب أن لا يجري فيه الربا (٤). احتج الشافعي بأن اعتبر الطعم، فأثبت الربا
قليلًا كان أو كثيرًا، حتى لو باع تفاحة بتفاحتين، أو رمانة برمانتين، فإنه لا يجوز، لوجود الطعم (٥)، وعند أبي حنيفة: يجوز؛ لأن العلة فيه
(١) انظر: المبسوط ١٢/ ١١٤؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٣٢؛ البدائع ٧/ ٣١١١؛ الهداية ٦/ ٥٣٤، مع البناية. (٢) انظر. الأم ٣/ ١٤؛ راجع المراجع السابقة للشافعية من المسألة: (١٦٥) في هامش (٢). (٣) الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة وأبي سعيد وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما، مسلم، في المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا (١٥٨٧، ١٥٨٨)، ٣/ ١٢١٠، ١٢١١، قال الزيلعي والعيني يروي قوله: «مثلًا بمثل» بروايتين: بالرفع والنصب. انظر بالتفصيل: نصب الراية ٤/ ٣٥؛ البناية شرح الهداية ٦/ ٥٢٧. (٤) لعدم وجود العلة وهي الكيل. انظر: البدائع ٧/ ٣١١١؛ النهاية ٦/ ٥٣٤، ٥٣٥. (٥) راجع المراجع السابقة للشافعية في المسألة: (١٦٥)، ص ٢٧٩، هامش (٢، ٤).
إنما هو الكيل، والفواكه ليست بمكيل بل هي عددي، فلا يجري فيه الربا (١). مسألة:
١٦٧ – علة الربا في النقود الدنانير (٢) والدراهم، معلولان بعلة الوزنية عندنا (٣)، وعند الشافعي: معلولان بالتنمية والنقدية (٤). والمعنى فيه: ما ذكرناه في المسألة الأولى
(٥). مسألة: ١٦٨ – جريان الربا في غير الأشياء المنصوصة يجري [الرب] (٦) في الرصاص (٧) والنحاس (٨) وسائر
(١) راجع المراجع السابقة للأحناف، هامش (٣). (٢) الدينار، معرب، أصله: دنار بالتضعيف، فأبدل من إحداهما ياء، لئلا يلتبس بالمصادر، ولهذا يرد في الجمع إلى أصله، فيقال: دنانير. والدرهم: هو أيضًا معرب، وزنه فعلل، بكسر الفاء وفتح اللام في اللغة المشهورة، وجمعه: دراهم ودراهيم، والدينار والدرهم من العملات المستعملة المعروفة، في الجاهلية والإسلام. والدينار الشرعي، لوزن النقد يعادل: ٢٥، ٤ غرامًا. والدرهم الشرعي لوزن النقد (الفضة) يعادل: ٢.٩٧٥ غرامًا. انظر: المغرب؛ المصباح (دينار، درهم)، الإيضاح والتبيان؛ في معرفة المكيال والميزان، مع تعليقات الدكتور: محمد الخاروف، ص ٤٩، ١٦١. (٣) راجع: المراجع السابقة للأحناف، في المسألة: (١٦٥)، ص ٢٧٨، هامش (١). (٤) راجع: المراجع السابقة للشافعية، في المسألة: (١٦٥)، ص ٢٧٨، هامش (٢). (٥) راجع: علة الربا في المذهبين في المسألة: (١٦٥). (٦) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٥؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٣٣؛ البدائع ٩/ ٣١٠٧، ٣١١٠؛ الهداية وشرحها: البناية ٦/ ٥٢٨. (٧) الرصاص: بالفتح، والقطعة منه رصاصة، وهي العلاب، وفي الزيوف من الدراهم: هو المموه، وهي من مادة فلزلين. انظر: المغرب؛ المصباح؛ معجم الوسيط، (رص، رصص). (٨) والنحاس: بتثليث النون، عنصر فلزي قابل للطرق يوصف
عادة بالأحمر، لقرب لونه من الحمرة. انظر: المنجد؛ ومعجم الوسيط (نحس).
الموزونات والمكيلات، لما ذكرنا من علة الكيل والوزن (١)، وعند الشافعي: لا يجري الربا إلا في الأشياء الستة (٢)، أو [ما] كان في معناها، لكونه مطعومًا، والرصاص والنحاس ليس بمطعوم فلا يجري فيه الربا (٣). مسألة:
١٦٩ – الربا في دار الحرب لا يجري الربا في دار الحرب عندنا (٤)، وعند الشافعي: يجري (٥)، وحاصل الخلاف راجع: إلى أن الكفار مخاطبون بالشرائع أم لا (٦)؟ عندنا: الكفار مخاطبون بالإيمان، وليسوا بمخاطبين بالشرائع (٧).
(١) راجع المراجع السابقة في المسألة: (١٦٥)، ص ٢٧٩، هامش (١). (٢) الأشياء الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، راجع المسألة: (١٦٥)، ص ٢٧٩، هامش (٣، ٤). (٣) قال الشيرازي: «وما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيها الربا». المجموع مع المهذب ٩/ ٤٥٣، فما بعدها. (٤) انظر: القدوري، ص ٣٨؛ المبسوط ١٤/ ٥٦، ٥٧؛ البدائع ٧/ ٣١٢٧؛ الهداية وشروحها: فتح القدير مع العناية (٧/ ٣٨)، البناية ٦/ ٥٧٠، ٥٧١. (٥) انظر: المجموع ٩/ ٤٤٢، ٤٤٣. (٦) وقد سبق بيان هذا الخلاف بالتفصيل في المسألة: (٧٠)، ص ١٦٨. (٧)
واستدل الأحناف من النقل بما روي عن مكحول مرسلًا، قوله – ﷺ -: «لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب». قال السرخسي مقوّيًا له: «والحديث وإن كان مرسلًا، فمكحول فقيه ثقة والمرسل من مثله مقبول». قال النووي: «مرسل ضعيف». وقال العيني وابن الهمام: «غريب ليس له أصل مسند». واشترطوا أيضًا لجريان الربا” أن يكون المتبادلان معصومين، فإن كان أحدهما غير معصوم، فلا يتحقق الربا … لأن مال الحربي ليس بمعصوم، بل هو مباح في نفسه، إلا أن المسلم المستأمن يمنع من تملكه من غير رضاه، لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بدله باختياره ورضاه، =
وعند الشافعي: الكفار مخاطبون بالشرائع، فإذا كانوا عنده مخاطبين بالشرائع [تكون] (١) حرمة الربا ثابتة، في حق الكفار (٢). مسألة:
١٧٠ – بيع اللحم بالحيوان بيع اللحم بالحيوان جائز عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا يجوز (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن اللحم إذا كان موزونًا وصار ثمنًا، فيجوز بيعه؛ لأن النبي – ﷺ – نهى عن بيع الحيوان بالحيوان (٥)، واللحم ليس بحيوان فيجوز (٦).
= فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاء على مال مباح غير مملوك«. البدائع ٧/ ٣١٢٧؛ راجع
المراجع السابقة للأحناف. (١) في الأصل: (جعل). (٢) واستدلت الشافعية على تحريم الربا بدار الحرب:»بعموم القرآن والسنة في تحريم الربا من غير فرق … ولأن ما حرم في دار الإسلام حرم هناك [دار الحرب] كالخمر وسائر المعاصي«. المجموع ٩/ ٤٤٢. (٣) مطلقًا: ولا يشترط كون اللحم من جنس ذلك الحيوان، ولا كونه مساويًا للحيوان، ولكن بشرط التعيين، وأما النسيئة فلا يجوز فيه، لامتناع السلم فيها. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٦؛ القدوري، ص ٣٨؛ المبسوط ١٢/ ١٨٠؛ البدائع ٧/ ٣١٢٠؛ الهداية وشروحها: فتح القدير والعناية ٧/ ٢٥، ٢٦؛ البناية ٦/ ٥٥٤. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ٧٨؛ التنبيه، ص ٦٤؛ المهذب ١/ ٢٨٤؛ الوجيز ١/ ١٣٨؛ المنهاج، ص ٤٦. (٥) الحديث أخرجه أصحاب السنن عن سمرة بن جندب أن النبي – ﷺ -:»نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة”: أبو داود، في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٣٣٥٦)، ٣/ ٢٥٠؛ ونحوه الترمذي (١٢٣٧) وقال: حديث حسن صحيح، وسماع الحسن عن سمرة صحيح ٣/ ٥٣٨؛ والنسائي ٧/ ٢٩٢؛ وابن ماجه، في التجارات، باب الحيوان بالحيوان نسيئة (٢٢٧٠)، ٢/ ٧٦٣، ولم أر الحديث إلا مقيدًا بالنسيئة). (٦) بمعنى أنه بيع موزون بما ليس بموزون، أي بيع الجنس بخلافه. انظر الأدلة: المبسوط ١٢/ ١٨٠، ١٨١؛ البدائع ٧/ ٣١٢٠؛ الهداية
٦/ ٥٥٤؛ مع البناية.
احتج الشافعي في المسألة: أنه لما باع اللحم بالحيوان، كأنّه باع اللحم باللحم: أحدهما موزون، والآخر غير موزون، فوجب أن لا يجوز كما لو باع الحيوان بالحيوان» (١). مسألة:
١٧١ – مبادلة الرطب بالتمر الرطب بالتمر جائز عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن الرطب لا يخلو إما أن يكون تمرًا أو لا يكون تمرًا، فإن كان تمرًا فإنه يجوز؛ لأن التمر بالتمر متساويان فيجوز، أما إذا لم يكن الرطب تمرًا فإنه يجوز؛ لأنه باع بخلاف جنسه، فيجوز كيفما كان (٤).
(١) واستدل الشافعي بسنده عن ابن المسيب مرسلًا: أن النبي – ﷺ -: «نهى عن بيع اللحم بالحيوان»، وروي عن ابن عباس: أن أبا بكر رضي الله عنه امتنع عن بيع اللحم بالحيوان، وذكر أدلة أخرى. ثم قال الشافعي: «… ولا نعلم أحدًا من أصحاب النبي – ﷺ – خالف في ذلك أبا بكر، وإرسال ابن المسيب عندنا حسن». قال ابن حجر: «رواه مالك والشافعي من حديث ابن المسيب مرسلًا، وهو عند أبي داود في المراسيل، ووصله الدارقطني في الغرائب عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم
بضعفه، وصوّب الرواية المرسلة التي في الموطأ، وتبعه ابن عبد البر وابن الجوزي». وللحديث شواهد، منها: ما روي عن سمرة بن جندب مرفوعًا: «نهى أن تباع الشاة باللحم». رواه البيهقي وقال: «هذا إسناده صحيح». انظر: (الموطأ؛ في البيوع؛ باب بيع الحيوان باللحم (٦٤ – ٦٦)، ٢/ ٦٥٥؛ السنن الكبرى، باب بيع اللحم بالحيوان ٥/ ٢٩٦، ٢٩٧). وراجع الاختلاف في الحديث ورواته في: نصب الراية ٤/ ٣٩؛ تلخيص الحبير ٣/ ١٠؛ مختصر المزني، ص ٧٨، ٧٩؛ المهذب ١/ ٢٨٤. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٧؛ القدوري، ص ٣٨؛ المبسوط ١٢/ ١٨٤؛ الهداية وشروحها: فتح القدير ٧/ ٢٧؛ البناية ٦/ ٥٥٥. (٣) انظر: الأم ٣/ ٢٤؛ المهذب ١/ ٢٨١؛ الوجيز ١/ ١٣٧؛ المنهاج، ص ٤٥. (٤) واستدل لأبي حنيفة رحمه الله من النقل بقوله – ﷺ – حين أهدى إليه رطبًا: «أو كل تمر خيبر هكذا»، سماه تمرًا.=
احتج الشافعي في المسألة: أن النبي – ﷺ – إنما جوّز بيع التمر بالتمر بشرط أن يكونا متساويين، وها هنا لم [يوجد] التساوي؛ لأن الرطب إذا جف لا بد له أن ينتقص، فلم يوجد التساوي (١). مسألة:
١٧٢ – رد الموطوءة بعيب وطء الثيب يمنع (٢) الرد
بالعيب عندنا (٣)، وعند الشافعي لا يمنع الرد بالعيب (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن الوطء قام مقام استيفاء الجزء،
= وهذا الحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة وابي سعيد الخدري رضي الله عنهما في مواضع، وليس فيها ذكر الرطب، وإنما الهدية كانت تمرًا كما هي في نصوص الشيخين: (البخاري، في كتاب البيوع، باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه (٢٢٠١، ٢٢٠٢)، ٤/ ٣٩٩؛ ومسلم، في كتاب المساقاة، باب بيع الطعام مثلًا بمثل (١٥٩٣)، ٣/ ١٢١٥). انظر: الهداية وشروحها: فتح القدير والعناية ٧/ ٢٧، ٢٨؛ البناية ٦/ ٥٥٦. (١) وهذا معنى حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – ﷺ – يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال رسول الله – ﷺ -: «أينقص الرطب إذا يبس؟»، فقالوا: نعم، «فنهى عن ذلك». (أخرجه الإمام مالك، في الموطأ؛ في كتاب البيوع، باب ما يكره من بيع التمر (١٢٢)، ٢/ ٦٢٤؛ أبو داود، في كتاب البيوع، باب التمر بالتمر (٣٣٥٩)، ٣/ ٢٥١؛ الترمذي، في البيوع، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة (١٢٢٥) وقال: «حسن صحيح» ٣/ ٥٢٨؛ والنسائي، في البيوع، باب اشتراء التمر بالرطب ٧/ ٢٦٨؛ وابن ماجه في التجارات، باب بيع الرطب بالتمر (٢٢٦٤)، ٢/ ٧٦١). انظر: الأم ٣/
٢٤، ٢٥؛ المهذب ١/ ٢٨١. (٢) بيان المسألة: بأن «كان البيع جارية فوطئها المشتري، ثم اطلع على عيب بها، فإن كانت بكرًا لم يردها بالإجماع» والخلاف في الثيب. انظر: مختصر المزني، ص ٨٣؛ المهذب ١/ ٢٩٢؛ البدائع ٧/ ٣٣٤١. (٣) انظر: المبسوط ١٣/ ٩٥؛ البدائع ٧/ ٣٣٤١. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ٨٣؛ المهذب ١/ ٢٩٢؛ الوجيز ١/ ١٤٥؛ المنهاج، ص ٤٨.
كما لو قطع يدها أو رجلها، فوجب أن يمنع الرد بالعيب، كما لو كانت بكرًا. فافتضها، فإنه يمنع الرد بالعيب بالإجماع (١). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن الوطء لا يوجب نقصانًا في المبيع، فلا يمنع الرد بالعيب، كالاستخدام (٢). مسألة:
١٧٣ – اشترى أمه على أنها كتابية فوجدها بخلافه إذا اشترى أمة على أنها كتابية، فوجدت بخلافه، فإن عندنا لا يثبت له الخيار (٣)، [وعند الشافعي: يثبت له الخيار] (٤). دليلنا في المسألة؛ لأن هذا شرط لا يؤثر في البيع والمالية، فوجب أن لا يثبت له الخيار، كالكافرة الأصلية (٥). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن أغراض الناس متفاوتة، وهو إنما اشتراها بشرط أن تكون كتابية، فإذا وجدها بخلافه، وجب أن يثبت له الخيار، كما لو شرطها أنها صناعة فوجدها بخلافه. فإنه
يثبت له الخيار (٦).
(١) واستدلوا من النقل بإجماع الصحابة رضوان الله عليهم: بعدم جواز الرد مجانًا، لاعتبار الوطء بمنزلة الجناية. انظر: أدلتهم النقلية والعقلية بالتفصيل: المبسوط ١٣/ ٩٥، ٩٦، ٢٥/ ١٨٥؛ البدائع ٧/ ٣٣٤١. (٢) انظر: المهذب ١/ ٢٩٢. (٣) انظر: الهداية ٦/ ٣٣٣؛ مع شرح البناية؛ رد المختار مع حاشية ابن عابدين ٥/ ١١، ١٢. (٤) زيدت ما بين المربعين لإتمام العبارة، والظاهر أنها سقطت من الناسخ سهوًا، قال الشيرازي: «وإن اشتراه [عبدًا] على أنه كافر، فوجده مسلمًا ثبت له الرد»، المهذب ١/ ٢٩٤. (٥) وكذلك إن وجدها مسلمة، فلا ترد، «لأن الإسلام زوال العيب»، فصار كما لو اشتراها معيبة، فوجدها سليمة. انظر: شرح العناية على الهداية ٦/ ٣٦١، مع شرح فتح القدير؛ البناية ٦/ ٣٣٣. (٦) انظر: المهذب ١/ ٢٩٤.
مسألة:
١٧٤ – ملكية العبد بالتمليك العبد لا يملك بالتمليك عندنا (١)، وعند الشافعي: يملك بالتمليك (٢). دليلنا في المسألة، وهو: قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾، ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ (٣) فقد أخبر الله تعالى أن العبد لا يقدر على شيء، فلو أثبتنا له الملك أثبتنا له القدرة (٤). احتج الشافعي في
المسألة، وهو: أن العبد أهل لملك النكاح إذا ملّكه السيد، فكذلك يجوز أن يكون أهلًا لملك المال (٥). مسألة: ١٧٥ – بيع اللعبد الجاني العبد الجاني عندنا يجوز بيعه (٦)، وعند الشافعي: لا يجوز (٧).
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٨٦؛ البناية شرح الهداية ٨/ ٣١٢ – ٣١٤. (٢) انظر: التنبيه، ص ٨٢؛ المهذب ١/ ٣٩٧؛ الرجيز ١/ ١٥٢؛ المنهاج، ص ٥٢. (٣) سورة النحل: آية ٧٥، ٧٦. (٤) انظر أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٨٦، ١٨٧. (٥) انظر: المهذب ١/ ٣٩٧؛ أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ٢٤٤. (٦) يجوز بيع العبد الجاني عند الأحناف، ولكن يضمنه الولى بحسب علمه: فإن باعه قبل علمه بجنايته ضمن الأقل من قيمته ومن أرش الجناية، وإن باعه بعد علمه بها وجب عليه الأرش كاملًا. انظر: القدوري، ص ٩٢؛ الهداية ٤/ ٢٠٥. (٧) المسألة فيها أقوال وتفاصيل كثيرة لدى الشافعية، وخلاصتها كما قال النووي رحمه الله في الروضة: «المذهب: أنه لا يصح بيعه أن تعلق برقبته مال، ويصح إن تعلق به قصاص». انظر: مختصر المزني، ص ٨٣؛ المهذب ٤/ ٣٩١؛ التنبيه، ص ٦٣؛ الروضة ٣/ ٣٥٧، ٣٥٨.
بيان المسألة: أن العبد إذا
قتل رجلًا فعليه القصاص، ثم قبل أن يقتص منه باعه سيده، عندنا يجوز بيعه، وعند الشافعي: لا يجوز. دليلنا في المسألة، وهو: أن العبد محل للبيع قبل الجناية، فوجب أن يكون محلًا للبيع بعد الجناية (١)، كما لو قطع يد إنسان، ثم باعه سيده قبل القصاص، فإنه يجوز. احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن العبد لما وجب عليه القصاص، جعل كالهالك، فلا ينعقد بيعه (٢)، كما لو باع مرتدًا فإنه لا يجوز بيعه، لكونه مستحقًا للهلاك لهذا المعنى. مسألة: ١٧٦ – أثر البيع الفاسد البيع الفاسد (٣) إذا اتصل به القبض، يفيد الملك
(١) انظر: البناية في شرح الهداية ١٠/ ٢٧٣. (٢) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٣) الفاسد والباطل مترادفان، ويقابلان الصحة الشرعية، عند جمهور الفقهاء سواء كان في العبادات أو المعاملات. فهما في العبادات: عبارة عن عدم سقوط القضاء، وفي المعاملات: عبارة عن عدم ترتب الأثر عليها. وفرق الأحناف بينهما في المعاملات مع اتفاقهم مع الجمهور في العبادات: فعرفوا الفاسد بأنه «ما كان مشروعًا بأصله دون وصفه»، مثاله: البيع بالخمر والخنزير، وهذا بيع فاسد، لوجود حقيقة البيع وهو مبادلة المال بالمال لأنهما مال عند أهل الذمة، ومن ثم يفيد الملك عند اتصال القبض – موضوع مسألتنا – وعرفوا الباطل بأنه «ما لم يشرع
بأصله ولا بوصفه»، مثاله: البيع بالميتة والدم، فإنه لا يجوز بالإجماع، ولا يفيد الملك مطلقًا، و«ذلك لانعدام ركن البيع وهو: مبادلة المال بالمال، فإن هذه الأشياء لا تعد مالًا عند أحد». انظر: شرح تنقيح الفصول، ص ٧٧؛ تيسير التحرير ٢/ ٢٣٦؛ المحلى على جمع الجوامع ١/ ١٠٦؛ شرح الكوكب المنير ١/ ٤٧٣؛ البناية ٦/ ٣٧٤؛ شرح فتح القدير ٦/ ٤٠٤.
عندنا (١)، وعند الشافعي: لا يفيد الملك (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن العقد تم بينهما، إلا أن الفساد (٣) تمكن في العقد، فإذا قبض فوجب أن يتأكد الملك وزوال الفساد، كما لو وهبه ثم قبضه، فإنه يثبت الملك (٤). احتج الشافعي في المسألة وقال: لا خلاف أنه قبل القبض لا يوجب الملك، لكونه فاسدًا، وبزيادة القبض وجب أن لا يثبت الملك (٥). مسألة:
١٧٧ – شراء العبد بشرط العتق إذا اشترى عبدًا بشرط العتق، عندنا: لا يجوز (٦)، وعند الشافعي: يجوز (٧)، بيانه: إذا قال المشتري: اشتريت منك هذا العبد، بشرط أن أعتقه.
(١) التملك بالقبض مشروط بإذن البائع. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨٥؛ القدوري، ص ٣٦؛ المبسوط ٣/ ٢٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٨٤؛ الهداية وشروحها: فتح القدير
مع العناية ٦/ ٤٠٤؛ البناية ٦/ ٣٧٧. (٢) انظر: مختصر المزني، ص ٨٧؛ المهذب ١/ ٢٧٥؛ الوجيز ١/ ١٣٩؛ المجموع ٢/ ٤١٩. (٣) في الأصل: (الفاسد). (٤) انظر: المراجع السابقة للأحناف. (٥) وقاس الشيرازي البيع الفاسد بالنكاح الفاسد في عدم وجوب الملك، حيث يقول: «فإن قبض البيع [بشرط فاسد] لم يملكه؛ لأنه قبض في عقد فاسد، فلا يوجب الملك، كالوطء في النكاح الفاسد». المهذب ١/ ٢٧٥. (٦) أي يقع البيع فاسدًا، وروى الحسن عن أبي حنيفة «بأن البيع يقع جائزًا بهذا الشرط». والمذهب: عدم جوازه، كما ذكر المؤلف، «ولو أعتقه قبل القبض لم ينفذ عتقه وإن أعتقه بعد القبض عتق فانقلب العقد جائزًا، استحسانًا في قول أبي حنيفة حتى يجب عليه الثمن» كما ذكره صاحب التحفة. انظر: القدوري، ص ٣٦؛ المبسوط ١٣/ ١٥؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٧٧، ٧٨؛ البدائع ٧/ ٣٠٧٤. (٧) أي يقع البيع والشرط صحيحًا على المذهب، وفي لزوم العتق قولان. انظر: التنبيه، ص ٧٤؛ المهذب ١/ ٢٧٥؛ الوجيز ١/ ١٣٨؛ الروضة ٣/ ٤٠١؛ المنهاج، ص ٤٦؛ المجموع ٩/ ٤٠٥، ٤٠٦.
دليلنا: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه: «نهى عن بيع وشرط» (١)، وهذا نص. احتج الشافعي، في المسألة: أن هذا
شرط ملائم العقد، فلا يوجب فساد العقد، فصار كما لو شرط أن لا [يبيع] عبده، لا يمنع فساد العقد (٢). مسألة: ١٧٨ – شراء الكافر للعبد الكافر إذا اشترى عبدًا مسلمًا ينعقد بيعه، ولكن يجبر على البيع (٣) [عندنا]، وعند الشافعي: لا ينعقد (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الكافر أهل للبيع للمسلم، فوجب أن يكون أهلًا للشراء، كما في المسلم (٥).
(١) الحديث قد سبق تخريجه، والكلام فيه في المسألة (١٦٤)، ص ٢٧٧، ٢٧٨. واستدل السرخسي بالمعنى: «لأن في هذا الشرط منفعة للمعقود عليه، والعقد لا يقتضيه، فيفسد به العقد كما لو شرط أن لا يبيع». انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٣/ ١٥؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٧٨. (٢) واستدل الشيرازي من النقل بحديث بريرة «لأن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة لتعتقها، فأراد أهلها أن يشترطوا ولاءها، فقال رسول الله – ﷺ -:»اشتريها واعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق”. رواه الشيخان: البخاري، في الصلاة، باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد (٤٥٦)، ١/ ٥٥٠؛ مسلم، في العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (١٥٠٤)، ٢/ ١١٤١). المهذب ١/ ٢٧٥. (٣) انظر: المبسوط ١٣/ ١٣٠. (٤) اتفق الشافعية على تحريم هذا البيع، واختلفوا في صحته على قولين مشهورين، وصحح الجمهور قول البطلان، وهو قول النووي
كما في المجموع. انظر: التنبيه، ص ٦٣؛ الوجيز ١/ ١٣٣؛ المنهاج، ص ٤٥؛ المجموع مع المهذب ٢/ ٣٩٩، ٣٩٣. (٥) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١٣/ ١٣٢، ١٣٣.
احتج الشافعي وهو: أن الكافر ليس بأهل للملك على المسلم، بدليل أنه لا يملك النكاح على المسلمة، وكذلك بالشراء وجب أن لا يملك (١). وكان المعنى فيها: إنما هو الاستذلال؛ لأن الكافر منهي عن الاستذلال للمسلم بالملك (٢). مسألة:
١٧٩ – بيع الكلب المعلّم بيع الكلب المعلّم جائز عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا يجوز (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الكلب إذا كان معلّمًا يكون حيوانًا منتفعًا به، فجاز بيعه، كسائر الحيوانات (٥).
(١) انظر الأدلة: المجموع ٩/ ٣٩٢، ٣٩٣. (٢) ودليل هذا قوله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
[النساء: ١٤١]. انظر: المسألة مع اختلاف الفقهاء فيها بالتفصيل: تفسير القرطبي ٥/ ٤٢١، ٤٢٢. (٣) يجوز بيع الكلب مطلقًا عند الأحناف، بدون تفريق بيع المعلّم وغير المعلم، برواية الأصل، كما ذكره الكاساني. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨٤؛ البدائع ٦/ ٣٠٠٦، ٧/ ٣٠٧٣. (٤) لا يجوز بيع الكلب مطلقًا عند الشافعية، سواء كان معلمًا أو غير معلم، لاعتباره نجس
العين كالخنزير، إلا أنه رخص اقتناؤه والانتفاع به، لأجل الاصطياد والحراسة، لاستثناء الشارع ذلك، للحاجة. انظر: مختصر المزني، ص ٨٩، ٩٠؛ المهذب ١/ ٢٦٨؛ الوجيز ١/ ١٣٣؛ الروضة ٣/ ٣٤٨. (٥) واستدل الأحناف على جواز بيعه مطلقًا: بأنه مال مباح الانتفاع به شرعًا على الإطلاق، فكان محلًا للبيع، كالصقر والبازي. انظر بالتفصيل: البدائع ٦/ ٣٠٠٦.
احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ -: «أنه نهى عن بيع الكلب» (١)، وهذا نص. مسألة:
١٨٠ – شراء الأعمى وبيعه شراء الأعمى وبيعه جائز عندنا (٢)، وعند الشافعى: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الأعمى أهل لملك النكاح، فوجب أن يكون أهلًا للشراء، كالطلاق والعتاق (٤). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن البيع بالجهالة لا يجوز، [و] هذا البيع من الأعمى مجهول، فوجب أن لا يصح، كشراء الغائب (٥).
(١) الحديث رواه الشيخان عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله – ﷺ -: «نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن»: البخاري، في البيوع، باب ثمن الكلب (٢٢٣٧)، ٤/ ٤٢٦؛ مسلم، في المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب (١٥٦٧)، ٣/ ١٩٨. واستدل الجميع على ترخيص
اقتناءه والانتفاع به في الاصطياد والحراسة بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – ﷺ – قال: “من اتخذ كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط): أبو داود، في الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره (٢٨٤٤) ٣/ ١٠٨. (٢) حيث يقول الأحناف بصحة بيع الأعمى، فإنهم يثبتون له الخيار ما لم يجس، أو يوصف له إن كان مما لا يجس؛ لأن هذا الفعل بمنزلة النظر من الصحيح. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨٣؛ المبسوط ١٣/ ٧٧. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ٨٨؛ المهذب ١/ ٢٧١؛ الوجيز ١/ ١٣٥؛ المجموع ٩/ ٣٣٢. (٤) انظر: المبسوط ١٣/ ٧٧. (٥) انظر: المجموع مع المهذب ٩/ ٣٣١، ٣٣٢.
مسألة:
١٨١ – تصرفات الصبي الصبي إذا تصرف في المال، إذا كان بإذن الولي يصح تصرفه عندنا (١)، وعند الشافعي: لا يصح (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن الصبيّ العاقل يهتدي في التجارات، إلا أنه محجور عليه لحق الولي، فإذا أذن الوليّ فقد ارتفع الحجر، كما في العبد؛ لأن العبد محجور عليه مع كونه أهلًا لحق المولى، فإذا أذن المولى صحّ بيعه وشراؤه، وكذلك الصبي (٣).
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الصبي ليس بأهل للتصرف قبل إذن وليه، فوجب أن لا يكون أهلًا بعد الإذن، كما في النكاح؛ لأن الإذن لا يصيّر ما ليس بأهل أهلًا، بخلاف العبد؛ لأن العبد أهل، بدليل أنه مخاطب بحقوق الله تعالى بخلاف الصبيّ (٤).
(١) يصح تصرف الصبي بإذن الولي إذا كان يعقل البيع والشراء عند الأحناف. انظر: القدوري، ص ٦٧؛ المبسوط ٢٥/ ٢٠، ٢١؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٤٤، ٤٩؛ الهداية وشرحها فتح القدير والعناية ٩/ ٣١٠ وما بعدها. (٢) لا ينعقد تصرفه مطلقًا عند الشافعية. انظر: المهذب ١/ ٢٦٤، ٣٣٩؛ الوجيز ١/ ١٣٣؛ المنهاج، ص ٤٤؛ الروضة ٣/ ٣٤٢؛ حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلى على المنهاج ٢/ ١٥٥. (٣) انظر الأدلة النقلية والعقلية بالتفصيل. المبسوط ٢٥/ ٢١، ٢٢. (٤) استدلت الشافعية بحديث عائشة رضي الله عنها: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ …» الحديث وقد سبق تخريجه في المسألة (٤٦)، ص ١٤٠. انظر: المهذب ٢/ ٢٦٤.
مسألة:
١٨٢ – تصرف العبد المأذون [العبد] (١) المأذون في نوع من التجارة، يصير مأذونًا في جميع أنواع التصرفات عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يصير مأذونًا في
الجميع (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن العبد محجور [عليه] في التصرفات لحق السيد، فإذا أذن له السيد، فقد ارتفع الحجر، فوجب أن يكون أهلًا لجميع التصرفات، كما لو أعتق (٤). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن المولى لما أذن له بالتصرف في النوع، إنما خصه هذا النوع؛ لأنه عرف حال العبد أنه يهتدي في هذا النوع؛ لأن الناس متفاوتون في هذا التصرف، فربما يهتدي في نوع، ولا يهتدي في نوع آخر، فكان تخصيص المولى للعبد في شيء إنما يكون لمعنى، فوجب أن لا يملك التصرف في (٥) الجميع كما في الوكيل (٦). مسألة: ١٨٣ – أثر سكوت السيد في تصرفات العبد المولى إذا رأى عبده يتجر فسكت فإنه يكون إذنًا عندنا (٧)، وعند الشافعي: لا يكون مأذونًا بالسكوت (٨).
(١) زيدت ما بين المربعين. لاقتضاء المسألة ذلك. (٢) انظر: القدوري، ص ٦٦؛ المبسوط ٢٥/ ٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤٨٣؛ الهداية وشرحها: فتح القدير والعناية ٩/ ٢٨٥. (٣) انظر: المهذب ١/ ٣٩٧؛ التنبيه، ص ٨٢؛ الوجيز ١/ ١٥١؛ المنهاج، ص ٥٢. (٤) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٢٥، ٦؛ البدائع ١٠/ ٤٥٢٠. (٥) في الأصل: (كالتصرف). (٦) راجع الأدلة في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٤/ ١٧٤. (٧) بسكوت المولى يصير العبد مأذونًا في التجارات،
ما عدا البيع الذي صادفه السكوت فيه، عند أبي حنيفة. انظر: المبسوط ٢٥/ ١١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤٨٥؛ البدائع ١٠/ ٤٥٢١؛ الهداية وشرحها العناية ٩/ ٢٨٤، مع تكملة فتح القدير. (٨) انظر: المهذب ١/ ٣٩٦؛ الوجيز ١/ ١٥٢؛ المنهاج، ص ٥٢.
دليلنا في المسألة وهو: أنه لما رأى عبده يبيع ويشتري وسكت، يكون هذا إذنًا من طريق الدلالة، كالإذن من طريق الإِفصاح، كالأب إذا زوج ابنته البالغة، فاستأذنها فسكتت، فإن ذلك يكون رضًا منها، لهذا المعنى، فكذلك ها هنا (١). احتج الشافعي، في المسألة وقال؛ لأن السكوت ليس بحجة في الشرع بخلاف البكر؛ لأن الشرع جعل سكوتها رضًا لعلة الحياء، وهاهنا هذا المعنى معدوم، فوجب أن لا يثبت إلا بالإفصاح (٢). مسألة:
١٨٤ – بيع لبن بني آدم بيع لبن بني آدم لا يجوز عندنا (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن اللبن جزء من بني آدم، فلا يجوز بيعه، كما في سائر الأجزاء، والخلاف بين الأمة والحرة واحد، كان ينبغي أن يجوز لبن الأمة، كما جاز بيعها، إلا أنه لا يجوز بيع لبنها؛ لأن اللبن لا يحل فيه الرق، فلا يجوز بيعه، كالبول والدم منها (٥).
(١) انظر الأدلة بالتفصيل في المراجع السابقة للأحناف. (٢) وعلل الشيرازي عدم اعتبار الإذن بالسكوت بقوله: «لأنه تصرف يفتقر إلى الإذن فلم يكن السكوت إذنًا فيه، كبيع مال الأجنبي». المهذب ١/ ٣٩٦. (٣) انظر: البدائع ٦/ ٣٠١١. (٤) انظر: الوجيز ١/ ١٣٤؛ المجموع ٢/ ٥٧٥؛ الروضة ٣/ ٣٥٣. (٥) واستدل الأحناف لمذهبهم بإجماع الصحابة، «لما روي عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما:»أنهما حكما في ولد المغرور بالقيمة، وبالعقر بمقابلة الوطء«وما حكما بوجوب قيمة اللبن بالاستهلاك، ولو كان ما لا لحكما؛ لأن المستحق يستحق بدل إتلاف ماله بالإجماع .. ولأن اللبن جزء من الآدمي، والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم، وليس من الكرامة والاحترام ابتذاله بالبيع والشراء …». البدائع ٦/ ٣٠١١.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن اللبن شيء طاهر منتفع به فجاز بيعه كما في سائر الألبان (١). مسألة:
١٨٥ – البيع بشرط البراءة من العيوب إذا باع واشترى بشرط البراءة من العيوب، يجوز عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة: أن هذا شرط ملائم بهذا العقد، فوجب أن يجوز، كما لو برأه بعيب معين (٤). احتج الشافعي وقال: إن هذا إبراء مجهول، والإبراء في المجهول لا يصح، كالإقرار
في المجهول (٥).
(١) انظر الدليل: المجموع ٢/ ٥٧٥. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨١؛ القدوري، ص ٣٦؛ المبسوط ١٢/ ٩١؛ البدائع ٧/ ٣٣٢٤؛ الهداية وشروحها: فتح القدير ٦/ ٣٩٦، ٣٩٧؛ البناية ٦/ ٣٦٩. (٣) روي عن الشافعي في المسألة ثلاثة أقوال، مع التفريق بين الحيوان وغيره: «وأظهرها: يبرأ في الحيوان عما لا يعلمه البائع دون ما يعلمه، ولا يبرأ في غير الحيوان بحال …». ثم وإن بطل هذا الشرط لم يبطل به البيع على الأصح كما ذكره النووي. انظر: مختصر المزني، ص ٨٤؛ المهذب ١/ ٢٩٥؛ الروضة ٣/ ٤٧٠، ٤٧١؛ المنهاج، ص ٤٦. (٤) واستدلوا من النقل باتفاق الصحابة على جواز البيع، قال السرخسي: «وحجتنا في ذلك ما روي أن زيد بن ثابت رضي الله عنه ابتاع مملوكًا من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بشرط البراءة من كل عيب، ثم طعن فيه بعيب فاختصما إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فحلفه بالله: لقد بعته وما به عيب يعلمه وكتمته، فنكل عن اليمين فرده عليه». قال السرخسي مستدلًا بالقضية: «فقد اتفقوا على جواز البيع بهذا الشرط، وإنما اختلفوا في صحة الشرط فيستدل باتفاقهم على جواز البيع، وبقول النبي – ﷺ -:»المسلمون عند شروطهم«على صحة الشرط: أخرجه أبوداود عن أبي هريرة، في الأقضية،
باب في الصلح (٣٥٩٤)، ٣/ ٣٠٤؛ والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٩؛ السنن الكبرى ٦/ ٧٩ وغيرهم. المبسوط ١٣/ ٩٢. (٥) واستدل الشافعي في الحيوان بقضاء عثمان رضي الله عنه:»أنه بريء من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه ولم يسمه له ويقفه عليه … ” انظر: مختصر المزني، ص ٨٤؛ المهذب ١/ ٢٩٥.
باب السلم (١) [مسألة]:
١٨٦ – السلم في المنقطع السلم في المنقطع عندنا لا يجوز (٢)، وعند الشافعي: جائز (٣). وصورته: إذا أسلم في العنب أو في الرطب في غير أوانه.
(١) السلم لغة: التقديم والتسليم، والسلم: الاسم من أسلمت، وهو: تسليم رأس المال، وهو بالتحريك بمعنى السلف (وزنًا ومعنى) «وهو كل ما قدمه الإنسان من قبله». وشرعًا: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا وفي المثمن آجلًا«وباختصار هو: (ما عجل ثمنه وأجل مثمنه)، ومن ثم يسمى المبيع: مسلمًا فيه، والثمن: رأس المال، والبائع: مسلمًا إليه، والمشترى: رب السلم. انظر: معجم مقاييس اللغة، القاموس المحيط؛ مختار الصحاح المصباح، التعريفات: (سلم)، البدائع ٧/ ٣١٤٧؛ البناية ٦/ ٦٠٦. والسلم من العقود اللازمة: بمعنى أنه لا يستطيع أحد المتعاقدين فسخه إلا برضا الطرف الآخر.
(٢) واشترط الأحناف لصحة عقد السلم:»أن يكون جنس المسلم فيه موجودًا من وقت العقد إلى وقت محل الأجل، ولا يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس، كالحبوب«، فإن توهم انقطاعه بأي صورة من الصور الآتية فلا يصح فيه السلم: أولًا: أن يكون المسلم فيه موجودًا عند العقد منقطعًا عن أيدي الناس عند حلول الأجل. ثانيًا: أن يكون منقطعًا وقت العقد موجودًا عند حلول الأجل. ثالثًا: أن يكون موجودًا عند العقد وعند حلول الأجل، ولكنه ينقطع فيما بين ذلك». انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨٦؛ القدوري، ص ٣٩؛ المبسوط ١٢/ ١٣٤؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١١؛ البدائع ٧/ ٣١٧١؛ الهداية وشروحها: فتح القدير والعناية ٧/ ٨١؛ البناية ٦/ ٦٠٨. (٣) وإنما يجوز عند الشافعية إذا كان المسلم فيه مأمونًا عن الانقطاع وقت حلول الأجل. انظر: الأم ٣/ ٩٤؛ المهذب ١/ ٣٠٥؛ الوجيز ١/ ٥٥؛ الروضة ٤/ ١١؛ المنهاج، ص ٥٣.
دليلنا في المسألة: أنه أسلم في شيء وهو غير قادر على تسليمه؛ لأن القدرة على التسليم شرط عند محل الأجل، وهاهنا ربما يموت أحد المتعاقدين، فيحل الأجل ويعجز عن تسليمه، فوجب أن لا يجوز (١). احتج الشافعي وقال: لأن القدرة على التسليم، إنما يشترط في السلم، عند محل المشروط لأن
الكلام ها هنا إنما وقع إذا أسلم في غير أوانه وحينه، وشرط وقت التسليم، حال وجوده فينبغي أن يجوز (٢). مسألة: ١٨٧ – سلم الحال سلم الحال لا يجوز عندنا (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤).
(١) واستدل الأحناف من النقل بقوله – ﷺ -: «لا تسلفوا في الثمار حتى يبدو صلاحها»، أخرجه أبو داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما. (أبو داود في البيوع، باب في السلم في ثمرة بعينها (٣٤٦٧)، ٣/ ٢٧٦؛ ابن ماجه في التجارات، باب إذا أسلم في نخل بعينه لم يطلع (٢٢٨٤)، ٢/ ٧٦٧؛ نصب الراية ٤/ ٤٩). انظر بالتفصيل: المبسوط ١٢/ ١٣٤، ١٣٥؛ البناية ٦/ ٦١٨. (٢) واستدل الشافعي من النقل بمفهوم حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله – ﷺ – قدم المدينة، وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين، فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم». (أخرجه الجماعة: البخاري، في السلم، باب السلم في كيل معلوم (٢٢٣٩)، ٤/ ٤٢٨؛ مسلم، في المساقاة، باب السلم (١٦٠٤)، ٣/ ١٢٢٦). وقال: «… وإذا أجاز رسول الله – ﷺ – السلف في التمر السنتين بكيل ووزن وأجل معلوم كله، والتمر قد يكون رطبًا، وقد أجاز أن يكون في الرطب سلفًا مضمونًا في غير
حينه الذي يطيب فيه؛ لأنه إذا سلف سنتين كان بعضها في غير حينه». وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أنه كان لا يرى بأسًا أن يبيع الرجل شيئًا إلى أجل ليس عنده أصله». الأم ٣/ ٩٤؛ المهذب ١/ ٣٠٤. (٣) وذلك لأن «الأجل في المسلم فيه شرط لجواز السلم» عندهم. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨٦؛ القدوري، ص ٣٩؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٠؛ الهداية وشروحها: فتح القدير ٧/ ٨٦؛ البناية ٦/ ٦٢٣. (٤) انظر: الأم ٣/ ٩٥؛ التنبيه، ص ٦٩؛ المهذب ١/ ٣٠٤؛ الوجيز ١/ ١٥٤؛ المنهاج، ص ٥٣؛ الروضة ٤/ ٧.
دليلنا في المسألة، وهو: أن السلم بيع ما ليس عنده؛ لأنه بيع بأوكس ثمنه؛ لأن المسلم فيه لو كان حاضرًا، لباعه بأوفر الثمن، فلا حاجة [إلى] (١) قبول السلم (٢). احتج الشافعي، وقال: إنما جوّز السلم لاعتبار الحاجة، إلا أن القياس يأبى جواز السلم؛ لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم لا يجوز؛ لأن الشرع جوّزه لحاجة الناس، والحاجة أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه، فكان إقدامه بالسلم دليلًا على الحاجة، فيجوز (٣). مسألة:
١٨٨ – السلم في الحيوان السلم في الحيوان لا يجوز عندنا (٤)، وعند الشافعي: يجوز (٥).
(١) في الأصل: (إلّا). (٢) واستدلوا من النقل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما – السابق ذكره وتخريجه في المسألة: (١٨٥)، ص ٢٩٦ بقوله: «إلى أجل معلوم». ولأنه «لو كان قادرًا على التسليم [حالًا] لم يوجد المرخص فبقي على النافي». انظر، أدلتهم بالتفصيل: البدائع ٧/ ٣١٧٤؛ وشرح فتح القدير ٧/ ٨٧. (٣) واستدل الشافعي من النقل بمفهوم حديث ابن عباس: «من أسلف فليسلف …» الحديث. (الحديث سبق تخريجه في المسألة: (١٨٦)، ص ٢٩٧، حيث يقول: فإذا أجاز رسول الله – ﷺ – بيع الطعام بصفة إلى أجل فكان بيعه حالًا أجوز، «لأنه ليس في البيع معنى إلا أن يكلون بصفة مضمونًا على صاحبه، فإذا ضمن مؤخرًا ضمن معجلًا وكان معجلًا أعجل منه مؤخرًا، والأعجل أخرج من معنى الغرر وهو مجامع له في أنه مضمون له على بائعه بصفة»، الأم ٣/ ٩٥. (٤) حيث إن الأحناف يشترطون في السلم «أن يكون المسلم فيه مما يضبط بالوصف وهو: أن يكون من الأجناس الأربعة: المكيل، والموزون، والذرعي، والعددي المتقارب». انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨٦؛ القدوري، ص ٣٩؛ المبسوط ١٢/ ١٣١؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٦؛ البدائع ٧/ ٣١٦٦؛ الهداية وشروحها؛ فتح القدير والعناية ٧/ ٧٦؛ البناية ٦/ ٦١٤. (٥) يجوز عند الشافعية السلم في الحيوان: إذا كان معلوم الجنس والنوع والسن والصفة.
=
دليلنا في المسألة، وهو: أن الحيوان لا يمكن ضبطه بالوصف؛ لأنه يتفاوت تفاوتًا فاحشًا، فرب دابتين على [سن] (١) واحد، وعلى قامة واحدة، وعلى سمن واحد، يساوي أحدهما مائة، والآخر عشرة، فيؤدي إلى المنازعة؛ لأن الشرع إنما جوز السلم في شيء يمكن إثباته بالوصف، وهاهنا لا يمكن، فوجب أن لا يجوز، كما لو أسلم في الجواهر واللآلئ (٢). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الحيوان إنما يمكن ضبطه بالوصف إذا استقصى، فوجب أن يجوز السلم فيه، كما قلنا في الثياب والديباج المنقشة (٣).
= انظر: الأم ٣/ ١١٧؛ المهذب ١/ ٣٠٤؛ التنبيه، ص ٦٨؛ الوجيز ١/ ١٥٦؛ الروضة ٤/ ١٨؛ المنهاج، ص ٥٣. (١) في الأصل: (سنن). (٢) واستدلوا من النقل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي – ﷺ -: «نهى عن السلم في الحيوان». أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه»، والدارقطني في سننه وقال ابن حبان: «إسحاق بن إبراهيم – راوي الحديث – منكر الحديث جدًا يأتي عن الثقات بالموضوعات، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب». (سنن الدارقطني ٣/ ٧١؛ المستدرك ٢/ ٥٧؛ نصب الراية ٤/ ٤٦). انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط
١٢/ ١٣٢؛ البدائع ٧/ ٣١٦٦، ٣١٦٧؛ وشرح فتح القدير ٧/ ٧٨، ٧٩؛ البناية ٦/ ٦١٤. (٣) واستدل الشافعي من النقل بحديث أبي رافع أن رسول الله – ﷺ – استسلف بكرًا وقضاه رباعيًا وقال: «فإن خيار الناس أحسنهم قضاء». أخرجه مسلم في المساقاة، باب من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه (١٦٠٠، ٣/ ١٢٢٤). ثم قال الشافعي: «فهذا الحديث الثابت عن رسول الله – ﷺ – وبه أخذ، وفيه أن رسول الله – ﷺ – ضمن بعيرًا بصفة، وفي هذا ما دل على أنه يجوز أن يضمن الحيوان كله بصفة في السلف». وأدلة أخرى، راجع الأم ٣/ ١١٧، ١١٨.
كتاب الرهن (١) [مسألة]:
١٨٩ – رهن المشاع رهن المشاع (٢)، عندنا: لا يجوز (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤).
(١) الرهن: لغة: الدوام والثبوت والحبس، يقال: ماء راهن، أي راكد، ونعمة راهنة: أي ثابتة دائمة، وقال سبحانه وتعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (القيامة: ٣٨)، أي مرهونة، بمعنى: محبوسة، ويطلق الرهن لغة: على العقد، وعلى الشيء المرهون، من باب إطلاق المصدر وإرادة المفعول. وجمعه: رهان، ورهن، ورهون. وبابه: قطع. انظر: معجم مقاييس اللغة؛ القاموس المحيط؛ مختار الصحاح؛ المصباح،
مادة: (رهن). واختلف الفقهاء في تعريفه تبعًا لاختلاف أهل اللغة: فعرفه المرغيناني من الأحناف بأنه: «جعل الشيء محبوسًا بحق يمكن استيفاؤه من الرهن كالديون». وعرفه الرملي من الشافعية بأنه: «جعل عين مال متمولة، وثيقة بدين ليستوفي منها، عند تعذر وفائه». ومن ثم يكون الراهن هو: المدين، والمرتهن هو: الدائن، والرهن هو: الشيء المرهون. والرهن عقد له طرفان: طرف لازم، وطرف جائز، لازم في حق الراهن إذا قبضه المرتهن، وجائز في حق المرتهن: بمعنى أنه يجوز له أن يفسخ العقد من جهته إذا شاء، ولا يجوز للراهن أن يفسخه – بعد القبض – من جهته، من غير رضا المرتهن. انظر: المبسوط ٢١/ ٦٣؛ الهداية ٤/ ١٢٦؛ الأم ٣/ ١٤٦؛ المهذب ١/ ٣١٢، ٣١٤؛ المغني، لابن قدامة ٣/ ٥٠٥؛ نهاية المحتاج ٤/ ٢٣٣. (٢) المشاع: مأخوذ من شاع الشيء يشيع شيوعًا، ومنه شاع اللبن في الماء، إذا تفرق وامتزج به، والمقصود منه هنا: هو جزء غير محدود في مال مشترك بين اثنين فأكثر. انظر: المصباح، مادة: (شيع). (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٢، القدوري، ص ٤١؛ المبسوط ٢١/ ٦٩؛ الهداية ١٠/ ٥٢، مع تكملة فتح القدير. (٤) انظر: الأم ٣/ ١٩٠؛ المهذب ٥/ ٣١١؛ الوجيز ١/ ١٥٩؛ الروضة ٤/ ٣٩؛ المنهاج ٥٤.
وصورته: إذا كان شقصًا بين رجلين، أو دارًا، فرهن أحد الشريكين نصيبه، لا يجوز، ولا خلاف أنه إذا كان من شريكه، فهو جائز. دليلنا في المسألة، وهو: أن المقصود من الرهن، إنما هو الاستيفاء؛ لأنه قبضه على وجه الاستيفاء، أو كان المقصود إنما هو الوثيقة، لكي يضجر قلب الراهن [أن] يكون الرهن محبوسًا في يد المرتهن، فيسارع إلى قضاء دينه، وهذا في المشاع لا يتصور؛ لأنه لا يمكن إثبات اليد إلا بطريق المهايأة (١): يوم في يد هذا، ويوم في يد هذا، فيفوت معنى الرهن (٢). احتج الشافعي، وقال: كل ما جاز بيعه جاز رهنه؛ لأن الشياع لا يمنع صحة البيع، فوجب أن لا يمنع صحة الرهن (٣). مسألة:
١٩٠ – وطئ المرتهن الجارية المرهونة المرتهن إذا وطئ الجارية المرهونة، بإذن الراهن يجب المهر عندنا (٤)، وعند الشافعي؛ لا يجب (٥).
(١) المهايأة، لغة: مشتقة من الهيئة، وهي الحالة الظاهرة للمتهيء للشيء، ومنه التهايؤ، وهو: أن يتواضعوا على أمر، فيتراضوا به، وفي الحققة: «أن يتراضوا بهيئة واحدة، يعني: الشريك منتفع بالعين على الهيئة التي ينتفع بها الشريك الآخر، وفي عرف الفقهاء هي: قسم المنافع». انظر: المصباح، مادة: (هيأ)، البناية ٨/ ٦٨٢. (٢) الذي هو الحبس على الدوام. انظر الأدلة
بالتفصيل: المبسوط ٢١/ ٦٩؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٠؛ تكملة فتح القدير مع العناية ١٠/ ١٥٤. (٣) انظر: المهذب ١/ ٣١٥. (٤) ولا يجب عليه الحد للشبهة. انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٦١؛ حاشية ابن عابدين ٦/ ٤٨٢. (٥) ما حكاه المؤلف عن الشافعية، قول مجمل، يحتاج إلى تفصيل وتوضيح وقت الوجوب وعدمه: فإن كان الوطء بإذن الراهن مع علم الواطئ بحرمته: لزمه الحد على الصحيح، والمهر إن =
دليلنا في المسألة، وهو: أن الوطء عندنا بمنزلة استيفاء جزء، ولهذا قلنا: الوطء في غير الملك [يوجب] (١) العقر (٢)، فإذا كان الوطء قائمًا مقامه في استيفاء الجزء [فهذا] (٣) استيفاء جزء من الرهن يضمن قيمته (٤)، ويكون رهنًا في يده، فكذلك ها هنا. احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن المهر لو وجب، إنما وجب بالوطء، والمهر يجب بالعقد، فلهذا لا يجب (٥). مسألة:
١٩١ – حكم الرهن في يد المرتهن الرهن أمانة، أو مضمونة في يد المرتهن؟ عندنا: الرهن مضمون بأقل من قيمته من الدين، وما زاد على الدين يكون أمانة، حتى لو هلك الرهن في يد المرتهن، إن كان الرهن بمثل الدين يسقط بالدين عندنا (٦)، وعند الشافعي: لا يسقط، ويكون أمانة في يد المرتهن،
وهلاكه لا يوجب سقوط الدين (٧).
= أكرهها، وإن كان الواطئ جاهلًا بالتحريم، سقط عنه الحد والمهر إن كانت المرأة مطاوعة، وإن كانت مكرهة وجب المهر على الأظهر. انظر: الروضة ٤/ ٩٩؛ المنهاج مع شرح المحلي مع حاشيتي قليوبي وعميرة ٢/ ٢٧٦، ٢٧٧؛ مغني المحتاج ٢/ ١٣٨. (١) في الأصل: (يجب). (٢) العقر، بالضم: «دية فرج المرأة إذا غصبت على نفسها». المصباح، مادة: (عقر). (٣) في الأصل: (فلهذا). (٤) راجع المصادر السابقة للأحناف. (٥) والدليل يصلح للحالة الثانية: (كون الواطئ جاهلًا مع إكراهها) على وجه مرجوع في المذهب؛ لأنه لا يجب لإِذن مستحقة، فأشبه زنا الحرة. ورد على هذا الدليل: بأن وجوبه في حق الشرع، فلا يؤثر فيه الإذن قياسًا على المفوضة في النكاح، فإنها تستحق المهر بالدخول. راجع المراجع السابقة للشافعية. (٦) انظر: القدوري، ص ٤١؛ المبسوط ٢١/ ٦٤، ٦٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٦؛ البدائع ٨/ ٣٧٦٠؛ الهداية ١٠/ ١٤٠، ١٤٥، مع تكملة فتح القدير. (٧) انظر: الأم ٣/ ١٦٧؛ التنبيه، ص ٧١؛ الوجيز ١/ ١٦١؛ الروضة ٤/ ٩٦.
دليلنا في المسألة، وهو: أن المرتهن إنما قبض الرهن على وجه الاستيفاء، ولو قبضه على حقيقة الاستيفاء كان مضمونًا عليه،
فكذلك إذا قبضه على وجه الاستيفاء، كما نقول: بسوم البيع؛ لأن المقبوض بسبب البيع يكون مضمونًا عليه، كالمقبوض على الحقيقة (١). احتج الشافعي في المسألة: بدليل ما روي عن النبي – ﷺ – أنه «لا يغلق الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه» (٢)
(١) استدل الأحناف من النقل بقوله – ﷺ – للمرتهن بعد ما نفق فرس الرهن عنده -: «ذهب حقك»، قال الكاساني: «وهذا نص في الباب لا يحتمل التأويل». أخرجه أبو داود في مراسيله، وابن أبي شيبة في مصنفه، وعبد الحق في أحكامه، وقال: «هو مرسل ضعيف». وقال ابن القطان في كتابه: «مصعب بن ثابت: ضعيف كثير الغلط وإن كان صدوقًا». كما ذكره الزيلعي في نصب الراية ٤/ ٣٢١. وانظر ما أورده عبد الرازي في مصنفه من الآثار ٨/ ٢٣٨، وما بعدها. واستدلوا أيضًا بإجماع الصحابة، كما قال المرغيناني: «وإجماع الصحابة والتابعين رضي الله عنهم من أن الرهن مضمون مع اختلافهم في كيفيته». انظر: المبسوط ٢١/ ٦٥؛ البناية ٩/ ٦٥٣ – ٦٥٥. (٢) هذا الحديث رواه الشافعي في الأم عن ابن المسيب مرسلًا، وعن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «لا يغلق الرهن الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»، ثم قال: «وبهذا نأخذ، وفيه دليل على أن جميع ما كان رهنًا
غير مضمون على المرتهن». واختلف المحدثون في إرساله واتصاله: أخرجه الدارقطني متصلًا وقال: «هذا إسناد حسن متصل». وأخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: «هذا حديث صحيح أعلى الإِسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه». أخرجه أبو داود في مراسيله، وقال: «قوله:»له غنمة وعليه غرمه«من كلام سعيد بن المسيب، نقله عنه الزهري، وقال: هذا هو الصحيح». وكذلك رواه مرسلًا البزار، والدارقطني، وابن القطان، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة في مصنفهما. انظر: الأم ٣/ ١٦٧، ١٦٨؛ سنن الدارقطني ٣/ ٣٢؛ المستدرك ٢/ ٥١؛ السنن الكبرى ٦/ ٤٢؛ مصنف عبد الرزاق ٨/ ٢٣٧. انظر ما قيل في الحديث بالتفصيل: نصب الراية ٩/ ٣١٤ – ٣٢١؛ التلخيص الحبير ٣/ ٣٦.
فالنبي – ﷺ – جعل الغرم على الراهن، فمن جعل الغرم على المرتهن جعل مخالفًا لهذا النص. مسألة:
١٩٢ – إعتاق الراهن العبد المرهون إذا أعتق الراهن عبد [ـه] المرهون ينفذ عتقه عندنا (١)، وعند الشافعي: لا ينفذ (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن العتق تصرف في الرق؛ لأن العتق إسقاط الرق، والرق مملوك للراهن، فقد تصرف فيما هو مملوك، فوجب أن يكون كما قبل الرهن (٣). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الراهن بالإعتاق
أبطل حق المرتهن، فوجب أن لا يجوز إلا برضاه، كما لو باعَ أو آجر فإنه لا يجوز لهذا المعنى؛ [لأ] نه (٤) يبطل حق المرتهن في الحبس (٥) إلا أنه عند أبي حنيفة ينفذ عتقه، ولكن يضمن قيمة العبد وتكون رهنًا مكانه (٦).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٣؛ القدوري، ص ٤١؛ المبسوط ٢١/ ١٣٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٦٥؛ الهداية ٤/ ١٤٦. (٢) «إذا أعتق الراهن المرهون، ففي إيقاعه ثلاثة أقوال، أظهرها: الثالث، وهو إن كان موسرًا نفذ، وإلا فلا»، وأخذت منه القيمة وجعلت رهنًا مكانه؛ لأنه أتلف رقه فلزمه ضمانه”، ذكره الشيرازي والنووي. انظر: المهذب ١/ ٣١٩؛ التنبيه، ص ٧١؛ الروضة ٤/ ٧٥. (٣) انظر: المبسوط ٢١/ ١٣٦، ١٣٧؛ البدائع ٨/ ٣٧٩٨؛ الهداية ٤/ ١٤٦. (٤) في الأصل: (أنه). (٥) انظر: المهذب ١/ ٣١٩. (٦) وبعد نفوذ العتق في العبد المرهون – عند الأحناف – يقضي دين المرتهن بحسب حال الراهن أو الدين، ولم يذكر المؤلف إلا حالة واحدة وهي: إن كان الدين مؤجلًا أخذت منه قيمة العبد، وجعلت رهنًا مكانه حتى يحل الأجل، وأما إن كان الراهن موسرًا والدين حالًا، فيجبر الراهن على قضائه، وكذلك إذا حل الأجل المؤجل، وأما إن كان معسرًا فسعى العبد في قيمته، ويقضي منها الدين. انظر بالتفصيل: البدائع
٨/ ٣٧٩٨؛ الهداية ٤/ ١٤٦.
مسألة:
١٩٣ – انتفاع الراهن بالمرهون الراهن عندنا: ليس له أن ينتفع من المرهون (١)، وعند الشافعي [له] أن ينتفع (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن المقصود من الرهن، إنما هو الحبس والوثيقة، لكي يضجر قلب الراهن فيسارع إلى قضاء دينه، فلو قلنا بأنه ينتفع الراهن بالرهن، يفوت هذا المعنى، فوجب أن لا يجوز (٣). احتج الشافعي، في المسألة وهو: الخبر الذي تقدم ذكره (٤). مسألة:
١٩٤ – ضمان الغاصب الرهن إذا غصب رجل شيئًا، ثم إن المغصوب منه رهن من الغاصب، يبرأ من ضمان الغصب عندنا (٥)، وعند الشافعي، لا يبرأ من الضمان بحدوث الرهن (٦). دليلنا في المسألة، وهو: أن من شرط جواز الرهن
(١) انظر: المبسوط ٢١/ ١٠٦؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٧؛ البدائع ٨/ ٣٧٤٠. (٢) يجوز للراهن الانتفاع بالرهن – عند الشافعي – على وجه لا يتضرر به المرتهن. انظر: الأم ٣/ ١٥٥؛ المهذب ١/ ٣١٨؛ التنبيه، ص ٧١؛ الوجيز ١/ ١٦٤؛ المنهاج، ص ٥٥. (٣) واستدل الأحناف من النقل بقوله عز وجل: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (البقرة: ٢٨٣). قال السرخسي: فهذا يقتضي أن يكون مقبوضًا للمرتهن في حال كونه
مرهونًا، «وانتفاع الراهن بعدم هذا الوصف». انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٢١/ ١٠٧ وما بعدها؛ والبدائع ٨/ ٣٧٤٠. (٤) راجع الحديث في المسألة (١٩١)، ص ٣٠٤، هامش (٢)، الأم ٣/ ١٥٥؛ المهذب ١/ ٣١٩. (٥) انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٥٥. (٦) انظر: المهذب ١/ ٣٨١؛ الوجيز ١/ ١٦٣؛ الروضة ٤/ ٦٨.
القبض (١)، والمغصوب منه لما رهنه من الغاصب جعل في الشرع كأنه قبضه من الغاصب، فكذلك ها هنا. احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القبض الحقيقي والتسليم لم يوجد، فوجب أن لا يخرج [عن] (٢) عهدة ضمان الغصب، كما قبل الرهن (٣).
(١) انظر: القدوري، ص ٤٠؛ المبسوط ٢/ ٦٨١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٠. (٢) في الأصل: (عند). (٣) انظر: المهذب ١/ ٣٨١؛ الروضة ٤/ ٦٨.
كتاب الأشربة (١) [مسألة]:
١٩٥ – تخليل الخمر تخليل الخمر جائز عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ -»أنه مر بشاة مرمية فقال: هلّا انتفعتم بإهابها، فقالوا: إنها ميتة يا رسول الله، فقال النبي – ﷺ -:
«أيما إهاب دبغ فقد طهر، كالخمر تخلل فتحل» (٤)، وهذا دليل على أن التخليل جائز. احتج الشافعي في المسألة وهو: أن هذا تغيير وتقليب، وتقليب الأعيان لله تعالى، وليس في وسع العبد تقليب الأعيان، ألا ترى أنه لو ألقى السكر والفانيد في الخمر، حتى صار حلوًا، فإنه لا يكون حلالًا؛ لأنه لم يتغير من حكم الخمر، فكذلك إذا ألقى فيه ملح أو غيره (٥).
(١) الأشربة، جمع شراب، وهو: اسم لما يشرب من المائعات، كالأطعمة، جمع طعام، والمراد بها هنا: الأشربة المحرمة. انظر: المغرب، المصباح، مادة: (شرب)، البناية ٩/ ٤٩٤. (٢) انظر: القدوري، ص ٩٨؛ المبسوط، ٢٤/ ٢٢؛ الهداية ٤/ ١١٣. (٣) بمعنى: إن تخليل الخمر بطرح عصير أو ملح ونحوهما – حرام بلا خلاف عند الشافعية، ويكون الخل الناتج عن التخليل نجسًا. انظر المسألة بالتفصيل في: المجموع مع المهذب ٢/ ٥٨١. (٤) سبق تخريج الحديث والكلام فيه على المسألة (٤)، ص ٩٧. (٥) واستدل الشافعية على تحريم تخليل الخمر ونجاسته بأدلة نقلية وعقلية كثيرة منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي – ﷺ -: أنتخذ الخمر خلًا؟ قال: «لا». مسلم، في الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر (١٩٨٣)، ٣/ ١٥٧٣. انظر الأدلة بالتفصيل: المجموع ٢/ ٥٨١، ٥٨٢.
كتاب الحجر (١) مسألة:
١٩٦ – من أدرك ماله عند رجل قد أفلس إذا باع من آخر شيئًا ثم أفلس المشتري بالثمن، عندنا: إن كان بعد القبض فهو والغرماء سواء (٢)، وعند الشافعي، البائع أحق بعين ماله سواء قبض المشتري أو لم يقبض (٣). دليلنا في المسألة أنه لما باع وقبض المشتري، زال ملك البائع ولم يبق [له] حق، فصار هذا أسوة للغرماء (٤). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أنا أجمعنا على أن أحد الغرماء إذا كان في يده رهن، فمات من عليه دين مفلسًا، فإن
(١)
كتاب الحجر في المخطوط في المسألة (١٩٧) ولكني قدمته هنا لمناسبة هذه المسألة مع ما بعدها. الحجر: بفتح الحاء وسكون الجيم – المنع – وفعله من باب: دخل، وهو لغة: مطلق المنع، ومنه يقال: حجر عليه القاضي في ماله، إذا منعه من أن يفسده، فهو محجور عليه. انظر: المغرب، المصباح، التعريفات، مادة: (حجر). وشرعًا: «المنع عن أشياء مخصوصة بأوصاف مخصوصة». وعرفه الميداني بأنه «المنع من نفاذ تصرف قولي». وعرفه الشربيني بأنه «المنع من التصرفات المالية». انظر: الاختيار ٢/ ٩٤؛ اللباب ٢/ ٦٦؛ مغني المحتاج ٢/ ١٦٥. (٢) انظر: مختصر
الطحاوي، ص ٩٥؛ القدوري، ص ٤٤؛ الهداية ٣/ ٢٨٧. (٣) وعند الشافعية: البائع بالخيار: إن شاء فسخ البيع واسترد عين ماله، وإن شاء اقتسمها مع الغرماء. انظر: الأم ٣/ ١٩٩؛ المهذب ١/ ٣٢٩؛ التنبيه، ص ٧١؛ الوجيز ١/ ١٧٢؛ المنهاج، ص ٥٨. (٤) راجع الدليل: الهداية ٣/ ٢٨٧.
المرتهن أحق بالرهن من سائر الغرماء، لتعلق حقه بالرهن، فكذلك البائع، فوجب ها هنا بمثابته (١). مسألة:
١٩٧ – الحجر على الحرّ الحجر على الحر باطل عندنا (٢)، وعند الشافعي: جائز، إذا كان الرجل سفيهًا مبذرًا (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الحرية والبلوغ سبب لزوال الحجر، فلو قلنا بأنه يحجر عليه، لسلب الولاية التي أثبتها الشرع (٤).
(١) واستدل الشافعي من النقل بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به»، متفق عليه: البخاري، في الاستقراض، باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض (٢٤٠٢)، ٥/ ٦٢؛ مسلم، في المساقاة، باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه (١٥٥٩)، ٣/ ١١٩٣. انظر: الأم ٣/ ١٩٩؛ المهذب ١/
٢٣٩. (٢) عند أبي حنيفة إذا بلغٍ سفيهًا يحجر عليه إلى أن يبلغ خمسًا وعشرين سنة، وبعدها يدفع إليه وإن كان سفيهًا، خلافا للصاحبين، فإنهما يقولان: بالحجر على الحر بالسفه والغفلة مع خلاف بينهما في أمر الحاكم، وعلى قولهما الفتوى في المذهب. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٧؛ القدوري، ص ٤٢؛ المبسوط ٢٤/ ١٥٧؛ البدائع ٩/ ٤٤٦٤؛ الهداية ١/ ٢٨١، ٢٨٥؛ الدر المختار ٦/ ١٤٨، مع حاشية ابن عابدين. (٣) انظر: الأم ٣/ ٢١٨؛ المهذب ١/ ٣٣٨؛ التنبيه، ص ٧٣؛ الوجيز ١/ ١٧٦؛ الروضة ٤/ ١٨٢؛ المنهاج، ص ٥٩. (٤) استدل أبو حنيفة رحمه الله تعالى، بعمومات البيع والهبة والإقرار .. من نحو قاله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (البقرة ٢٧٥)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (البقرة ٢٨٢)، وقال الكاساني مبينًا وجه الدلالة: “أجاز الله تعالى البدلين، حيث ندب إلى الكتابة، وأثبت الحق، حيث أمر من عليه الحق بالإملاء ونهى عن النجس عامًا من غير تخصيصًا، وأدلة أخرى. انظر بالتفصيل: المبسوط ٢٤/ ١٥٩؛ البدائع ٩/ ٤٤٦٥.
احتج الشافعي في المسألة؛ لأن الرجل إذا كان سفيهًا مبذرًا احتاج إلى النظر والقاضي بحجره عن التصرف،
لا يضيع ماله، نظرًا له (١) كما في الصبي العاقل المبذر، فكان المعنى فيه: تضييع المال؛ لأن النبي – ﷺ -، نهى عن إضاعة المال (٢). مسألة: ١٩٨ – بيع القاضي مال المديون إذا ركبته الديون، فامتنع [عن] (٣) أداء الحق، فإن القاضي يحبسه ولا يبيع عليه ماله عندنا (٤)، وعند الشافعي: يحبسه ويبيع
(١) واستدل الشافعي رحمه الله تعالى من النقل بآيتين، حيث يقول: «الحجر على البالغين في آيتين من كتاب الله عز وجل، وهما: قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ …﴾ (البقرة ٢٨٢). ثم قال مبينًا وجه الدلالة:»وأثبت الولاية على السفيه والضعيف والذي لا يستطيع أن يملْ هو، وأمر وليه بالإملاء عليه؛ لأنه أقامه فيما لا غناء به عنه من ماله مقامه«. والآية الأخرى، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء ٦). انظر الأدلة بالتفصيل: الأم ٨/ ٢١٣، ٢١٩؛ المهذب ١/ ٣٣٨، ٣٣٩. (٢) ويقصد به ما أخرجه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله – ﷺ
– قال:»إن الله عز وجل حرم عليكم: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات، وكره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال«: البخاري، في الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال (٢٤٠٨)، ٥/ ٦٨؛ مسلم، في الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (١٧١٥)، ٣/ ١٣٤١. (٣) في الأصل: (على). (٤) هذا قول الإِمام أبي حنيفة رحمه الله، لاعتبار البيع عليه من مسألة الحجر خلافًا للصاحبين، وإنما يجوز البيع عليه عنده، في حالة واحدة»إن كان دينه دراهم وله دنانير، أو على ضد ذلك، باعها القاضي في دينه” استحسانًا، وعند الصاحبين ببيع القاضي عليه مطلقًا، وعلى قولهما الفتوى في المذهب. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٥؛ المبسوط ٢٤/ ١٦٣؛ البدائع ٩/ ٤٤٧٤، ٤٤٧٦؛ الهداية ٣/ ٢٨٥؛ الدر المختار ٦/ ١٥٠، مع حاشية ابن عابدين.
ماله، ويؤدي الحقوق التي عليه من الديون (١). دليلنا في المسألة؛ لأن القاضي إنما تثبت له الولاية ببيع المال عند غيبة صاحب المال، وها هنا صاحب المال حاضر، فوجب أن لا تثبت للقاضي الولاية عليه في ماله (٢). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن المديون لما امتنع عن قضاء دينه مع اليسار، فقد ظلمه وتعنته، فوجب على القاضي أن يزيل هذا
الظلم، ولا يمكن إلا بهذا الطريق، فأثبتنا للقاضي الولاية في البيع، لانتصاف المظلوم من الظالم (٣).
(١) إنما يحبس المديون عند الشافعية؛ لأجل التثبت في دعواه، إذا ادعى الإِعسار. انظر: الأم ٢/ ٢١٣؛ المهذب ١/ ٣٢٧؛ الوجيز ١/ ١٧١، ١٧٢؛ المنهاج، ص ٥٧. (٢) واستدل لأبي حنيفة من النقل، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٢٩)، «وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارة عن تراض». انظر بالتفصيل: المبسوط ٢٤/ ١٤٦؛ البدائع ٩/ ٤٤٧٦؛ البناية ٨/ ٢٦٣، راجع أدلة عدم جواز الحجر من المسألة (١٩٦)، ص ٣٠٩. (٣) استدل الشافعية من النقل بما رواه: كعب بن مالك قال: «إن النبي – ﷺ – باع على معاذ رضي الله عنه ماله للغرماء، حتى قام معاذ بغير شيء». الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي متصلًا. ورواه أبو داود في المراسيل مرسلًا، وقال عبد الحق: «المرسل أصح من المتصل». انظر: السنن الكبرى ٦/ ٤٨؛ نيل الأوطار ٥/ ٢٧٦؛ المهذب ١/ ٣٢٧.
مسألة:
١٩٩ – سن البلوغ حد البلوغ (١) عندنا: تسعة عشر، وعند الشافعي: خمسة عشر (٢). دليلنا في المسألة؛ لأن الناس
بتفاوتون فيه، قد يبلغ الصبي لخمسة عشر أو أقل أو أكثر، فأخذنا فيه بالأكثر احتياطًا (٣).
(١) البلوغ في اللغة: الإدراك والنضوج والوصول، وفي الشرع هو: بلوغ الصبي سن الحلم، أي مبلغ الرجال. ويعرف البلوغ من الصبي والصبية، بإمارات حسية معروفة، منها ما يشترك فيها الذكر والأنثى: الاحتلام، والإِنزال، والإِنبات. ومنها ما تختص بها الأنثى وهي: الحيض، والإِحبال. فإن ظهرت علامة أو أكثر من هذه العلامات، فيحكم ببلوغه، ويترتب عليه أحكامه وآثاره، باتفاق بين الفريقين، وإن لم يظهر شيء من هذه العلامات فالحالة هذه يحكم بالبلوغ بتحديد السن، على اختلاف بين المذهبين. (٢) فذهب أبو حنيفة في تحديد سن البلوغ إلى التفريق بين الجنسين: فيبلغ الصبي عنده بتمام ثماني عشرة سنة، وقيل حتى يستكمل تسع عشرة سنة، والصبية بتمام سبعة عشر سنة، وبالطعن في الثامنة عشر سنة. وأما الشافعية والصاحبان لأبي حنيفة رحمهم الله، فذهبوا إلى عدم التفريق بين الجنسين، وبلوغهما بتمام: خمس عشرة سنة، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وعليه الفتوى في المذهب. وما ذكرته في تحديد سن البلوغ باعتبار أقصى مدة البلوغ، وقد يبلغان قبل هذه المدة بحسب البيئة والمجتمع التي يعيش فيها، «وأدق المدة لذلك في حق الغلام اثنتا عشرة سنة وفي حق الجارية تسع سنين». انظر: القدوري، ص
٤٣؛ البدائع ٩/ ٤٤٧٠؛ الهداية ٨/ ٢٥٤، مع البناية؛ الأم ٣/ ٢١٥؛ المهذب ١/ ٣٣٧؛ الوجيز ١/ ١٧٦؛ الروضة ٤/ ١٧٨؛ المنهاج، ص ٥٩. (٣) واستدل لأبي حنيفة من النقل بقوله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (الأنعام: ١٥٢)، «وأشد الصبي ثماني عشرة سنة، هكذا قاله ابن عباس رضي الله عنه»، في أقل ما قيل في تفسير الأشد. وقال المرغيناني في معرض استدلاله في حد بلوغ الإناث: «إن الإناث نشؤهن وإدراكهن أسرع، فنقصنا في حقهن سنة …». راجع أدلة المسألة بالتفصيل: البدائع ٩/ ٤٤٧٠؛ نصب الراية ٤/ ١٦٦؛ البناية ٨/ ٢٥٧ وما بعدها.
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الأمر يبني على الغالب، والغالب في زماننا يبلغ الصبي: لخمسة عشر أو بأقل من ذلك، فوجب أن يحكم بالبلوغ، لصحة التصرفات (١). مسألة:
٢٠٠ – نكاح وطلاق المحجور عليه المحجور عليه لأجل السفه، هل يصح طلاقه ونكاحه؟ لا خلاف أن طلاقه يصح، وأما في النكاح: يجوز نكاحه (٢) وينظر في المهر. فإن كان مثل مهر مثلها فإنه يصح، وإن زاد على مهر المثل، فهل يصح؛ عند أبي حنيفة يصح (٣)، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي لا يصح (٤)، والمعنى ما قدمنا في المسألة الأولى (٥).
(١) واستدل الشافعية من النقل بما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «عُرضت على رسول الله – ﷺ – يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت، وعرضت عليه (يوم الخندق) وأنا ابن خمس عشرة سنة فرآني بلغت فأجازني»: البخاري، في الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم (٢٦٦٤)، ٥/ ٢٧٦؛ مسلم، في الإمارة، باب بيان سن البلوغ (١٨٦٨) ٣/ ١٤٩٠. انظر الأدلة بالتفصيل في: المهذب ١/ ٣٣٧، ٣٣٨. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٧؛ القدوري، ص ٤٣؛ الهداية ٣/ ٢٨٣؛ المهذب ١/ ٣٣٩؛ الوجيز ١/ ١٧٦؛ الروضة ٤/ ١٨٥؛ المنهاج، ص ٤٣. (٣) يصح على فوله؛ لأن الحر العاقل البالغ لا يحجر عليه بالسفه عنده. انظر: القدوري، ص ٤٢؛ الدر المختار ٦/ ١٤٧، مع حاشية ابن عابدين. (٤) وتبطل الزيادة على مهر المثل لدى الصاحبين، وعلى قولهما الفتوى في المذهب، كالشافعية. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٧؛ الهداية ٣/ ٢٨٣؛ الدر المختار ٦/ ١٤٨، مع حاشية ابن عابدين؛ الأم ٣/ ٢١٩؛ المهذب ١/ ٣٣٩؛ الوجيز ١/ ١٧٦؛ الروضة ٤/ ١٨٥؛ المنهاج، ص ٤٣. (٥) راجع المسألة (١٩٧) ص ٣١٠.
كتاب الصلح (١)
[مسألة]: ٢٠١ – الصلح عن الإنكار الصلح عن الإنكار (٢) جائز عندنا (٣)، وعند الشافعي لا يجوز (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الصلح إنما جوّز لقطع الخصومة والشغب، فلو قلنا: إنه لا يجوز الصلح مع الإنكار، لطالت هذه الخصومة، فيفوت معنى الصلح الذي شرع لأجله (٥).
(١) الصلح لغة: قطع المنازعة، من صلح الشيء – بفتح اللام – وضمها لغة فيه وهو ضد الفساد، يقال: صلح الشيء إذا زال عنه الفساد، وصلح فلان سيرته، إذا أقلع عن الفساد. وشرعًا: «عقد يرتفع به التشاجر والتنازع بين الخصوم». انظر: تصحيح التنبيه للنووي، ص ٧٣؛ المغرب؛ والمصباح؛ والتعريفات، مادة: (صلح)، الاختيار ٣/ ٥؛ اللباب ٢/ ١٦٢؛ مغني المحتاج ٢/ ١٧٧. (٢) وصورة الإنكار: كان يدّعي على المدعى عليه دارًا فينكر، ثم يقول للمدعي: صالحني على دعواك الكاذبة أو عن دعواك. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٩٨؛ القدوري، ص ٥٨؛ البدائع ٧/ ٣٤٩٢؛ الهداية ٧/ ٦٠٣؛ مع شرح البناية. (٤) أي يقع باطلًا: انظر المسألة بالتفصيل: المهذب ١/ ٣٤٠؛ التنبيه، ص ٧٣؛ الوجيز ١/ ١٧٨؛ المنهاج، ص ٦٠؛ نهاية المحتاج ٣/ ٣٨٧. (٥) استدل الأحناف من النقل بإطلاق قوله عز وجل: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (النساء: ١٢٨)، وبإطلاق الحديث الآتي في أدلة الشافعية. انظر الأدلة بالتفصيل: البدائع ٧/
٣٤٩٣؛ البناية في شرح الهداية ٤/ ٦٠٧ وما بعدها.
احتج الشافعي: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، فهو غير جائز» (١)، وهذا المعنى قد وجد ها هنا، والمعنى أيضًا وهو: أن الخصم إذا كان منكرًا، فالظاهر صدقه؛ لأنه مسلم. فلو جوزناه لكان ذلك يكون رشوة والرشوة في الشرع محرمة. مسألة:
٢٠٢ – الصلح على مجهول المصالحة [على شيء] (٢) تصح، وإن كان مجهولًا (٣) عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا تجوز (٥). دليلنا في المسألة وهو: أن المقصود من الصلح إنما هو قطع
(١) الحديث أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكذلك من حديث عمرو بن عوف، إلا الكلمة الأخيرة: «فهو غير جائزًا فإنها ليست من لفظ الحديث، وتكلم في كثير بن عبد الله – من رجال سند الحديث – قال ابن حجر في الفتح:»هو ضعيف عند الأكثر لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره«: أبو داود، في الأقضية، باب في الصلح (٣٥٩٤)، ٣/ ٣٠٤؛ الترمذي، في الأحكام، باب ما ذكر عن رسول الله – ﷺ – في الصلح بين
الناس (١٣٥٢)، وقال:»حسن صحيح” ٣/ ٦٣٤؛ ابن ماجه، باب الصلح (٢٣٥٣)، ٢/ ٧٨٨؛ الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٩؛ البيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٦٣. انظر: تلخيص الحبير ٣/ ٢٣، ٤٥؛ فتح الباري ٤/ ٣٧١. (٢) زيدت ما بين المربعين للتوضيح، وفي الأصل: (المصالحة عليه يصح). (٣) أي صلح مجهول على معلوم، ويجوز هذا الصلح بشرط: أن لا يحتاج إلى قبضه فيكون بذلك إسقاطًا، وأن لا يحتاج إلى علمه به؛ لأنه لا يفضي إلى المنازعة، وأما إن احتاج إلى قبضه فلا بد أن يكون معلومًا؛ لأن جهالته تفضي إلى المنازعة، مثاله: أن يدعي حقًا في دار الرجل ولم يسمّه وادعى المدعى عليه حقًا في أرض المدعي فاصطلحا على ترك الدعوى جاز. (٤) انظر: الاختيار ٢/ ٧٠؛ البحر الرائق ٧/ ٢٥٧؛ حاشية ابن عابدين ٥/ ٦٢٨. (٥) انظر: التنبيه، ص ٧٣؛ الوجيز ١/ ١٨٣.
الخصومة، فلو قلنا: إنه لا يجوز الصلح مع الجهالة، لأدى إلى تطويل المنازعة والشغب (١). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الصلح: مبادلة مال بمال (٢)، فأشبه البيع، ثم الجهالة تمنع صحة البيع، فكذلك [وجب] أن تمنع صحة الصلح، إذا كان مجهولًا (٣).
(١) راجع المصادر السابقة للأحناف. (٢)
هو ما يعرف «بصلح المعاوضة». انظر: مغني المحتاج ٢/ ١٧٧. (٣) راجع المصادر السابقة للشافعية.
كتاب الحوالة (١) [مسألة]:
٢٠٣ – موت المحتال عليه مفلسًا المحتال عليه إذا مات مفلسًا فإنه يرجع إلى المحيل عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يرجع (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن صاحب الحق إنما قبل الحوالة بشرط السلامة، فإذا مات مفلسًا لم يسلم حقه، فكان له الرجوع إلى المحيل (٤).
(١) الحوالة: بفتح الحاء – مشتقة من التحول، بمعنى الانتقال، يقال: تحول من المنزل، إذا تحول عنه وانتقل منه. نظر: المغرب؛ المصباح؛ التعريفات، مادة: (حال). وشرعًا عرفها العيني بأنها: «تحول الدين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحتال عليه على سبيل التوثق بهإ. وعرفها الشربيني بأنها:»عقد يقتضي نقل دين من ذمة إلى ذمة«. وتتضح أركانها بقولك مثلًا: (أحلت زيدًا بما كان له عليّ وهو مائة على رجل»: فانا محيل، وهو الذي عليه الدين، وزيد محتال له، وهو الدائن، والمال، محتال به، والرجل: محتال عليه، وهو الذي قبل الحوالة. انظر: الاختيار ٣/ ٣؛ البناية ٦/ ٨٠٧؛ مغني المحتاج ٢/ ١٩٣. (٢) ويرجع المحتال له على المحيل عند أبي حنيفة في حالتين: إحداهما: «أن يجحد
الحوالة ويحلف ولا بينة عليه»، والثانية: المذكورة في مسألتنا. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٠٣؛ القدوري، ص ٥٧؛ البدائع ٧/ ٣٤٤٢؛ الهداية ٦/ ٨١٢، مع شرح البناية. وانظر فيه سبب الخلاف. (٣) انظر: الأم ٣/ ٢٢٨؛ المهذب ١/ ٣٤٥؛ المنهاج، ص ٦٢. (٤) استدل الأحناف على ذلك بما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال في المحال عليه إذا مات مفلسًا: عاد الدين إلى ذمة المحيل، وقال: «لا توى على مال امرئ مسلم». والتوى: (الهلاك). والأثر أخرجه البيهقي في السنن، وقال: «منقطع عن عثمان». انظر: السنن الكبرى ٦/ ٧١؛ المصباح، مادة: (توى)، البدائع ٧/ ٣٤٤٢.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الحوالة مشتقة من حوالة الباذنجان: أي قلع وأحيل في موضع آخر، وقد فرغ المحل الأول، كذلك هاهنا: ذمة من عليه الحق كانت مشغولة بهذا الدين، ومن له الحق إذا قبل الحوالة، فقد رضي فراغ ذمة من عليه الحق، فصار ذمة المحتال عليه مشغولة، ألا ترى أنه يطالبه بالدين فلو قلنا: إنه يعود هذا الدين بعد فراغ الذمة، يؤدي هذا إلى قلب الحقيقة (١).
(١) استدل الشافعي على عدم الرجوع إلى الحيل بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله – ﷺ – قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع»، متفق عليه: البخاري، في الحوالة، باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة (٢٢٨٧)، ٤/ ٤٦٤؛ مسلم، في المساقاة، باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة (١٥٦٤)، ٣/ ١١٩٧. انظر: الأم ٣/ ٢٢٨، ٢٢٩.
كتاب الضمان (١) [مسألة]:
٢٠٤ – ضمان المجهول ضمان المجهول عندنا جائز (٢)، وعند الشافعي باطل (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الصلح والضمان، إِنما شرعًا [لـ]ـقطع الخصومة، ألا ترى أنه إِذا قال: ما ثبت لك على فلان فهو في، فإنه يصح هذا الضمان، وإن كان الذي ثبت عليه من الضمان مجهولًا، فكذلك ها هنا (٤).
(١) الضمان: مصدر ضمنته، أضمنه ضمانًا، إذا كفلته فانا ضامن وضمين، وهو من باب (علم)، والضمان بمعنى الكفالة، ومن ثم قال أهل اللغة: «يقال: ضامن وضمين، وكافل وكفيل، وحميل وزعيم وقبيل». قال صاحب المغرب: «الضمان: الكفالة، يقال: ضمن المال منه إذا كفل له به وضمنه غيره، والضمان لا يتحقق إلا بالالتزام». وعرف الشربيني الضمان شرعًا بأنه «التزام حق ثابت في ذمة الغير، أو إحضار من هو عليه، أو عين مضمومة». انظر: تصحيح التنبيه، ص ٧٤؛
المغرب، المصباح، مادة: (ضمن)، مغني المحتاج ٢/ ١٩٨. (٢) يجوز الضمان بالمجهول إذا كان دينًا صحيحًا، «كأن يقول: تكفلت عنه بمالك عليه. انظر: القدوري، ص ٥٦؛ البدائع ٧/ ٣٤٢٠؛ الهداية ٦/ ٧٤٤، مع شرح البناية؛ كنز الدقائق ٦/ ٢٣٥، مع البحر الرائق؛ الدر المختار ٥/ ٣٠١؛ مع حاشية ابن عابدين. (٣) وذهب الشافعي في الجديد إلى عدم جواز ذلك إلا في ضمان الدرك: ضمان الثمن عند استحقاق المبيع. انظر: الأم ٣/ ٢٢٩؛ المهذب ١/ ٣٤٧؛ التنبيه، ص ٧٤؛ الروضة ٤/ ٤٤٤؛ المنهاج، ص ٥٥؛ نهاية المحتاج ٤/ ٤٤٢. (٤) استدل الأحناف من النقل على جواز ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٢)،»لأن حمل البعير يختلف باختلاف البعير، ولعموم قوله – ﷺ -: «الزعيم غارم». =
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الكفالة والضمان، إنما شرعا لقطع الخصومة فلو قلنا: إنهه يصح في المجهول، يؤدي إلى تطويل الخصومة، وهذا لا يجوز (١).
= الحديث أخرجه أصحاب السنن عن أبي أمامة وغيره: أبو داود، في البيوع، باب تضمين العارية (٣٥٦٥)، ٣/ ٢٩٦؛ الترمذي، في البيوع، باب ما جاء في أن العارية مواده (١٢٦٥)، ٣/ ٥٦٥؛
ابن ماجه، في الصدقات، باب العارية (٢٣٩٨). انظر: البدائع ٧/ ٣٤٢٠؛ البناية في شرح الهداية ٦/ ٧٤٤. (١) وعلل الشيرازي ذلك بقوله: «لأنه إثبات مال في الذمة بعقد لآدمي فلم يجز مع الجهالة كالثمن في البيع». المهذب ١/ ٣٤٧.
كتاب الكفالة (١) [مسألة]:
٢٠٥ – كفالة النفس الكفالة بالنفس دون المال تصح عندنا (٢)، وعند الشافعي: الكفالة بالنفس باطلة (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الكفيل التزم على نفسه إحضار المدعى عليه عند القاضي وقت حاجة المدعي، فوجب أن يصح قياسًا على الكفالة بالضمان (٤).
(١) الكفالة: بفتح الكاف – لغة: بمعنى الضمّ، قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (آل عمران: ٣٧)، أي ضمها إلى نفسه، ويقال وقد كفل عنه لغريمه بالمال أو بالنفس كفلًا، وكفالة من باب قتل، وتكفل بالشيء: ألزمه نفسه وتحمل به، وتكفل بالدين: التزم به، قال صاحب المغرب: الكفيل: «الضامن وتركيبه دال على الضم والتضمين». انظر: تصحيح التنبيه، ص ٧٤؛ المغرب، المصباح؛ التعريفات: (كفل). وشرعًا: «ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة». وعرف الشربيني كفالة البدن، بأنها: «التزام إحضار المكفول إلى المكفول له للحاجة إليها». الاختيار ٢/ ١٦٦؛ مغني المحتاج ٢/ ٢٠٣. (٢)
انظر: القدوري، ص ٥٦؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤٠٩؛ الهداية ٦/ ٧٢٣، مع البناية. (٣) ذكر المؤلف: بأن الكفالة بالنفس باطلة عند الشافعية هذا باعتبار قول مرجوح عندهم، «والمذهب صحة كفالة البدن» كما ذكره الشيرازي والنووي وأجاب الشيرازي عن قول الإمام الشافعي في الأم – «إن الكفالة بالنفس ضعيفة» – بقوله: «أراد من جهة القياس». انظر: الأم ٣/ ٣٣١؛ المهذب ١/ ٣٥٠؛ التنبيه، ص ٧٥؛ الوجيز ١/ ١٨٤؛ المنهاج، ص ٦٢؛ مغني المحتاج ٢/ ٢٠٣. (٤) استدل الأحناف على صحة الكفالة بالنفس من النقل، بقوله – ﷺ -: «الزعيم غارم»، قال المرغيناني: «وهذا يفيد مشروعية الكفالة بنوعيها» لعدم الفصل بين الكفالة بالمال والكفالة =
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الكفيل ها هنا التزم شيئًا وهو لا يقدر على تسليمه، ربما غاب المدعى عليه أو هرب فيعجز الكفيل عن إحضار المدعى عليه، فوجب أن لا تصح هذه الكفالة، كما نقول: في الكفالة في باب القصاص، فإنها لا تصح (١)، كذلك ها هنا (٢). مسألة:
٢٠٦ – الضمان على الميت لا يصح الضمان على الميت إذا كان معسرًا، عندنا (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤). دليلنا في المسألة: بأن الضمان إنما يصح على التضمين بشرط الرجوع
إلى من عليه الحق، أو يرجع إلى تركته إذا مات، وها هنا [كـ]ـلا (٥) المعنيين معدوم فوجب أن لا يصح (٦).
= بالنفس. قد سبق تخريج الحديث في المسألة (٢٠٤)، ص ٣٢١. انظر: الهداية ٦/ ٧٢٤، مع شرح البناية. (١) والمذهب صحة الكفالة في القصاص، قال النووي: «والمذهب صحتها [الكفالة] ببدن من عليه عقوبة لآدمي كقصاص وحد قذف». المنهاج، ص ٦٢. (٢) واستدل الشيرازي لقول المذهب بما روي أن ابن مسعود رضي الله عنه، قبل الكفالة، من أناس من بني حنيفة، ارتدوا ثم تابوا وكفلهم عشائرهم. انظر بالتفصيل: المهذب ١/ ٣٤٩، ٣٥٠؛ مغني المحتاج ٢/ ٣٠٢. (٣) انظر: القدوري، ص ٥٧؛ البدائع ٧/ ٣٤١٢؛ كنز الدقائق ٦/ ٣٥٣، مع البحر الرائق؛ الدر المختار ٥/ ٣١٢، مع حاشية ابن عابدين. (٤) انظر: الأم ٣/ ٢٣٠؛ المهذب ١/ ٣٤٦؛ الوجيز ١/ ١٨٣. (٥) في الأصل: (كالمعنيين). (٦) ووجه قول أبي حنيفة: «أن الدين عبارة عن الفعل والميت عاجز عن الفعل فكانت هذه كفالة بدين ساقط فلا تصح». انظر؛ البدائع ٧/ ٣٤١٢.
احتج الشافعي، في المسألة: “بما روي أن جنازة أحضرت بين يدي رسول الله – ﷺ – فقام ليصلي عليه، فقال: هل على صاحبكم
دين؟ فقالوا: عليه ديناران، فامتنع رسول الله – ﷺ – عن الصلاة، فأمر أصحابه أن يصلوا عليه، فقام علي رضي الله عنه فقال: ضما [نه] عليّ يا رسول الله، فقام رسول الله – ﷺ -، فصلَّى عليه وأما علي رضي الله عنه فإنما ضمن عن الميت المعسر، والنبي – ﷺ – جوّز ذلك ولم ينكر عليه، فدل على أنه يجوز (١).
(١) الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي عن أبي سيد الخدري رضي الله عنه من طرق بأسانيد ضعيفة، كما ذكره ابن حجر في التلخيص، ولكن روى البخاري في صحيحه من حديث سلمة بن الأكوع نحوه، إلا أن الذي تكفل عن الميت هو أبو قتادة. انظر: البخاري في الكفالة، باب من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع (٢٢٩٥)، ٤/ ٤٧٤؛ السنن الكبرى، في باب الضمان عن الميت ٦/ ٧٥؛ التلخيص الحبير ٤٧٣.
كتاب الشركة (١) [مسألة]:
٢٠٧ – شركة الأبدان الشركة عندنا بالأبدان (٢): جائزة (٣)، وعند الشافعي: باطلة (٤).
(١) الشركة: بكسر الشين وإسكان الراء – وجمعه: شرك – بكسر الشين وفتح الراء – من باب تعب، وهي لغة: الاختلاط، وقد تحذف
تاؤها فتصير بمعنى النصيب. وشرعًا عرفها الأحناف بأنها: «اختصاص اثنين فأكثر بمحل واحد» وعرفها الرملي من الشافعية بأنها: «ثبوت الحق شائعًا في شيء واحد أو عقد يقتضي ذلك». وتنقسم الشركة عند الفقهاء إلى قسمين: شركة ملك، وشركة عقد، وزاد بعض المتأخرين قسمًا ثالثًا وهي: شركة الإباحة، ولم يعدها المتقدمون قسيمًا فما، فأما شركة الملك فهي: «أن يملك اثنان أو أكثر عينًا كان أو دينًا بسبب من أسباب الملك، وذلك: كالشراء والهبة وقبول الوديعة». وشركة العقد هي: «عبارة عن العقد بين المتشاركين في الأصل والربح». والمعنى المقصود للشركة عند إطلاقها في كلام الفقهاء هي: شركة العقد. وتنقسم شركة العقد إلى: شركة بالأموال، وبالأعمال. والشركة بالأموال أنواع: منها ما هي متفق عليها بين الذهبيين، كالعنان، ومنها ما هي مختلف فيها: كالمفاوضة، والأبدان، مما يأتي ذكرها في المسائل الآتية، ولكل نوع شروط، تنظر في مظانها. انظر: المبسوط ١١/ ١٥٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٠، ١١؛ الاختيار ٢/ ٧٥؛ شيخ زادة، مجمع الأنهار شرح ملتقى الأبحر مع بدر المنتقى ١/ ٧١٤؛ المنهاج، ص ٦٣، ٦٤؛ الروضة ٤/ ٢٨٥؛ نهاية المحتاج ٥/ ٣. (٢) وتسمى أيضًا: بشركة الصنائع، والأعمال، والتقبل. انظر: المبسوط ١١/ ١٥١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٥. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٠٧؛ القدوري، ص ٥٣؛ المبسوط ١١/ ١٥٤؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٥؛ الاختيار ٢/
١٨. (٤) انظر: المهذب ١/ ٣٥٣؛ الوجيز ١/ ١٨٧؛ المنهاج، ص ٦٣.
وصورتها: إذا اشترك رجلان في العمل والحرفة على أن ما رزقهم الله تعالى، يكون بينهما فهو جائز عندنا، وعند الشافعي: لا يجوز. دليلنا في المسألة وهو: أن هذه الشركة متعارفة فيما بين الناس، ولتعارف الناس أثر في الجواز (١)، كما نقول: في شركة الأعيان (٢). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن من شرط صحة الشركة أن يكون المال موجودًا حتى تنعقد عليه الشركة، وها هنا لو اشتركا في العمل، والعمل معدوم، فلا تنعقد عليه الشركة، كما في شركة الاحتطاب، والاحتشاش عنه (٣).
(١) وأضاف السرخسي أيضًا بأن: «جواز الشركة باعتبار الوكالة، وتوكيل كل واحد منهما صاحبه بتقبل العمل صحيح، فكذلك الشركة». انظر بالتفصيل: المبسوط ١١/ ١٥٥. (٢) شركة الأعيان: «أن يكون بين الرجلين أو بين الجماعة أرض، أو بهائم ملكوها بالإِرث، أو بالبيع أو الهبة مشاعًا». تكملة المجموع، محمد نجيب المطيعي ١٣/ ٥٠٦. (٣) واستدل الشيرازي لبطلان هذه الشركة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي – ﷺ – قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل». أخرجه البخاري، في المكاتب، باب ما يجوز من شروط
المكاتب (٢٥٦١)، ٥/ ١٨٧؛ مسلم، في العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (١٥٠٩)، ٢/ ١٤١ – ثم قال: «وهذا الشرط ليس في كتاب الله تعالى، فوجب أن يكون باطلًا؛ لأن عمل كل واحد منهما ملك له يختص به، فلم يجز أن يشاركه الآخر في بدله». المهذب ١/ ٣٥٣؛ مغني المحتاج ٢/ ٢١٢.
مسألة:
٢٠٨ – شركة المفاوضة شركة المفاوضة (١)، عندنا جائزة (٢). وعند الشافعي: غير جائزة (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن شركة المفاوضة مشروعة [متعارفة] (٤) فيما بين التجار، فلو قلنا: إنه لا يجوز، يؤدي إلى سد باب التجارة (٥). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن المفاوضة مشتقة من المساواة من جميع الوجوه: في المال وفي العمل، ولا يمكن مراعاة التسوية من كل وجه، فوجب أن لا تجوز (٦).
(١) المفاوضة لغة: المساواة والانتشار، ومنه قولهم: الناس فوضى، أي مستوون، ومنه قولهم: تفاوضِ الرجلان في الحديث: إذا شرعا فيه جميعًا، ويقال: فاض الماء: إذا انتشر. وشرعًا: «هي ما تضمنت وكالة وكفالة، وتساويًا: مالًا وتصرفًا ودينًا». انظر: تصحيح التنبيه، ص ٧٥؛ المصباح؛ التعريفات: (شرك)، القدوري، ص ٥١؛ المبسوط ١١/ ١٥٢. (٢) ولها شروط لصحتها منها: المساواة في
رأس المال، وعدم اختصاص أحدهما بملك مال يصلح أن يكون رأس ماله في الشركة، والمساواة في الربح، وتصح من غير خلط المالين على ظاهر الرواية. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٠٦، ١٠٧؛ القدوري، ص ٥١؛ المبسوط ١١/ ١٠٣؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤، ١٠؛ الهداية ٣/ ٤. (٣) ولا تصح عند الشافعية من الشركات إلا شركة العنان، وقال الشافعي عن المفاوضة: «شركة المفاوضة باطل ولا أعرف شيئًا من الدنيا يكون باطلًا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلًا». الأم ١/ ٢٣٣؛ انظر: مختصر المزني، ص ١٠٩؛ المهذب ١/ ٣٥٣؛ الوجيز ١/ ١٨٧؛ المنهاج، ص ٦٣؛ نهاية المحتاج ٥/ ٤. (٤) في الأصل: (متقاربة). (٥) واستدلوا لها بالاستحسان بقوله – ﷺ -: «فاوضوا فإنه أعظم للبركة». قال العيني: «هذا غريب ليس له أصلًا. انظر الأدلة بالتفصيل في: المبسوط ١١/ ١٥٣؛ البناية ٦/ ٨١. (٦) واستدل الشافعية لعدم جواز المفاوضة بحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي – ﷺ – قال:»كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل”. ولأنها شركة معقودة على أن يشارك كل واحد منهما =
مسألة:
٢٠٩ – شركة العروض الشركة في العروض (١) جائزة عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا تجوز (٣). دليلنا في المسألة
وهو: أن العروض مال للتجارة، فتنعقد عليها الشركة كالدراهم والدنانير (٤). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن من شرط صحة الشركة أن يكون في رأس المال نقد، والعروض لا تسمى نقدًا، فلا تنعقد عليها الشركة (٥).
= صاحبه فيما يختص بسببه فلم تصح، كما لو عقدا الشركة على ما يملكان بالإرث والهبة …«. الحديث أخرجه الشيخان: البخاري، في الطلاق، باب خيار الأمة تحت العبد (٥٢٨١) ٩/ ٤٠٦؛ مسلم، في العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق (١٥٠٤)، ٢/ ١١٤١. انظر: المهذب ١/ ٣٥٣. (١) العروض مفرده: العرض بالسكون، وهو كل ما سوى الدراهم والدنانير. انظر: المصباح، مادة: (عرض). (٢) ولا تجوز الشركة بالعروض عند الأحناف على الإطلاق الذي ذكره المؤلف وإنما تصح الشركة بها إذا باع أحدهما نصف عروضه بنصف عروض الآخر، وكانت قيمتاهما على السواء، ثم يعقدان الشركة. انظر: القدوري، ص ٥١؛ المبسوط ١١/ ١٦٠، ١٦١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٦؛ الاختيار ٢/ ٧٨. (٣) ومذهب الشافعية كالأحناف في عدم تصحيح انعقاد الشركة بالعروض إلا بعد بيعها، كما يقول النووي في المنهاج:»والحيلة في الشركة في العروض أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر، ويأذن له في التصرف فيه بعد التقابض. انظر: المهذب ١/ ٣٥٢؛ المنهاج، ص ٦٣، ٦٤. (٤) استدل المؤلف لجوازها مطلقًا، كما
حكى المسألة، وقد ظهر مما تقدم عدم صحة هذا الإطلاق في المذهب، وعلل الأحناف لعدم جواز هذا النوع من الشركة، بأن الشركة تقتضي الوكالة والتوكيل على الوجه الذي تضمنه الشركة لا يصح بالعروض؛ لأنه يؤدي إلى ربح ما لم يضمن، لتفاوت ثمن عروض كل منهما. انظر بالتفصيل: المبسوط ١١/ ١٦٠، ١٦١. (٥) انظر الأدلة: المهذب ١/ ٣٥٢؛ نهاية المحتاج ٥/ ٨.
مسألة:
٢١٠ – شرط التفاضل في الربح إذا استويا في المال، وتفاضلا في الربح، فإن عندنا يجوز (١)، وعند الشافعي: لا يجوز (٢). دليلنا في المسألة؛ لأن الناس متفاوتون في التجارة، فربما إنسان كان أهدى في التجارة، والربح إنما يستحق بالتجارة، فإذا شرطا أن يكون لأحدهما زيادة، فيجوز على ما اشترطا (٣). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الربح إنما يقصد بين الشركاء باعتبار رأس المال، فإذا أراد أخذ الربح زيادة على رأس المال، يكون هذا: رشوة، فيكون حرامًا (٤).
(١) انظر: القدوري، ص ٥١، ٥٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٧؛ الهداية ٧/ ٣؛ الاختيار ٢/ ٧٩. (٢) فإن شرطا الزيادة لأحدهما في الربح فسد العقد. انظر: المهذب ١/ ٣٥٣؛ الوجيز ١/ ١٨٧؛ المنهاج، ص ٦٤. (٣) واستدل
الأحناف أيضًا بقوله – ﷺ -: «الربح على ما شرطا، والوضيعة على قدر المالين». قال الكمال بن الهمام: «ولم يعرف في كتب الحديث». وقال العيني: «هذا غريب جدًا وليس له أصل». وروي في بعض كتب الأصحاب من قول علي رضي الله عنه كما صرح به البابرتي والاترازي. انظر: فتح القدير مع العناية ٦/ ١٧٧؛ البناية ٦/ ١٠٨. (٤) انظر: المهذب ١/ ٣٥٣؛ نهاية المحتاج ٥/ ١٢.
كتاب الوكالة (١) [مسألة]:
٢١١ – التوكيل بغير رضا الخصم التوكيل (١) بغير رضا الخصم، لا يجوز عندنا (٢)، وعند الشافعي: يجوز (٣).
(١) الوكالة: بكسر الواو وفتحها: التفويض والتسليم، من وكلت الأمر إليه: أي فوضته إليه واكتفيت به، وهو من باب: وعد، وتقع الوكالة أيضًا على الحفظ ومنه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: ١٧٣)، «وهو اسم للتوكيل: من وكله توكيلًا، والتوكيل:»إظهار العجز والاعتماد على الغير«والاسم: التكلان، والوكيل: القائم بما فوض إليه، والجمع: الوكلاء، فعيل بمعنى مفعول». انظر: تصحيح التنبيه، ص ٧٦؛ المصباح، (وكل)، تهذيب الأسماء ٤/ ١٩٥. وعرفها العيني شرعًا بأنها: «إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلومًا. وعرفها الشربيني بأنها:»تفويض شخص ماله وفعله مما يقبل النيابة
إلى غيره ليفعله في حياته«. انظر: البناية ٨/ ٢٦١؛ مغني المحتاج ٢/ ٢١٧. (٢) عند أبي حنيفة رحمه الله: لا يجوز التوكيل بالخصومة بغير رضا الخصم، إلا أن يكون الموكل مريضًا أو غائبًا مسافة سفر، وخالفه الصاحبان، وأجاز التوكيل بغير رضا الخصم مطلقًا – والمقصود بالجواز هنا اللزوم، إذ لا خلاف بينهم في الجواز – واختار السرخسي التفصيل في المسألة بحسب ما تقتضيه المصلحة لكلا الطرفين: حيث يقول:»والذي نختاره في هذه المسألة، أن القاضي إذا علم من المدعي التعنت في إباء الوكيل لا يمكنه من ذلك، ويقبل التوكيل من الخصم [من غير رضاه]، وإذا علم من الموكل القصد إلى الإِضرار بالمدعي في التوكيل لا يقبل منه ذلك إلا برضا الخصم، فيصير إلى دفع الضرر من الجانبين«. ونقل الميداني عن الدرر أن»عليه فتوى المتأخرين”. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٠٨؛ القدوري، ص ٥٤؛ المبسوط ٨/ ١٩؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٣٨٣؛ البدائع ٧/ ٣٤٥٠؛ البناية ٧/ ٢٧٠؛ اللباب ٢/ ١٣٩. (٣) انظر: المهذب ١/ ٣٥٥؛ الوجيز ١/ ١٨٨.
دليلنا في المسألة وهو: أن الناس يتفاوتون في الخصومات، رجل أهدى في الخصومات، [من رجل] فلو قلنا: بأنه يصح بغير رضا الخصم، يؤدي إلى إلحاق الضرر به (١)، الدليل: ما
روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «إنما أنا بشر مثلكم، إنكم لتختصمون لدي. ولعل بعضهم ألحن بحجته من بعض، فمن قطعت له بحق أخيه بشيء، فإنما أقطع له قطعة من النار» (٢). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أنا أجمعنا أنه إذا كان المدعى عليه مريضًا أو عارضًا على السفر، يصح الوكيل ها هنا، فلا يشترط رضا الخصم لصحة التوكيل، كذلك ها هنا، وجب أن يكون كذلك (٣). مسألة: ٢١٢ – التوكيل بالتعليق التوكيل بالتعليق، جائز عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا يجوز (٥).
(١) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٧/ ١٩؛ الهداية ٧/ ٢٧١، مع شرح البناية. (٢) الحديث أخرجه الشيخان من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها مع اختلاف في اللفظ: قال رسول الله – ﷺ -: «إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار»، وفي رواية: «انما أنا بشر …» الحديث. واللفظ لمسلم: البخاري، في المظالم، باب أتم من خاصم في باطل وهو يعلمه (٢٤٥٨)، ٥/ ١٠٧؛ مسلم، في الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (١٧١٣)، ٣/ ١٣٣٧. (٣) وعلل الشيرازي ذلك بقوله: «لأنه
توكيل في حقه، فلا يعتبر فيه رضى من عليه، كالتوكيل في قبض الديون». المهذب ١/ ٣٥٥. (٤) انظر: المبسوط ١٩/ ٧٣؛ البدائع ٧/ ٣٤٤٥؛ الفتاوى الهندية، عن المحيط السرخسي ٣/ ٥٦٧. (٥) انظر: المهذب ١/ ٣٥٧، المنهاج، ص ٦٤.
صورته: إذا قال لآخر: إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي، عندنا: يصير وكيلًا له، وعند الشافعي: لا يصير وكيلًا. [احتج الشافعي، في المسألة] (١): أن التعليق بالشرط إنما يجوز؛ لأنه تصرف في نفسه، وهذا تصرف في حق الغير، فوجب أن لا يصح تعليقه بشرط: كالبيع والشراء (٢). مسألة:
٢١٣ – تفرد أحد الوكيلين بالتصرف إذا وكّل وكيلين في طلاق امرأته، أو بعتاق عبده، فإن عندنا: ينفرد أحد الوكيلين دون صاحبه (٣)، وعند الشافعي: لا ينفرد (٤). دليلنا في المسألة: أن أحد الوكيلين إنما لا يملك الانفراد لمعنى: أنه يحتاج فيه إلى الرأي والمشورة، فالظاهر: أنه لما وكل وكيلين فقد رضي بمشورتهما، [في] كل أمر يحتاج فيه إلى الرأي
(١) في الأصل: (دليلنا في المسألة وهو)، والظاهر من السياق أن هذه العبارة ذكرت سهوًا من الناسخ. (٢) كما علل الشيرازي هذا بقوله: «لأنه عقد تؤثر الجهالة في إبطاله، فلم يصح
تعليقه على شرط، كالبيع والإجازة». المهذب ١/ ٣٥٧. لم يذكر المؤلف دليل الحنفية كعادته، وإنما ذكر السرخسي والكاساني علة الجواز بقولهما: «لأن التوكيل إطلاق التصرفات، والإطلاقات مما يحتمل التعليق بالشرط». انظر: المبسوط ١٩/ ٧٣؛ البدائع ٧/ ٣٤٤٦. (٣) ينفرد أحد الوكيلين بالتصرف دون الآخر في حالة توكيلهما: بطلاق زوجته بغير عوض، أو بعتق عبده بغير عوض، وكذلك: بالخصومة، وبتسليم الهبة، ورد الوديعة، وقضاء الدين. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١٢؛ القدوري، ص ٥٥؛ المبسوط ١١/ ١٩، ١٢؛ البدائع ٧/ ٣٤٧٥؛ الهداية ٧/ ٣٤٦ مع البناية. (٤) انظر: المهذب ١/ ٣٥٨؛ التنبيه، ص ٧٦؛ الروضة ٤/ ٣٢١.
والمشورة، وها هنا لا يحتاج إلى الرأي والمشورة فلذا قلنا: إنه يصح (١). احتج الشافعي، في المسألة: أنه لما وكّل وكيلين، فقد رضي باجتماعهما على هذا التصرف، فلو قلنا: إنه ينفرد أحدهما دون الآخر، يؤدي إلى إلحاق الضرر بالموكل، وهذا لا يجوز (٢). مسألة:
٢١٤ – توكيل الصبي توكيل الصبي، يصح عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا يصح (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الصبي إذا كان عاقلًا يهتدي في جميع التصرفات، إلا أنه يحجر عليه نظرًا له، كيلا يؤدي إلى إلحاق الضرر بنفسه، لنقصان حاله، والموكل إذا وكله
مع علمه بنقصان حاله، فقد رضي بإلحاق الضرر بنفسه (٥). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الصبي [ليس] (٦) من
(١) لأن التوكيل في هذه التصرفات تعتبر تفويضًا للتصرف إلى كل واحد منهما بانفراده، لكونها تعبير محضًا، وعبارة المثنى والواحد سواء. راجع المصادر السابقة للأحناف. (٢) انظر: المهذب ١/ ٣٥٨. (٣) يصح توكيل الصبي إذا كان يعقل البيع والشراء، ولا تتعلق به الحقوق، وإنما تتعلق بموكله. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١٠؛ القدوري، ص ٥٤؛ البدائع ٧/ ٣٤٤٧؛ الهداية ٧/ ٢٧٥، مع البناية. (٤) انظر: المهذب ١/ ٣٥٦؛ الوجيز ١/ ٨٩؛ المنهاج، ص ٦٤. (٥) واستدل الأحناف بما روي أن النبي – ﷺ – وكّل بالتزوج عمر بن أبي سلمة من أم سلمة رضي الله عنها: «فزوجها من رسول الله – ﷺ – وكان صبيًا». الحديث أخرجه النسائي، في النكاح، باب النكاح الابن أمه ٦/ ٨١؛ والحاكم في المستدرك، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ٢/ ١٧٨؛ نصب الراية ٤/ ٩٢. (٦) الأصل في المخطوط بدون (ليس)، وإنما يظهر من سياق العبارة سقوطها.
أهل التصرف في حق نفسه، فوجب أن لا يكون أهلًا للتصرف في حق غيره (١). مسألة:
٢١٥ –
إقرار الوكيل
بالخصومة الوكيل بالخصومة، إذا أقر على موكله، فإنه يصح عندنا (٢)، وعند الشافعي لا يصح (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن التوكيل بالخصومة وكيل مطلق ألا ترى أنه يملك الإِنكار، فكذلك يملك الإِقرار (٤). احتج الشافعي [في المسألة وهو]: أنه لمّا وكله بالخصومة، فقد وكّله بالإِنكار؛ لأن الإِنكار من باب الخصومة والمنازعة، وأما الإِقرار فمن باب المسالمة، وهو وكله بالخصومة، فوجب أن لا يملك الوكيل ما هو من نتائج الخصومة (٥). مسألة:
٢١٦ – عزل الوكيل في غيبته إذا عزل الموكل الوكيل في غيبته، عندنا: لا ينعزل ما لم يبلغ الخبر إليه (٦)، وعند الشافعي: ينعزل (٧).
(١) انظر الدليل: المهذب ١/ ٣٥٦. (٢) يصح – يلزم – إقراره على موكله عند القاضي فقط. انظر: القدوري، ص ٥٥، ٥٦؛ المبسوط ٤/ ١٩، ٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٣٨٣؛ البدائع ٧/ ٣٤٥١. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ١١٠؛ المهذب ١/ ٣٥٨؛ الروضة ٤/ ٣٢٠. (٤) انظر الدليل بالتفصيل: المبسوط ٥/ ١٩. (٥) انظر الدليل: المهذب ١/ ٣٥٨. (٦) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٠٩؛ القدوري، ص ٥٥؛ البسوط ١٥/ ١٩؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٣٨٥؛ الهداية ٧/ ٣٧٦، مع شرح البناية. (٧) ينعزل مطلقًا على أظهر قولي الشافعي. انظر: المهذب ١/ ٣٦٣ – ٣٦٤؛ الوجيز
١/ ١٩٣؛ الروضة ١/ ٣٣٠.
دليلنا في المسألة وهو: أنه لما وكله بالبيع والشراء، ربما تصرف فيه بحكم الوكالة فلو قلنا: إنه ينعزل في غيبته، ربما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالوكيل (١). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الموكل لما وكله، فهو الذي أثبت له هذه الولاية عنه، فوجب أن يملك ذلك عند غيبته (٢)، دليله: الإِعتاق. مسألة:
٢١٧ – تصرف الوكيل المطلق الوكيل المطلق، يملك البيع بما عزّ وهان: وبأيّ ثمن كان، بالنقد أو النسيئة، هذا عند أبي حنيفة (٣)، و[عند] أبي يوسف
(١) استدل السرخسي بقوله: «بأن حكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به كخطاب الشرع» وضرب أمثلة لعدم ثبوت الخطاب قبل علم المخاطب به، كإقرار النبي – ﷺ – صلاة أهل قباء إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، لعدم علمهم بذلك، وأمثلة أخرى. انظر: المبسوط ١٩/ ١٦. (٢) انظر: المهذب ١/ ٣٦٤. وفائدة الخلاف: تظهر فيما إذا تصرف الوكيل بما وكل إليه قبل علمه بعزله عن الوكالة: فعلى قول الأحناف: يصح تصرفه ويلزم موكله، «لأنه أمر فلا يسقط حكمه قبل العلم بالنهي كأمر صاحب الشرع» وعلى قول الشافعية
– الأظهر -: لا ينفذ تصرفه ولا يلزم موكله، «لأنه قطع عقدًا لا يفتقر إلى رضاه فلم يفتقر إلى علمه كالطلاق». انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٠٩؛ المهذب ١/ ٣٦٤. (٣) الوكيل المطلق في البيع، يراعي في تصرفه الإطلاق عند أبي حنيفة، خلافًا للصاحبين، فإنه لا يجوز عندهما: بيع الوكيل بنقصان فاحش بحيث لايحتمل الناس بمثل هذا النقصان، ولا يجوز أيضًا بيعه بالعرض، ونقل الكاساني رواية للإمام عن الحسن مثل قولهما. قال في البزازية: وعليه الفتوى. ولكن الأرجح والمعول عليه هو قول الإمام عند المتأخرين، «وعليه أصحاب المتون الموضوعة لنقل المذهب بما هو ظاهر الرواية»، والبيع بالنسيئة إنما يجوز إذا لم يكن في لفظ الموكل ما يدل على البيع بالنقد، كأن يقول: «بعه واقض ديني، أو بعه فإني أحتاج إلى نفقة عيالي، ففي هذه الصورة لا يجوز بيعه نسيئة بالاتفاق»، وعليه الفتوى. =
ومحمد والشافعي رحمهم الله: لا يملك إلا بمثل ثمنه بالنقد، ولو باعه بالنسيئة لا يجوز (١). دليل أبي حنيفة، وهو: أنه لما وكّله بالبيع مطلقًا، جعل البيع مملوكًا [له]، ولو باع ما يساوي مائة بعشرة، فقد تصرف فيما هومملوك له؛ لأن البيع بعشرة يسمى بيعًا، والبيع بالنسيئة يسمى بيعًا، وهو وكيل بالبيع، وقد
أتى به، فوجب أن يصح (٢). ودليلهم في المسألة وهو: أنه وكّله بالبيع، فقد وكّله بشيء لا يلحق فيه الضرر، فوجب أن يتقيد هذا التوكيل بالعرف؛ لأن الظاهر من حال الموكل ما رضي بيعه إلا بمثل الثمن. مثله: كما لو وكّل إنسانًا بشراء الخضر، فإنه يتقيد هذا التوكيل بالصيف، ولو وكّله بشراء الفحم مطلقًا، لتقيد بالشتاء، وما كان ذلك إلا لاعتبار العرف، فكذلك ها هنا (٣).
= انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١١، ١١٢؛ القدوري، ص ٥٥؛ المبسوط ١٩/ ٣٦؛ البدائع ٧/ ٣٤٦٣؛ الهداية ٧/ ٣٢٧، مع شرح البناية؛ اللباب ٢/ ١٤٧؛ الدر المختار ٥/ ٥٢٢، مع حاشية ابن عابدين. (١) انظر: مختصر المزني، ص ١١١؛ المهذب ١/ ٣٦١؛ الوجيز ١/ ١٩١. (٢) انظر أدلة الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى بالتفصيل: المبسوط ١٩/ ٣٦، ٣٧؛ والبناية في شرح الهداية ٧/ ٣٢٩. (٣) راجع أدلة صاحبي أبي حنيفة رحمهم الله في مصادر الأحناف السابقة. وعلل الشيرازي لعدم الجواز بالإطلاق، بقوله: «لأنه منهي عن الإضرار بالموكل، مأمور بالنصح له، وفي النقصان عن ثمن المثل في البيع إضرار وترك النصح؛ لأن العرف في البيع: ثمن المثل، فحمل إطلاق الإِذن عليه». المهذب ١/ ٣٦١.
كتاب الإِقرار (١) [مسألة]:
٢١٨ – إقرار الصبي إقرار الصبىّ يصح عندنا: إذا كان [بإذن] (٢) وليه (٣) وعند الشافعي: لا يصح (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الصبي العاقل مع كونه أهلًا للتصرف، يكون محجورًا عليه بالتصرف، بنقصان حاله، ولعدم هدايته إلى التصرف، والولي لما أذن له، فقد علم هدايته إلى التصرف، فإذا صح إذنه في التصرف، وجب أن يصح إقراره؛ لأن التصرف لا يقوم إلا بالإقرار، فوجب أن يصح: كالبالغ (٥). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الصبىّ ليس بأهل
(١) الإقرار لغة: الاعتراف والإثبات، يقال: قرّ الشيء: إذا ثبت، وأقر بالشيء إذا اعترف به. انظر: المغرب؛ مختار الصحاح؛ المصباح، مادة: (قرّ). وشرعًا هو: «إخبار عن ثبوت الحق للغير على نفسه». انظر: البناية في شرح الهداية ٧/ ٥٣٦؛ مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر ٢/ ٢٨٨؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥/ ٥٨٨؛ نهاية المحتاج ٥/ ٦٤. (٢) وفي الأصل: «إذا كان بوليه». (٣) لا يصح إقرار الصبي إلا إذا كان مأذونًا له في التجارة. انظر: المبسوط ١٧/ ١٩٩؛ الهداية ٣/ ١٨٠؛ اللباب في شرح الكتاب ٢/ ٧٦. (٤) انظر: الأم ٣/ ٢٣٥؛ المهذب ٢/ ٣٤٤؛ التنبيه، ص ١٦٤؛ الوجيز ١/ ١٩٤؛ المنهاج، ص ٦٦. (٥) انظر: المبسوط ١٧/ ١٩٩، ٢٠٠؛ الهداية
مع شرحها: البناية ٧/ ٥٣٩.
للإِقرار في حق نفسه قبل إذن الولي؛ لأنه إنما لم يصح لعدم أهليته، والإِذن لا يصيره أهلًا كما قبل العقد (١). مسألة:
٢١٩ – ما يقبل في الإقرار بمال عظيم إذا قال: لفلان عليّ مال كبير أو عظيم أو جليل، فعندنا: لا يقبل أقل من عشرة (٢)، وعند الشافعي: يرجع إلى تفسيره، فإذا فسره بما يتقوم، قبل منه (٣). دليلنا في المسألة وهو: أنه لما قال: عليّ مال عظيم أو جليل، فقد أقر بمال له خطر عند الناس، فلا يقبل أقل من عشرة؛ لأن العشرة مال له عزة عند الناس، ولهذا جعلنا المهر مقدرًا بعشرة،
(١) واستدل الشيرازي على عدم صحة إقرار الصبي بحديث: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ …» الحديث، وقد سبق تخريجه في المسألة (٤٦)، ص ١٤٠. ثم علله بقوله: «ولأنه التزام حق بالقول، فلم يصح من الصبي كالبيع». انظر: الأم ٣/ ٢٣٥؛ والمهذب ٢/ ٣٤٤. (٢) إذا أقر بمال كثير أوعظيم فلا يصدق في أقل من عشرة دراهم عند أبي حنيفة وأما عند الصاحبين فلا يصدق في أقل من مائتي درهم، وروى عن الإِمام مثل قولهما. ويوجه قول
الإِمام بأنه يبني على حال المقر في العسر واليسر؛ لأن القيل عند الفقير عظيم، وأضعاف ذلك عند الغني ليس بعظيم وذكر الزيلعي: أن التفصيل في قوله هو الأصح، والمعتمد في المذهب هو قول الإمام. انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٣٢٥؛ الهداية مع شرح البناية ٧/ ٥٤٢، ٥٤٣؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٥/ ٥٩١، ٥٩٢. (٣) يقبل تفسير المقر مطلقًا في القليل والكثير. مع يمينه عند الشافعي كما ذكره في الأم، وفي بقية كتب الشافعية لم تقيد الإِطلاق باليمين. انظر: الأم ٣/ ٢٣٧؛ المهذب ٢/ ٣٤٨؛ التنبيه، ص ١٦٤؛ الوجيز ١/ ١٩٧، المنهاج، ص ٦٧؛ نهاية المحتاج ٥/ ٨٨.
ونصاب السرقة أيضًا: عشرة، فإذا فسره باقل من عشرة، فقد أقر بمال، وليس له خطر عند الناس، فوجب أن لا يصح (١). احتج الشافعي في المسألة وهو: أنه لما قال: عليّ مال كبير، فقد أجمل (٢) فكان البيان إليه، كما قلنا: في الطلاق والعتاق إذا قال إحدى نسائي طالق، أو إحدى إمائي حرة، فإنه أجمل الطلاق والعتاق، فيرجع إلى بيانه؛ لأن المجمل هو ومن أجمل فعليه البيان فكذلك ها هنا (٣). مسألة:
٢٢٠ – تملك الظرف حال الإقرار بالمظروف إذا قال: لفلان عليّ ثوب
في منديل، فإن عندنا: المنديل يدخل تبعًا للثوب (٤)، وعند الشافعي: لا يدخل (٥). دليلنا في المسألة؛ لأنه لما أقر بثوب في منديل، فالظاهر: أن المنديل لصاحب الثوب، باعتبار العرف والعادة، فوجب أن يدخل تحت الإِقرار، كما: لو أقر بثوبين (٦).
(١) «ولأن العشرة أقصى ما ينتهي إليه اسم الجمع». وعلل الصاحبان قولهما: «لأنه أقر بمال موصوف، فلا يجوز الغاء الوصف، والنصاب مال عظيم، حثى اعتبر صاحبه غنيًا به، والغني عظيم عند الناس». راجع الأدلة في المراجع السابقة للأحناف. (٢) والإِجمال: «إيراد الكلام على وجه مبهم» التعريفات، (باب الألف). (٣) قال الشيرازي: «ولأن ما من مال إلا وهو عظيم وكثير بالإِضافة إلى ما هو دونه». راجع الدليل بالتفصيل: الأم ٣/ ٢٣٧؛ المهذب ٢/ ٣٤٨؛ مغني المحتاج ٢/ ٢٤٨. (٤) انظر: القدوري، ص ٤٤؛ الهداية وشروحها: العناية مع تكملة فتح القدير ٦/ ٣٠١؛ البناية ٧/ ٥٥٦. (٥) انظر: المهذب ٢/ ٣٥١؛ التنبيه، ص ١٦٥؛ الوجيز ١/ ١٩٨؛ المنهاج، ص ٦٨. (٦) انظر الدليل في المصادر السابقة للأحناف.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن هذا الرجل أقر بثوب، إلا أنه حكى هذا الثوب في ظرف ووعاء، وكونه في ظرف ووعاء، لا يكون دليلًا على
أن الظرف يكون لصاحب الثوب، كما: لو أقر بالخل وهو في دن، فإن الإِقرار بالخل، لا يكون إقرارًا بالظرف، فكذلك ها هنا (١). مسألة: ٢٢١ – قضاء الحقوق لغرماء الصحة والمرض غرماء الصحة، يقدمون على غرماء المرض، عندنا (٢) الشافعي يستويان (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الغريم الذي ثبت حقه في حالة الصحة، فقد تعلق حقه في جميع المال، والذي ثبت دينه في المرض، تعلق حقه في ثلث المال، فكان غرماء الصحة، الذي تعلق حقه في جميع المال، أولى أن تقدم (٤). احتج الشافعي، في المسألة: أنه قد استويا في سبب الاستحقاق، فوجب أن يستويا في الاستحقاق، الدليل عليه: إذا ثبت حقهما في حال المرض، أو في حال الصحة (٥).
(١) راجع الدليل: المهذب ٢/ ٣٥١. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٨٦؛ القدوري، ص ٤٥؛ المبسوط ١٨/ ٢٦؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٣٣٤؛ الهداية ٣/ ١٨٨، ١٨٩. (٣) انظر: المهذب ٢/ ٣٤٥؛ المنهاج، ص ٦٧؛ نهاية المحتاج ٥/ ٧٠. (٤) راجع الدليل بالتفصيل: المبسوط ١٨/ ٢٦؛ البدائع ١٠/ ٤٥٩٧؛ الهداية وشروحها: العناية مع تكملة فتح القدير ٨/ ٣٨٣؛ البناية ٧/ ٥٨٨. (٥) وعلل الشيرازي لاستواء الحالتين بقوله: «لأنهما حقان يجب قضاؤهما من رأس المال، ولم يقدم أحدهما على الآخر، كما لو أقر لهما في
حال الصحة». المهذب ٢/ ٣٤٥.
مسألة:
٢٢٢ – الإقرار بالدين على والده إذا ادّعى على الميت دينًا، فأقر أحد الورثة بهذا الدين على أبيه، فإن عندنا: يجب أداؤه في حصة نفسه في نصيبه (١)، وعند الشافعي: يلزم على الكل (٢). دليلنا في ذلك؛ لأن إقرار الإنسان إنما يصح في حق نفسه؛ لأنه لا تهمة فيه، وأما في حق غيره فإنه متهم، فوجب أن لا يصح (٣). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أنه لما أقر بدين على أبيه، فالظاهر: أنه إنما أراد بهذا الإِقرار تخليص رقبة والده من هذا الدين، فوجب أن يقبل منه: كالمورث (٤).
(١) انظر: المبسوط ١٨/ ٤٨؛ الهداية ٣/ ١٩٢. (٢) المتبادر إلى الذهن من قول المصنف: (يلزم على الكل) أي يلزم على مجموع الورثة تسديد الدين، ولم أعثر على هذا القول في كتب المذهب، وفي المسألة قولان مشهوران: القديم: أن على المقر قضاء جمغ الدين من حصته من التركة إن وفى به، وإلا فيصرف جمغ حصته إليه، والجديد: أنه لا يلزمه إلا بقسط حصته من التركة. انظر: المهذب ٢/ ٣٥٥؛ التنبيه، ص ١٦٦؛ الروضة ٤/ ٤١١. (٣) انظر: المبسوط ١٨/ ٤٨؛ الهداية وشروحها: العناية مع
تكملة فتح القدير ٨/ ٤٠١؛ البناية ٧/ ٦٠١. (٤) وعلل الشيرازي القول الجديد بقوله: «لأنه لو لزمه بالإِقرار جميع الدين لم تقبل شهادته بالدين؛ لأنه يدفع بهذه الشهادة عن نفسه ضررًا والله أعلم». المهذب ٢/ ٣٥٥.
كتاب العارية (١) [مسألة]:
٢٢٣ – حكم العارية العارية: أمانة عندنا (٢)، وعند الشافعي: مضمونة (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان» (٤)، المغل (٥): هو الخيانة، ولم توجد الخيانة ها هنا،
(١) العارية: بالتشديد والتخفيف، وجمعها: العواري، قال الأزهري: «هي مشتقة من عار الرجل إذا جاء وذهب، وهي لغة: إعارة الشيء. انظر: المغرب، مختار الصحاح، مادة: (عور)، تصحيح التنبيه، ص ٧٨. واختلف الفقهاء في تعريفها شرعًا بحسب اختلاف ترتيب آثارها: فعرفها القدوري وغيره من الأحناف، بأنها:»تمليك المنافع بغير عوض«وعرفها الشربيني من الشافعية، بأنها:»إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به، مع بقاء عينه«. انظر: القدوري، ص ٦٣؛ المنهاج، ص ٦٩؛ مغني الحتاج، ٢/ ٢٦٣. (٢) العارية أمانة عند المستعير لدى الأحناف، ما لم يتعد فيها المستعير، فإن تعدّى فيضمن قيمتها ساعة التعدي. انظر:
مختصر الطحاوي، ص ١١٦؛ القدوري، ص ٦٣؛ المبسوط ١١/ ١٣٤؛ البدائع ٨/ ٣٩٠٤. (٣) انظر: الأم ٣/ ٣٤٤؛ المهذب ١/ ٣٧٠؛ الوجيز ١/ ٢٠٤؛ المنهاج، ص ٦٩. (٤) الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا إلى النبي – ﷺ -، وضعف الدارقطني والبيهقي الرواية المرفوعة وإنما صححا وقفه على شريح القاضي، وقال الدارقطني:»عمرو وعبيدة [روايان من السند] ضعيفان، وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع”. انظر: سنن الدراقطني ٣/ ٤١؛ السنن الكبرى ٦/ ٩١؛ التلخيص الحبير ٣/ ٥٢. (٥) المغل: من أغل بالألف، يقال: أغل الرجل: خان في المغنم وغيره. انظر: مختار الصحاح، والمصباح المنير، مادة: (غل).
فلا يكون الضمان عليه (١). احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ -، أنه استعار أدرعًا من صفوان، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: «لا، بل عارية مضمونة مؤدّاة» (٢)، فالنبي – ﷺ -، جعل العارية مضمونة مردودة، وأنتم تجعلونها أمانة، فوجب أن لا تصح (٣). مسألة:
٢٢٤ – إعارة المستعار لطرف ثالث المستعير يجوز له أن يعير (٤) غيره عندنا (٥)، وعند الشافعي: لا يجوز (٦). دليلنا في المسألة وهو: أن المعير لما أعار مطلقًا، فقد رضي
بانتفاعه، فالإِنسان إذا استعار شيئًا، إنما ينتفع به وينتفع به الغير، فوجب أن يملك ذلك، كما لو أذن له (٧).
(١) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١١/ ٣٥١؛ البدائع ٨/ ٣٩٠٤. (٢) الحديث أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم، وقال: «وله شاهد صحيح عن ابن عباس رضي الله عهما»، وساق الحديث، وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم». والدراقطني والبيهقي في سننهما. انظر: أبي داود، في البيوع، باب تضمين العارية (٣٥٦٢)، ٣/ ٢٩٦؛ المستدرك ٢/ ٤٧؛ وسنن الدارقطني ٣/ ٣٩، ٤٠؛ السنن الكبرى ٦/ ٨٨؛ نصب الراية ٦/ ١١٤؛ التلخيص الحبير ٣/ ٥٢. (٣) راجع الأدلة بالتفصيل: المهذب ١/ ٣٧٠. (٤) في الأصل: «أن يعير من غيره». (٥) وللمستعير أن يعيرها غيره، إذا استعارها مطلقًا، وكان مما لا يختلف باختلاف الاستعمال. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١٦؛ القدوري، ص ٦٣؛ المبسوط ١١/ ١٤٠؛ البدائع ٨/ ٣٩٠١؛ الهداية ٧/ ٧٨١، مع شرح البناية. (٦) انظر: المهذب ١/ ٣٧١؛ المنهاج، ص ٦٩؛ نهاية المحتاج ٥/ ١٢٠. (٧) انظر الدليل: المبسوط ١١/ ١٤٠؛ الهداية وشروحها: العناية مع تكملة فتح القدير ٩/ ١١؛ شرح البناية ٧/ ٧٨٢.
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الناس يتفاوتون في الاستعمال للشيء، أو في
ركوبه خصوصًا، وهو إنما رضي بركوبه واستعماله إذا لم يكن حيوانًا، فوجب أن لا يملك المستعير أن يعير لآخر، كما نقول في الإجارة، أن من استأجر من آخر دابة، فأراد أن يؤاجر من غيره (١)، [أو] أودع عند إنسان شيئًا فالمودع أراد أن يودع من غيره، فإنه لا يملك ذلك، كذلك ها هنا (٢). مسألة: ٢٢٥ – رد العارية إلى مكانها المألوف إذا استعار دابة من إنسان فردها إلى اصطبل مالكها، ولم يعلمه بذلك، فإذا تلفت لا تكون من ضمان المستعير عندنا (٣)، وعند الشافعي: تكون في ضمانه (٤). دليلنا في المسألة؛ لأن الإنسان إذا استعار دابة، إنما يردها في الموضع الذي استعار، إنما تؤخذ من الاصطبل، ألا ترى أنه لو ردها إلى يد عبده، أو إلى تلاميذه فهلكت. أنه لا ضمان عليه؛ لأن ردها إلى يد عبده أو إلى تلاميذه كردها إلى مالكها، كذلك
(١) أراد المؤلف أن ينظّر بين عدم جواز إعارة المستعير العين لطرف ثالث بالإجارة، (حيث لا يجوز تأجير العين لطرف ثالث) في حين أن الراجح جواز تأجير المستأجر العين لآخر؛ لأنه يملك النافع، «ولهذا يملك أن يأخذ عليه العوض، فملك نقله إلى غيره، كالمشتري للطعام»، بخلاف المستعير فإنه لا يملك النافع وإنما له الإباحة بالانتفاع – عند الشافعية
– «فلا يملك بها الإباحة لغيره .. ولهذا لا يملك أخذ العوض عليه، فلا يملك نقله إلى غيره كمن قدم إليه الطعام». ويصح تنظير المؤلف الإعارة على الإجارة، على قول مرجوح لدى الشافعية، كما يقول الشيرازي: «ويجوز أن يعير غيره كما يجوز للمستأجر أن يؤجر». انظر المهذب ١/ ٣٧١؛ المنهاج، ص ٧٧. (٢) تنظيره الإعارة بالوديعة صحيح، بجامع أن كلًا منهما لا يجوز نقله إلى غيرهما. انظر: المهذب ١/ ٣٦٨؛ المنهاج، ص ٩٢. (٣) انظر: القدوري، ص ٦٣؛ المبسوط ١١/ ١٣٩؛ البدائع ٨/ ٣٩٠٧. (٤) انظر: المهذب ١/ ٣٧١.
ها هنا ردها إلى اصطبل مالكها كردها إلى مالكها، ولو ردها إلى مالكها لا ضمان عليه، فكذلك ها هنا (١). احتج الشافعي وقال: إن فعل الحيوان غير معتبر؛ لأن كونه محفوظًا لا يكون مضافًا إلى فعل الدابة، وإنما يكون مضافًا إلى صاحب الدابة، فإذا ردها إلى الاصطبل ولم يعلمه، فقد ضيعها، فتكون في ضمانه، كما لو لم يردها (٢).
(١) انظر الدليل: المبسوط ١١/ ١٤٠؛ البدائع ٨/ ٣٩٠٧. (٢) واحتج الشيرازي لتضمين المستعير بنحو من هذا: حيث يقول: «وتجب ردها إلى المعير أو إلى وكيله، فإن ردها إلى المكان الذي أخذها منه
لم يبرأ من الضمان»، «لأن ما وجب رده إلى المالك أو إلى وكيله كالمغصوب والمسروق». المهذب ١/ ٣٧١.
كتاب الغصب (١) [مسألة]:
٢٢٦ – ملكية المغصوب بعد الجناية عليه وأداء قيمته كاملًا إذا غصب عبدًا، ثم فقأ عينيه، أو قطع يديه، يلزمه تمام القيمة، [و] إذا أدى قيمته يصير العبد مملوكًا للغاصب، عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يصير مالكًا له (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن الغاصب لما أدى قيمة العبد بتمامه، وجب أن يكون المحل مملوكًا له، كما لو اشترى (٤). احتج الشافعي في المسألة، بأن قال: إن ما أداه ليس ببدل عن العين، وإنما هو بدل عن جنايته وهو: تلف العينين وقطع
(١) الغصب لغة: أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا، وهو مصدر غصبته أغصبه غصبًا والشيء مغصوب وغصب، وهو من باب ضرب. انظر: الصحاح، المغرب، المصباح، مادة: (غصب)، تصحيح التنبيه، ص ٧٨. وشرعًا: عرفه الكاساني عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بأنه: «إزالة يد المالك عن ماله المتقوّم على سبيل المجاهرة والمغالبة بفعل في المال» وعرفه النووي من الشافعية هو: «الاستيلاء على حق الغير عدوانًا». وحدث الاختلاف في تعريف الغصب بين المذهبين تبعًا لاختلافهم في بعض
مسائل الغصب، كما سيأتي (٢٣٤). انظر: البدائع ٩/ ٤٤٠٣؛ الاختيار ٣/ ٥٨؛ المنهاج، ص ٧٠. (٢) انظر: البدائع ٩/ ٤٤١٧. (٣) انظر: المهذب ١/ ٣٧٦. (٤) المصدر السابق للأحناف.
اليدين، فبقيت العين مملوكًا لصاحبه على حاله، كما لو قطع إحدى اليدين (١) وأدى الأرش، فإن العين لا تكون مملوكًا للجاني. مسألة:
٢٢٧ – ملكية المغصوب بعد أداء الغاصب إذا غصب عبدًا فابق من يد الغاصب، فأخذ المغصوب منه القيمة، ثم عاد العبد من [إباقة] (٢)، فإنه يعود إلى ملك الغاصب عندنا (٣)، وعند الشافعي: يعود إلى ملك المالك (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن القيمة التي أخذها المغصوب منه صار مملوكًا له ولا يمكن إثبات الملك له في البدل؛ [لأنه] (٥) يؤدي إلى اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد، وهذا لا يجوز (٦). احتج الشافعي وهو: أن هذا الضمان ليس بضمان عين، وإنما هو ضمان حيلولة؛ لأن الغاصب حال بينه وبين المال، فيحال أيضًا البدل عن ملكه، جزاء لما فعله من الغصب، فإذا عاد وجب أن يعود إلى ملك المالك؛ لأن ملكه لا يزول إلا برضاه، ولم يوجد ها هنا الرضا، فلا يجوز (٧).
(١) المصدر السابق
للشافعية. (٢) في الأصل: (أبقه). (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١٨؛ القدوري، ص ٦٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٣٩؛ البدائع ٩/ ٤٤٢٥؛ الهداية ٨/ ٤٠٣، مع شرح البناية. (٤) انظر: الأم ٣/ ٢٥١؛ المهذب ١/ ٣٧٥؛ الوجيز ٩/ ٢٠١. (٥) زيدت ما بين القوسين لتستقيم العبارة. (٦) انظر الدليل بالتفصيل: البدائع ٩/ ٤٤٢٥؛ شرح البناية على الهداية ٨/ ٤٠٠ وما بعدها. (٧) «لأنه لا يصح تملكه بالبيع، فلا يملك بالتضمين كالتالف». انظر الدليل: المهذب ١/ ٣٧٥؛ الوجيز ١/ ٢٠٩.
مسألة:
٢٢٨ – إراقة المسلم خمر الذمي المسلم إذا أراق خمر ذمي، عندنا: يضمن قيمته (١)، وعند الشافعي: لا يضمن (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن الخمر في حق الذمي كالخل في حق المسلم، فلو أراق المسلم خل المسلم وجب عليه الضمان، فكذلك إذا أراق خمر الذمي؛ لأن خطاب حرمة الخمر خاص في حق المسلم، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ (٣) علمنا بهذا أن الخطاب خاص في حق المسلم، بقي الخمر حلالًا في حق الكافر (٤). احتج الشافعي، وقال: بأن الخمر ليس بمال، فلا يضمن متلفه، كما لو أتلفه في حق المسلم (٥)، وهذا وإن
اختلفنا أن خطاب العبادات هل تثبت في حق الكافر، ولا خلاف أن المحرمات يخاطب بها في حق المسلم والكافر (٦).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١٩؛ القدوري، ص ٦٢؛ المبسوط ١١/ ٥٣؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٣٧؛ البدائع ٩/ ٤٤١٣؛ الهداية ٨/ ٤٢٢، مع البناية. (٢) انظر: مختصر المزني، ص ١١٩؛ المهذب ١/ ٣٨١؛ الوجيز ٨/ ٢٠١؛ المنهاج، ص ٧١. (٣) سورة المائدة: آية ٩٠. (٤) انظر الأدلة بالتفصيل: البدائع ٩/ ٤٤١٣؛ وشرح البناية على الهداية ٨/ ٤٢٣، ٤٢٤. (٥) راجع: مختصر المزني، ص ١١٩. (٦) اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بالإيمان، وبالمشروع من العقويات والمعاملات، وكذا الخطاب بالشرائع يتناولهم في حكم المؤاخذة في الآخرة. وإنما وقع الخلاف: هل الخطاب بفروع الشرائع يتناولهم في وجوب الأداء في أحكام الدنيا أم لا؟ ذهب الجمهور أنه يتناولهم، وهو ظاهر مذهب الشافعي كما ذكر إمام الحرمين في البرهان، ووافقهم على ذلك العراقيون من مشائخ الأحناف، ومشائخ سمرقند على الاعتقاد فقط. والمشهور عن أكثر الحنفية: أنهم ليسوا بمخاطبين، وهو قول للشافعي واختاره أبو حامد =
مسألة:
٢٢٩ – ملكية المغصوب إذا دخل في بناء الغاصب إذا غصب ساجة (١) وأدخلها في بنائه،
فإن عندنا: ينقطع حق المالك عنه ويأخذ القيمة (٢)، وعند الشافعي: له أن يقلع البناء ويأخذ ساجته (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن المغصوب منه [لو] (٤) أثبتنا له حق نقص البناء يفوت حق الغاصب في البناء لا إلى بدل، فلو قلنا: بأنه ينقطع حق المغصوب منه في الساجة يفوت حقه بالبدل وهو: القيمة، فكان مراعاة حق الغاصب الذي يفوته من الملك لا إلى بدل، أولى من مراعاة حق المغصوب منه إلى بدل (٥)، ألا ترى أنه لو غصب أبريسما وخاط به بطن عبده أو بطن دابته، فإنه ينقطع
= الاسفرائيني من الشافعية، وفصّل بعض من العلماء بين المأمورات والمنهيات، وقالوا: هم مخاطبون بالمنهيات كالزنا والقتل دون المأمورات كالصلاة والصوم. ونقل هذا التفصل الفتوحي «رواية عن الإمام أحمد». وقال ابن قدامة في الروضة: «وهذا قول أكثر أصحاب الرأي». وقال الدكتور حسن هيتو في تعليقه على التبصرة: «وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي». ومن ثم يظهر: أن نقل المؤلف: بعدم الخلاف في خطاب المحرمات بين المسلم والكافر، غير سليم. إلا إذا أراد المحرمات المنصوصة والمتفق على تحريمها للجميع. انظر: التبصرة، ص ٨٠، ٨١؛ الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص ١٠٧؛ روضة الناظر، ص ٢٧؛ شرح الكوكب المنير ٤/ ٥٠١؛ نهاية السول ١/ ١٩٥؛ وراجع المسألة (٧٠)، ص ١٦٧،
١٦٨. (١) الساجة: خشبة صلبة قوية تجلب من بلاد الهند، وقيل: خشبة منحوته مهيأة للأساس. انظر: البناية ٨/ ٣٧٨. (٢) انظر: القدوري، ص ٦٢؛ المبسوط ١/ ٩٣١؛ البدائع ٩/ ٤٤١٧؛ الهداية ٨/ ٣٧٩، مع شرح البناية. (٣) انظر: الأم ٣/ ٢٥٥؛ المهذب ١/ ٣٧٩، ٣٨٠؛ الوجيز ٣/ ٢١١. (٤) في الأصل: (لما). (٥) انظر الدليل بالتفصيل: المبسوط ١١/ ٩٣، ٩٤؛ البدائع ٩/ ٤٤١٧؛ الهداية مع شرح البناية ٨/ ٣٧٩.
حق المالك بلا خلاف (١)، لحرمة النفس، وحرمة المال كحرمة النفس، وجب أن يراعى. احتج الشافعي، في المسألة بدليل: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من وجد عين ماله فهو أحق به» (٢)، وهذا واجد لعين ماله، فيكون أحق به، كما لو غصب ساجة وبنى عليها، فإنه يثبت له أن يقلع البناء ويأخذ ساجته، فكذلك ها هنا (٣). مسألة:
٢٣٠ – الضمان بالنسب إذا كان في القفص طير مملوك لإِنسان، أو دابة في الاصطبل، ففتح باب القفص أو باب الاصطبل، فطار الطير أو خرجت الدابة، فإن عندنا: لا ضمان عليه (٤). وعند الشافعي: إن وقف ساعة ثم طار لا ضمان عليه، وإن طار عقيب الفتح أو خرجت الدابة عقيب فتح الباب
فإنه يضمن (٥). دليلنا في المسألة وهو: أن فعل الحيوان فعل غير معتبر؛ لأن الإِنسان إنما يضمن بالجناية وبالغصب إذا باشر يده، وها هنا ليس [لـ]ـفتح الباب فعل في الطير؛ لأنه طار بنفسه، فلا يكون مضمونًا عليه، كما لو أمسك بالراعي، فتلقت الأغنام، فلا ضمان عليه، فكذلك ها هنا (٦).
(١) راجع: مصادر المذهبين في هامش (٢، ٣)، ص ٣٤٩ من هذه المسألة. (٢) الحديث أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «من أدرك ماله بعينه عند رجل أو إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره». وللحديث طرق وألفاظ مختلفة: البخاري، في الاستقراض، باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به (٢٤٠٢)، ٥/ ٦٢؛ مسلم، في المساقاة، باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع (١٥٥٩)، ٣/ ١١٩٣؛ التلخيص الحبير ٣/ ٣٨، ٣٩. (٣) انظر: المهذب ١/ ٣٧٩. (٤) انظر: البدائع ٩/ ٤٤٥٩. (٥) انظر: مختصر المزني، ص ١١٨؛ المهذب ١/ ٣٨١؛ الوجيز ٦/ ٢٠١؛ المنهاج، ص ٧٠. (٦) انظر الدليل: البدائع ٩/ ٤٤٥٧.
احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «العجماء جبار» (١) أي
فعله، فإذا جعلنا فعله هدرًا، صار الفاتح متلفًا لهذا المال، فوجب أن يكون مضمونًا عليه، كما لو أخرجه (٢). مسألة: ٢٣١ – ضمان منافع الغصب منافع الغصب، عندنا: لا تكون مضمونة عليه (٣)، وعند الشافعي: تكون مضمونة عليه (٤). وصورته: إذا غصب دابة أو عبدًا، فاستخدمه أو آجره حتى استوفى منافعه، فإن عندنا: هذه المنافع لا تكون مضمونة على الغاصب، والعين مضمونة بما فيه بلا خلاف. دليلنا في المسألة وهو: أن الدراهم والدنانير جوهر يبقى زمانين، والمنافع عرض لا يبقى زمانين، وما يبقى زمانين [خير] (٥)
(١) الحديث أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري في الزكاة، باب في الركاز الخمس (١٤٩٩)، ٣/ ٣٦٤؛ مسلم، في الحدود، باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار (١٧١٠)، ٣/ ١٣٣٤. والعجماء: هي كل الحيوان سوى الآدمي «وسميت البهيمة عجماء؛ لأنها لا تتكلم»، والجبار: أي الهدر. والمراد هنا بإتلاف العجماء، إذا أتلفت شيئًا بالنهار، ولم يكن معها أحد. انظر: سنن أبي داود ٤/ ١٩٦؛ فتح الباري ٣/ ٣٦٥. (٢) راجع: المهذب ١/ ٣٨١، ٣٨٢. (٣) «لا يضمن الغاصب منافع ما غصبه، إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان» ولكنه يأثم ويؤدب على فعله، «وهذا فيما عدا ثلاثة مواضع، فيجب فيها أجر المثل على اختيار المتأخرين وعليه
الفتوى، وهي: أن يكون وقفًا، أو ليتيم، أو معدًا للاستغلال». انظر: القدوري، ص ٦٢؛ المبسوط ١١/ ٧٨؛ البدائع ٩/ ٤٤٠٩؛ الدر المختار ٦/ ١٨٦، مع حاشية ابن عابدين؛ اللباب في شرح الكتاب ٢/ ١٩٥. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ١١٧؛ المهذب ١/ ٣٧٤؛ الوجيز ١/ ٢١٤؛ المنهاج، ص ٧١. (٥) في الأصل: (غير).
من الذي لا يبقى زمانين، ولو أوجبنا الدراهم والدنانير التي تبقى زما [نين] (١) بمقابلة المنافع التي لا تبقى زمانين، لا يكون هذا إنصافًا (٢)؛ لأن الشرع قد أمر بالمماثلة في باب العبد، وهو قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (٣). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن الغاصب في إمساك العبد فوّت على المالك منافعه، لولا إمساك الغاصب هذا العبد لحصل للمالك منافعه، فالغاصب هو الذي فوّت هذه المنافع، فوجب أن يضمن كما لو قطع جزءًا منه (٤). مسألة:
٢٣٢ – حكم ولد المغصوبة ولد المغصوبة، أمانة عندنا (٥)، وعند الشافعي: مضمونة (٦).
(١) في الأصل: (زماننا). (٢) واستدل السرخسي بقضاء عمرو علي رضي الله عنهما بأنهما لم يوجبا على المغرور – في الجارية – بقيمة الخدمة مع علمهما أن المغرور كان يستخدمها. انظر الدليل: المبسوط
١١/ ٧٩؛ البدائع ٩/ ٤٤٠٩. (٣) سورة الشورى: آية ٤٠. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ١١٧. سبب الخلاف في المسألة هو: أن المنافع عند الشافعية: مال متقوّم، «لأنه تعرف مالية الشيء بالتموّل، والناس يعتادون تمول المنفعة بالتجارة». والأحناف: اعتبروا المنفعة أعراض؛ لأن صفة المالية إنما تثبت بالتمول، والتمول: صيانة الشيء وادخاره لوقت الحاجة، والمنافع لا تبقى وقتين؛ لأنها اعراض تخرج من حيز العدم إلى حيز الوجود وتتلاشى، فلا تتصور فيها التمول. انظر: المبسوط ١١/ ٧٨، ٧٩؛ البدائع ٩/ ٤٤٠٩؛ تخريج الفروع على الأصول، ص ٢٢٥، ٢٢٦. (٥) انظر: القدوري، ص ٦٢؛ المبسوط ١١/ ٧١، ٧٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٢٧ البدائع ٩/ ٤٤٠٤؛ الهداية ٣/ ١٩. (٦) انظر: المهذب ١/ ٣٧٧؛ الروضة ٥/ ٧، ٢٧.
وصورته إذا غصب جارية، فولدت في يد الغاصب، ثم هلك الولد والأم جميعًا. عندنا: يلزمه ضمان الأم دون الولد، وعند الشافعي: يضمن الأم والولد جميعًا. دليلنا في المسألة؛ لأن الولد في يده بغير صنعه، وتلف في يده من غير صنعه، فلا يكون مضمونًا عليه، كما لو جلس على قارعة الطريق فهبت الريح بثوب إنسان وألقاه في حجره، ثم هلك في يده، فإنه لا ضمان عليه لهذا المعنى الذي ذكرناه، وإنما قلنا:
حصل في يده بغير صنعه فتلف بغير صنعه؛ لأن الولادة لا تكون من صنعه وإنما هي من صنع الله تعالى لقوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم﴾ (١). وإنما قلنا: إنه تلف بغير صنعه؛ لأن الموت حصل بصنع الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (٢)، فصح ما قلناه: إنه تلف في يده بغير صنعه، فلا يكون مضمونًا عليه (٣). احتج الشافعي في المسألة وقال: إمساك الأمهات لتحصيل الأولاد، لولا إمساك الأم وإلا حصل الولد في يد المالك، فكان إمساك الأم جناية بالغصب في حق الولد، فيكون مضمونًا عليه (٤) كما لو حفر بئرًا على قارعة الطريق، فجاء إنسان فوقع فيه ومات، فإن الضمان على الحافر وإن لم يكن له صنع في الوقوع في البئر (٥).
(١) سورة النحل: آية ٧٨. (٢) سورة الزمر: آية ٤٢. (٣) انظر نحوه في: الهداية ٨/ ٤٠٧ مع شرح البناية. (٤) ذكر النووي رحمه الله تعالى في تعليل ثبوت الضمان – بإثبات اليد العادية بالتسبب: «لأن إثبات اليد على الأصول سبب لإثباتها على الفروع، فيكون ولد الغصوب وزوائده مغصوبة». الروضة ٥/ ٧. (٥) انظر: المهذب ٢/ ١٩٤.
مسألة:
٢٣٣ – جبر نقصان
الولادة
نقصان الولادة يجبر بوفاء الولد عندنا، إن كان في الولد وفاء بنقصان الولادة (١)، وعند الشافعي: لا يجبر (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن سبب الزيادة والنقصان واحد، وهو: الولادة؛ لأنه بالولادة انتقص، وبالولد زاد، فيجبر هذه الزيادة بهذا النقصان، كما لو قلع سنّ إنسان ثم نبت مكانه آخر، فإنه ينجبر ولا ضمان على القالع، لهذا المعنى؛ لأن سبب الزيادة والنقصان واحد (٣). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الولد ملك للمغصوب منه، وهذا النقصان حصل في يد الغاصب، فلو قلنا: إنه ينجبر بالولد، يكون هذا جبر ملكه بملكه وهذا لا يجوز (٤). مسألة:
٢٣٤ – تضمين غاصب الدور والعقار غاصب الدور والعقار، لا يضمن عند أبي حنيفة (٥)، وعند الشافعي: يضمن (٦).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١١٨؛ القدوري، ص ٦٢؛ المبسوط ١١/ ٥٨؛ البدائع ٩/ ٤٤٣٧. (٢) قال النووي في الروضة: «ويرجح بأرش نقصان الولادة على المذهب، وبه قطع العراقيون». انظر: المهذب ١/ ٣٧٧، ٣٨٠؛ الروضة ٥/ ٦٤. (٣) انظر الدليل: المبسوط ١١/ ٥٨؛ البدائع ٤٤٣٧. (٤) انظر: المهذب ١/ ٣٧٧. (٥) لا يضمن غاصب العقار والدور عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد رحمهم الله، «والفتوى في غصب العقار والدور الموقوفة [على قول محمد] بالضمان». انظر: القدوري، ص ٦١؛ المبسوط
١١/ ٧٦؛ البدائع ٩/ ٤٤١٠؛ الهداية ٤/ ١٣؛ الدر المختار ٦/ ١٨٦، مع حاشية ابن عابدين. (٦) انظر: الأم ٣/ ٢٤٩؛ المهذب ١/ ٣٧٨؛ الوجيز ١/ ٢٠٦؛ المنهاج، ص ٧٠.
دليلنا في المسألة وهو: أن ضمان الغصب ضمان الفعل، ولم يوجد ها هنا النقل والتحويل؛ لأن الدور والعقار لا يتصور تحوله؛ لأن أكثر ما في الباب أن يدخل هذا الغاصب [و] أن يزرع في الأرض، ويدخل المالك أيضًا في جانب ويزرع، فلو منعه يكون هذا فعلًا للمالك لا في المملوك، وضمان الغصب ضمان الفعل الذي يؤثر في المغصوب، ولم يوجد [هاهنا] هذا المعنى (١). احتج الشافعي: بما روى عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من غصب شبرًا من أرض طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة» (٢). فالنبي – ﷺ – أثبت الغصب في العقار، وقد وجد ها هنا الغصب؛ لأن الغصب عند [هـ]: إثبات اليد على مال الغير على سبيل العدوان، وقد وجد ها هنا هذا المعنى (٣). مسألة:
٢٣٥ – ملكية المغصوب بعد زوال صفته إذا غصب حنطة وطحنها، وغصب سويقًا فلته بالسمن، فإن عندنا: تنقطع يد المالك عن الحنطة وعن السويق (٤)، وعند
(١) انظر
الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١١/ ٧٦؛ والبدائع ٩/ ٤٤١٠، ٤٤١١؛ الهداية ٤/ ١٣. (٢) الحديث أخرجه الشيخان من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه أنه سمع النبي – ﷺ – يقول: «من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه، طوّقه في سبع أرضين يوم القيامة». واللفظ لمسلم، وفي رواية: «من اقتطع». وأما بلفظ المؤلف: (من غصب)، «لم يروه أحد منهم»، كما ذكره ابن حجر في التلخيص: البخاري، في المظالم، باب أتم من ظلم شيئًا من الأرض (٢٤٥٢)، ٥/ ١٠٣؛ مسلم، في المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها (١٦١٠)، ٣/ ١٢٣٠؛ التلخيص الحبير ٣/ ٥٣، ٥٤. (٣) وسبب الخلاف في الحكم راجع إلى اختلافهم في تعريف الغصب. راجع: تعريف الغصب في المسألة (٢٢٦)، ص ٣٤٦. (٤) إذا غيّر الغاصب بفعله العين المغصوية، حتى زال اسمها وأعظم منافعها«فإنه تزول ملكية المالك عنها، وعلى الغاصب:»ضمان المثل أو القيمة، وإن شاء المالك وضَمِن للغاصب الزيادة =
الشافعي: لا تنقطع (١). دليلنا في المسألة وهو: أنه لما طحنه فقد جعله شيئًا آخر، وهو كونه دقيقًا، ومالية الدقيق حدثت بصنعه، فلو قلنا: بأنه يأخذ بلا شيء يفوت حق الغاصب، وحق الغاصب فيما وراء الغصب محترم، وحق المالك يفوت ببدل (٢). احتج
الشافعي، في المسألة بدليل: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من وجد عين ماله فهو أحق به» (٣)، والمالك وجد عين ماله، فيكون أحق به.
= – إن زادت قيمة المغصوب بفعله – واسترد العين المغصوية منه، فله ذلك، كالسويق إذا لته بالسمن. انظر: القدوري، ص ٦١، ٦٢؛ المبسوط ١١/ ٨٥؛ البدائع ٩/ ٤٤١٦. (١) وعند الشافعية لا ينقطع حق المالك عن العين المغصوبة بحال: مع تفصيل في الزيادة والنقصان، وخوف الضرر بنزع العين المغصوبة إن حصل. انظر: الأم ٣/ ٢٥٤؛ المهذب ١/ ٣٧٦؛ الوجيز ١/ ٢١٣؛ المنهاج، ص ٧٢؛ نهاية المحتاج ٥/ ١٨٤. (٢) انظر الدليل: البدائع ٩/ ٤٤١٧. (٣) الحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، وسبق تخريجه في المسألة (٢٢٩)، ص ٣٥٠.
كتاب الوديعة (١) [مسألة]:
٢٣٦ – ضمان المودع المخالف في الوديعة المودع إذا خالف في الوديعة ثم عاد إِلى الوفاق يبرأ من الضمان عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يبرأ (٣). وصورته: إذا أودع عند إِنسان دابة أو ثوبًا، فركب الدابة أو لبس الثوب، ثم نزل عن الدابة أو نزع الثوب وحفظه كما كان يحفظه قبل اللبس،
ثم هلك الثوب في يده، لا ضمان عليه عندنا، وعند الشافعي يضمن. دليلنا في المسألة وهو: أن هذا خلاف من طريق الفعل؛ لأن الخلاف من طريق الفعل لا يوجب رفع الأمر؛ لأن الأمر بالحفظ باق، فيعتبر هذا بأوامر الشرع، كمن ترك الصوم أو الصلاة
(١) الوديعة لغة: الترك، مأخوذة من ودع الشيء يدع، إذا سكن واستقر، وجمعها: ودائع، وهي من الأضداد، يقال: أودعته: دفعت إليه وديعة، وأودعته: قبلت وديعته، وهذا غير معروف. انظر: تصحيح التنبيه، ص ٧٧؛ المغرب (وديعة)، مختار الصحاح؛ المصباح، مادة: (ودع). «وفي الشرع، تطلق: على الإيداع، وعلى العين المودعة، وعلى العقد، وهو الأصح». وعرفها المرغيناني من الأحناف بأنها: تسليط الغير على حفظ ماله. وعرفها النووي من الشافعية بأنها: «المال الموضوع عند أجنبي ليحفظه». وقال الشربيني بأن حقيقتها شرعًا: «توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص». انظر: الهداية ٧/ ٧٣١، مع البناية؛ الروضة ٦/ ٣٢٤؛ مغني المحتاج ٣/ ٧٩. (٢) انظر: القدوري، ص ٦٢، ٦٣؛ المبسوط ١١/ ١١٤؛ الهداية ٧/ ٧٤٣، مع البناية. (٣) انظر: المهذب ١/ ٣٦٨، ٣٦٩؛ الروضة ٦/ ٣٣٤.
لا يكفر؛ لأنه خلاف من طريق الفعل، ولو جحد الإيمان يكفر؛ لأنه خلاف
من طريق القول، فكذلك ها هنا، المودعَ إذا طلب الوديعة فأنكر المودع، فهلك في يده، فإنه يضمن؛ لأنه خلاف من طريق القول، والخلاف من طريق القول يوجب رفع الأمر (١). احتج الشافعي في المسألة: أنه لمّا خالف. فقد ظهر خيانته، ودخل في ضمان الوديعة؛ لأن الخيانة تضاد الأمانة، كما لو جحد الوديعة، ولو جحد الوديعة يضمن، كذلك ها هنا (٢). مسألة: ٢٣٧ – الإيداع عند صبي محجور عليه إذا أودع عند صبيّ محجور عليه مالًا، فأتلفه، عندنا (٣): لا يضمن، وعند الشافعي: يضمن (٤). دليلنا في المسألة؛ لأنه لما أودعه عند الصبي، فقد سلطه على الإتلاف؛ لأن من عادة الصبيان إذا أودع عندهم طعام يأكلونه، ولو كان دابة يركبونها، فإذا أودعه مع علمه بحاله فكان راضيًا بالإتلاف، فوجب أن لا يضمن، كما لو أمره بالإتلاف (٥). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن المودع لما أودعه فقد أمره بالحفظ وما أمره بالإتلاف، فإذا أتلفه وجب أن يضمن؛ لأن هذا ضمان فعل؛ لأن الصبي إن لم يؤخذ بضمان الأقوال يؤخذ بضمان الأفعال، ألا ترى أنه لو أتلفه ابتداء يضمن كذلك ها هنا (٦).
(١) انظر: المبسوط ١١/ ١٤٤، ١١٥؛ البناية في شرح الهداية ٧/ ٧٤٣، ٧٤٤. (٢) انظر: المهذب ١/ ٣٦٩. (٣) انظر: المبسوط ١١/ ١١٨؛ البدائع
٨/ ٣٨٨١. (٤) يضمن على أظهر قولي الشافعي. انظر: المهذب ١/ ٣٦٦؛ الروضة ٦/ ٣٢٦. (٥) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١١/ ١١٩؛ البدائع ٨/ ٣٨٨١. (٦) انظر المصادر السابقة للشافعية.
كتاب السير (١) [مسألة]:
٢٣٨ – إسلام الصبي العاقل إسلام الصبي العاقل يصح عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يصح (٣). دليلنا في المسألة: الإسلام إنما يكون إقرارًا باللسان واعتقادًا بالقلب، وقد وجد ها هنا؛ لأن الكلام [من] (٤) الصبي العاقل [مقبول] (٥) يقول هذه سماء وهذه أرض، يناظر ويتكلم، فإذا أسلم
(١) السير، بكسر السين وفتح الياء، جمع سيرة، والسيرة لغة: تستعمل في معنيين: أحدهما: الطريقة، يقال: «سار في الناس سيرة حسنة أو قبيحة، والثاني: الهيئة، قال الله عز وجل: ﴿سنعيدها سيرتها الأولى﴾ (طه ٢١). أي: هيئتها وغلب اسم السير في ألسنة الفقهاء: بسير النبي – ﷺ – في مغازيه». وسميت المغازي سيرًا؛ لأن أول أمرها السير إلى العدل؛ لأن المراد بها سير الإمام إلى العدو وتسمى أيضًا: بكتاب الجهاد، والمغازي، والجهاد: «مصدر جاهد، يقال: جاهد في سبيل الله جهادًا». المصباح، (سير، جهد)، البدائع ٩/ ٤٢٩٩؛ البناية ٥/ ٦٤٢. وعرفه السمرقندي شرعًا بأنه: «هو الدعاء إلى الدين
الحق، والقتال مع من امتنع عن القبول بالمال والنفس، قال الله عز وجل: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. تحفة الفقهاء ٣/ ٤٩٩. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٦٠؛ البدائع ٩/ ٤٣١٥. (٣) قال الشيرازي: إن وصف الإسلام صبي عاقل من أولاد الكفار لم يصح إسلامه على ظاهر المذهب، ويحال بينه وبين أهله من الكفار إلى أن يبلغ، فإن بلغ ووصف الإسلام حكم بإسلامه» انظر: الأم ٤/ ٢٩٠؛ المهذب ٢/ ٢٤٠. (٤) في الأصل: (في). (٥) زيدت لاستقامة العبارة.
وجب أن يقبل منه، فلو قلنا: إنه لا يصح، يكون هذا حجرًا عن الإِسلام، والحجر عن الإسلام لا يجوز؛ لأن الإسلام مشروع من الأزل إلى الأبد، فوجب أن يصح، نظرًا للصبي، لما فيه من اكتساب السعادة الأبدية، بخلاف سائر الإِقرارات؛ لأن سائر الإقرارات إنما لا تصح؛ لأنه متردد بين النفع والضرر، والإسلام فيه منفعة محضة، فوجب أن يصح (١). احتج الشافعي، في المسألة وقال؛ لأن الإسلام إنما هو الإقرار، والصبي ليس من أهل الإقرار، ألا ترى أنه لا يصح منه سائر الإقرارات لنقصان حاله؛ لأنه غير مخاطب، والإسلام لو وقع إنما وقع فرضًا، والصبي غير مخاطب بأداء الفرائض (٢). مسألة:
٢٣٩
– تمليك الكفار أموال المسلمين بالإجزاء بدار الحرب
الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب ملكوها عندنا (٣) وعند الشافعي: لا يملكون (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الاستيلاء سبب لملك المسلم مال الكافر، فوجب أن يملك الكافر مال المسلم كما في سائر أسباب الملك: كالبيع والهبة، وهذا؛ لأن الكافر مع المسلم يستويان في نعيم الدنيا، وإنما يختلفان في حق الآخرة ألا ترى أن الكافر من
(١) انظر: البدائع ٩/ ٤٣١٥. (٢) واستدل الشافعية على عدم صحة إسلام الصبي قبل البلوغ بحديث رفع القلم قوله – ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن الناثم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق». وقد سبق تخريج الحديث في مسألة (٤٦)، ص ١٤٠؛ المهذب ٢/ ٢٤٠. (٣) انظر: القدوري، ص ١١٤؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٢٣؛ البدائع ٩/ ٤٣٥٦؛ الهداية ٥/ ٧٥٣، مع البناية. (٤) وعند الشافعية لا يملكونها مطلقًا. انظر: مختصر المزني، ص ٧٣؛ المهذب ٢/ ٢٤٣؛ الروضة ١٠/ ٢٩٣، ٢٩٤.
أهل ملك النكاح وملك اليمين (١)، بل حظ الكافر أكثر في الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ
عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). احتج الشافعي، في المسألة وقال: إن مال المسلم معصوم بعصمة الإسلام، فوجب أن لا يملكه الكافر، كرقبة السلم (٣). مسألة: ٢٤٠ – عقوبة المرتدة المرتدة عندنا: لا تقتل (٤)، وعند الشافعي: تقتل (٥). دليلنا في المسألة وهو: أن ما روي عن رسول الله – ﷺ – أنه لما دخل مكة يوم الفتح فرأى امرأة مقتولة، فقال: «ما كانت هذه
(١) واستدل الأحناف بقوله سبحانه وتعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ (الحشر ٨)، فإنه تعالى: سماهم فقراء، والفقير من لا يملك شيئًا، فلو لم يملك الكفار أموالهم لما سمّوا فقراء، وأدلة أخرى. انظر: الهداية مع شروحها: فتح القدير مع العناية ٦/ ٤، ٥؛ البناية ٥/ ٧٥٥، ٧٥٦. (٢) سورة الزخرف: آية ٣٣، ٣٤، ٣٥. (٣) واستدل الشافعية لمذهبهم بما أخرجه مسلم عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: أغار المشركون على سرح رسول الله – ﷺ -، فذهبوا به وذهبوا بالعضباء وأسروا امرأة من المسلمين، فركبتها وجعلت لله عليها إن نجاها الله تعالى لتنحرنها، فقدمت المدينة وأخبرت بذلك رسول الله – ﷺ – فقال:»بئس ما جزيتها، لا وفاء لنذر في معصية الله عز وجل،
ولا فيما لا يملكه ابن آدم«. مسلم، في النذر، باب لا وفاء لنذر في معصية الله (١٦٤١)، ٣/ ١٢٦٣. ووجه استدلالهم بهذا: بأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين: فلو كانوا يملكونها لملكت المرأة العضباء بالأخذ منهم. انظر: مختصر المزني، ص ٢٧٣؛ المهذب ٢/ ٢٤٣؛ السنن الكبرى ٩/ ١٠٩. (٤)»المرأة المرتدة لا تقتل عند الأحناف«ولكن تحبس أبدًا حتى تسلم أو تموت. »ويروى عن أبي حنيفة: أنها تضرب في كل الأيام مبالغة في الحمل على الإسلام”. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٥٩؛ القدوري، ص ١١٧؛ الهداية ٦/ ٧١، مع فتح القدير. (٥) انظر: المهذب ٢/ ٢٢٣؛ المنهاج، ص ١٣٢.
تقاتل، أدرك خالدًا فقل له: لا تقتل ذريّة ولا عسيفًا» (١)، أو نقول: وهو أن المرأة لا تقتل بسبب الكفر الأصلي، فكذلك بسبب الكفر العارضي، وكان المعنى فيه: أن علة القتل، المحاربة لا الكفر؛ لأن الكفر جناية في حق الله تعالى، فكان جزاؤه مؤخرًا إلى دار الجزاء؛ لأن الدنيا ليست بدار الجزاء وإنما هي دار الابتلاء، فلهذا قلنا: لا تقتل (٢). احتج الشافعي، في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (٣) والخبر عام: يثبت في حق الرجل والمرأة جميعًا (٤). [مسألة]:
٢٤١ – سهم ذوي القربى سهم ذوي القربى، ساقط [عندنا] (٥)، وعند الشافعي: ثابت (٦).
(١) الحديث أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم، وأبو داود، والنسائي والبيهقي من حديث رياح بن الربيع بلفظه. وروى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله – ﷺ -: «فنهى رسول الله – ﷺ – عن قتل النساء والصبيان». البخاري، في الجهاد، باب قتل النساء والصبيان (٣٠١٤، ٣٠١٥)، ٦/ ١٤٨؛ التلخيص الحبير ٤/ ١٠٢. انظر: الأحاديث والآثار الصريحة في النهي عن قتل المرتدات: نصب الراية ٣/ ٤٥٦ – ٤٥٨. (٢) راجع الأدلة بالتفصيل: البدائع ٩/ ٤٣٠٨؛ الهداية وشروحها: فح القدير ٦/ ٧٢؛ البناية ٥/ ٨٥٦، ٨٥٧. (٣) حديث قتل المرتد رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري، كتاب استتابة المرتدين، والمعاندين وقتالهم، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم (٦٩٢٢)، ١٢/ ٢٦٧. (٤) انظر الأدلة بالتفصيل: المهذب ٢/ ٢٢٣. (٥) انظر: القدوري، ص ١١٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٢٠؛ الهداية ٥/ ٥٠٣، مع فتح القدير. (٦) انظر: الأم ٤/ ١٣٩؛ المهذب ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨؛ الوجيز ١/ ٢٩٠؛ الروضة ٦/ ٣٥٥؛ المنهاج، ص ٩٣.
يقسم
خمس الغنية في زماننا على ثلاثة أسهم عند أبي حنيفة: سهم للفقراء، وسهم للمساكين، وسهم لليتامى، وأما سهم رسول الله – ﷺ -، وسهم ذوي القربى فساقط. وعند الشافعي: يقسم خمس الغنيمة على خمسة أسهم: سهم رسول الله – ﷺ – يصرف ذلك: إلى أولاد عليّ رضي الله عنه، وسهم ذوي القربى يصرف: إلى الخلفاء (١)، وسهم لليتامى، وسهم للفقراء، وسهم للمساكين. دليل أبي حنيفة وهو: أن النبي – ﷺ – إنما يستحق سهمه، بكونه مؤديًا للإمامة، ولدعوة الناس إلى الحق، وهذا المعنى قد فات بفواته، وسهم ذوي القربى إنما يستحقون: بنصرة رسول الله – ﷺ – وهؤلاء كانوا معه في الحضر والسفر والنصرة، وقد فات بفواته، فوجب أن ينقطع هذا الحق (٢). احتج الشافعي، [في المسألة] وهو: أن هذا حق ثابت بالشرع (٣)، فإذا مات وجب أن يورث نصيبه، كما في سائر الحقوق.
(١) ذكر النووي رحمه الله في الروضة: حكاية عن الوسيط وجهًا: بأن سهم ذوي القربى يصرف إلى الخلفاء، ونقل قولًا آخر بأن هذا السهم يرد على أهل السهمان، الذين ذكرهم الله تعالى. ثم ردهما وقال: «هذان العقلان شاذان مردودان». ورجح صرفه بعده – ﷺ -، في مصالح المسلمين. انظر: الروضة ٦/ ٣٥٥. (٢) واستدل الأحناف لمذهبهم: بإجماع الخلفاء الراشدين على تقسيم
الخمس إلى ثلاثة أسهم – بإسقاط سهم رسول الله – ﷺ – وسهم ذوي القربى – «ثم أنه لم ينكر عليهم ذلك أحد، مع علم جميع الصحابة بذلك وتوافرهم، فكان إجماعًا». انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٦٢ وما بعدها؛ الهداية، مع فتح القدير ٥/ ٥٠٣. (٣) وفي الأصل: (ثابته الشرع). يقصد به قول الله سبحانه وتعالى في قسم الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]. انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ١٥٨، ١٥٩.
مسألة:
٢٤٢ – سهم الفارس إذا مات فرسه الغازي إذا جاوز الدرب فارسًا، ثم نفق فرسه، فإنه يستحق: سهم الفرسان (١) عندنا، وعند الشافعي: يستحق سهم الرجّالة (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن [لـ]ـلكفار جواسيس؛ لأن المسلمين لو دخلوا دار الحرب يخبرون أنهم جاوزوا الدرب كذا فارسًا، فيدخل في قلوبهم الرعب فيحصل القهر، فإذا حصل القهر حصل المقصود؛ لأن النصرة قد تقع بالرعب، ليس الاعتبار بالمقاتلة فارسًا، ألا ترى أنه لو كان في مقصبة أو مشجرة، فنزل عن الدابة وقاتل راجلًا، فإنه يستحق سهم الفارس، عرفنا أن الاعتبار ليس بالمقاتلة فارسًا، وإنما الاعتبار بالدخول إلى دار الحرب، وهذا
الرجل دخل دار الحرب فارسًا، فوجب أن يستحق سهم الفارس (٣). احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «الغنيمة لمن شهد الوقعة»، وهذا الرجل شهد الوقعة راجلًا، فوجب أن يستحق سهم الرجالة (٤).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٨٥؛ القدوري، ص ١١٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥١٧؛ الهداية ٥/ ٤٩٨، مع فتح القدير. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٢٤٦؛ الروضة ٦/ ٣٧٨. (٣) انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٥١٧؛ الهداية مع فتح القدير والعناية ٥/ ٤٩٩. (٤) الحديث: رواه الشافعي في المختصر، والبيهقي في السنن، وابن أبي شيبة في مصنفه موقوفًا على عمر رضي الله عنه. وقال البيهقي – بعد ذكر المناسبة وكتاب عمر -: «هذا هو الصحيح من عمر رضي الله عنه». انظر: مختصر المزني، ص ١٧٠؛ السنن الكبرى ٩/ ٥٠؛ نصب الراية ٣/ ٤٠٨.
مسألة:
٢٤٣ – أمان العبد [(١) أمان العبد المحجور، لا يصح عندنا (٢)، وعند الشافعي: يصح (٣). دليلنا في المسألة: أن الأمان من القتال، والعبد المحجور عليه لا يملك القتال فكذلك لا يملك الأمان (٤). احتج الشافعي، في المسألة: بما روى أن غلامًا رمى سهمًا إلى حصن فكتب فيه
أمانهم، فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه،
(١) كتابة المسألة في الأصل غير مستقيمة، إذ أنها لا تتفق مع ما في مدونات المذهبين، حيث نسب حكم الشافعي لأبي حنيفة رحمهما الله تعالى وبالعكس ومثل هذا في الاستدلال، مما أوجب تدوين المسألة على وجهها الصحيح من مدونات المذهبين، بالصورة والطريقة التي جرى عليها المؤلف في كافة المسائل. والمسألة كما في الأصل: «أمان العبد المحجور عندنا يصح، وعند الشافعي لا يصح. دليلنا في المسألة ما روي أن غلامًا رمى سهمًا إلى حصن فكتب فيه أمانهم فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه فقال:»هذا أمان واحد من المسلمين فكيف أرده«. فعمر رضي الله عنه جوز أمان العبد، احتج الشافعي في المسألة فقال:»إن الأمان من القتال، والعبد المحجور عليه لا يملك القتال، فكذلك لا يملك الأمان«. (٢) لا يصح أمان العبد المحجور عن القتال عند أبي حنيفة، إلا أن يأذن له سيده، كما قال القدوري:»ولا يجوز أمان العبد عند أبي حنيفة، إلا أن يأذن له في القتال«وقال الموصلي:»ولا يصح أمان عبد محجور عن القتال«. انظر: القدوري، ص ١١٤؛ الهداية ٥/ ٤٦٥، مع شرح فتح القدير؛ الاختيار ٣/ ٧٩؛ الدر المختار ٤/ ١٣٥، مع حاشية ابن عابدين؛ اللباب ٤/ ١٢٦. (٣) يصح أمان العبد عند الشافعي على الإطلاق، من
غير تقييد بقتال أو إذن، كما نص عليه الشافعي في الأم، وقال النووي في الروضة:»يصح الأمان من كل مسلم مكلف مختار، فيصح أمان العبد المسلم، وإن كان سيده كافرًا”. انظر: الأم ٤/ ٢٢٦؛ المهذب ٢/ ٢٣٦؛ الوجيز ٢/ ١٩٤؛ الروضة ١٠/ ٢٧٩؛ المنهاج، ص ١٣٨. (٤) انظر: الهداية ٥/ ٤٦٦، مع شرح فتح القدير والعناية.
فقال: «هذا أمان واحد من المسلمين فكيف أرده» (١)، فعمر رضي الله عنه، جوز أمان العبد]. مسألة:
٢٤٤ – توريث نصيب الغانم قبل القسمة أحد الغانمين إذا مات قبل القسمة، وقبل إحرازه بدار الإسلام، عندنا: نصيبه لا يورث (٢)، وعند الشافعي: يورث (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن الملك لم يثبت ولم يتقرر ما دام هم في دار الحرب؛ لأن الدار دارهم، ربما يكرون ثانيًا ويأخذون المال من أيديهم، فلم يتقرر الملك بعد، وإنما يتقرر الملك في الغنيمة، إما: بإحرازه في دار الإِسلام، أو بقهر جميع الكفرة، ولم يوجد هذا المعنى، ولم يتقرر الملك، فوجب أن لا يورث (٤)، كما لو مات حال قيام الحرب. احتج الشافعي في المسألة وهو: أن هذا الملك إنما يثبت بالقهر، والقهر قد تم، فوجب أن يثبت الملك، فإذا ثبت الملك وجب أن يورث
نصيبه كما بعد القسمة (٥).
(١) الأثر أخرجه البيهقي في السنن عن فضيل الرقاشي عن عمر، وقال ابن حجر: «بسند صحيح». انظر: السنن الكبرى ٩/ ٩٤؛ التلخيص الحبير ٤/ ١٢١؛ المهذب ٢/ ٢٣٦. (٢) انظر: القدوري، ص ١١٥؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥١١، ٥١٢؛ البدائع ٩/ ٤٣٥٣. (٣) قال النووي في الروضة: «في وقت ملك الغانمين للغنيمة ثلاثة أوجه، أصحها: لا يملكون إلا بالقسمة، لكن لهم أن يتملكوا بين الحيازة والقسمة». انظر: المهذب ٢/ ٢٤٥؛ التنبيه، ص ١٤٥؛ الروضة ١٠/ ٢٦٧؛ المنهاج، ص ١٣٨. (٤) انظر: البدائع ٩/ ٤٣٥٣؛ الهداية مع شروحها: فتح القدير مع العناية ٥/ ٤٧٨، ٤٧٩؛ البناية ٥/ ٦٩٦. (٥) انظر: المهذب ٢/ ٢٤٥؛ والمسألة الآتية (٢٤٥) وأدلة الشافعية فيها. منشأ الخلاف في هذه المسألة متفرع من أصل: «أن الملك للغانمين لا يثبت قبل الإحراز بدار الإسلام» عند الأحناف، وعند الشافعي يثبت”. الهداية ٥/ ٤٧٨، مع فتح القدير.
مسألة:
٢٤٥ – تقسيم الغنائم بدار الحرب قسم الغنائم في دار الحرب، مكروه: عند أبي حنيفة (١)، وعند الشافعي: يجوز (٢). دليلنا في المسألة وهو: أنه لو قلنا بأنه يشتغل بالقسمة في دار الحرب، ربما يقع الدبرة على
المسلمين؛ لأن الدار دارهم، فربما يلحقهم المدد، فيستنقذون هذا المال من أيديهم، فوجب أن يحمل إلى دار الإسلام، حتى يتم القهر والملك (٣). احتج الشافعي، في المسألة: «بما روي عن النبي – ﷺ -:»أنه
(١) اختلفت أقوال أئمة الأحناف في هذه المسألة: فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى عدم جواز القسمة بدار الحرب، حتى لا تثبت الأحكام المترتبة على القسمة، وذهب عمد إلى القول بالكراهة، إذا لم يكن للمسلمين حاجة إليها، ولم يكن باجتهاد عن الإمام، وإلا فلا خلاف، وما نسبه المؤلف إلى أبي حنيفة رحمه الله غير صحيح، وإنما هو من قول محمد كما نص عليه المرغيناني في الهداية وشراحها. وإن كان الراجح لدى الأحناف قول محمد، رحمهم الله تعالى. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٨٢؛ القدوري، ص ١١٤؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥١٢؛ البدائع ٩/ ٤٣٥٣؛ فتح القدير مع العناية ٥/ ٤٨١. (٢) بل المستحب قسمتها في دار الحرب إذا لم يكن هناك عذر، كما ذكره الشيرازي. انظر: مختصر المزني، ص ٢٧٠؛ المهذب ٢/ ٢٤٥؛ الوجيز ١/ ٢٩١. (٣) واستدل الأحناف لمذهبهم من النقل بما روي: «أنه – ﷺ – نهى عن بيع الغنيمة في دار الحرب»، ووجه استدلالهم من الحديث: «لأن البيع في معنى القسمة فكما لا يجوز البيع كذلك لا تجوز القسمة»، وقال
الزيلعي في الحديث: «غريب جدًا». انظر: البدائع ٩/ ٤٣٥٤؛ الهداية ٥/ ٤٨١، مع فتح القدير؛ نصب الراية ٣/ ٤٠٨.
قسم غنائم أوطاس بأوطاس، وقسم غنائم بني المصطلق (١) في دارهم» فلو لم يكن جائزًا لما فعله (٢).
(١) بنى المصطلق: «حيّ من خزاعة، كانوا ينزلون ناحية الفرع، – بضم الفاء – كان سيدهم الحارث بن أبي ضرار». انظر: الواقدي، كتاب المغازي ١/ ٤٠٥؛ شيرة ابن كثير ٣/ ٢٧٠؛ أوطاس: وهو واد في ديار هوازن، وفيه كانت وقعة حنين. انظر: المغازي ٣/ ٨٨٦؛ التلخيص الحبير ٣/ ١٠٥. (٢) قسمة الغنائم في حنين ذكره الشافعي في مختصر المزني، وقال ابن حجر: «وأما قسمة غنائم حنين، فغير معروف، والمعروف ما في صحيح البخاري وغيره من حديث أنس أنه قسمها بالجعرانة. وأما قسمة غنائم بني المصطلق، فذكره الشافعي أيضًا في مختصر المزني، واستنبطه البيهقي من حديث أبي سعيد:»غزونا مع رسول الله – ﷺ – غزوة بني المصطلق فسبينا كرائم العرب وطالت علينا الغربة، ورغبنا في الفداء … «وساق الحديث بطوله؛ ثم قال:»وفي هذا دلالة على أنه قسم بينهم غنائمهم قبل الرجوع إلى المدينة، كما قال الأوزاعي والشافعي”. انظر: مختصر المزني، ص ٢٧٠؛ السنن الكبرى
٩/ ٥٤، ٥٦؛ التلخيص الحبير ٣/ ١٠٥، ١٠٦.
كتاب النكاح (١) [مسألة]:
٢٤٦ – النكاح بغير ولي النكاح بغير ولي جائز عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجوز
(١) النكاح لغة: الجمع والضم، ومنه تناكحت الأشجار: إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض، وهو من
باب ضرب. والعرب تستعمله بمعنى الوطء، والعقد جميعًا؛ لأنه مأخوذ من غيره، ولأنهما لا يفهمان إلا بقرينة، أو على الاشتراك فيهما. ولكنهم يفرقون بينهما بقولهم: «نكح فلان فلانة أو بنت فلان» يريدون أنه تزوجها وعقد عليها، وإذا قالوا: «نكح زوجته أو امرأته» لم يريدوا به إلا المجامعة. ومن ثم اختلف الفقهاء في موضوعه الشرعي على ثلاثة أقوال: فذهب أبو حنيفة: «أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد». وهذا قول اللغويين؛ لأنهم يقولون: «أصل النكاح في كلام العرب الوطء». وللشافعية فيها ثلاثة أوجه، أصحها: «أنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء»، وقالوا: «وهو الذي جاء به القرآن العزيز والأحاديث». والقول الثالث: «أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، كالعين»، «وحمل على هذا، النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾
[البقرة: ٢٢١]، عن العقد وعن الوطء بملك اليمين معًا». وفائدة الخلاف تظهر في
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] في حكم مزنية الأب على فروعه. فذهب الأحناف إلى تحريمه بالنص، وذهب الشافعية إلى تجويز ذلك. وشرعًا: عرفه الأحناف بأنه: «عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدًا»، وعرفه الشافعية بأنه: «عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته». انظر: معجم مقاييس اللغة، الصحاح، المصباح، مادة: (نكح)، تصحيح التنبيه، ص ١٠٢؛ المبسوط ٤/ ١٩٢؛ البناية ٤/ ٣، وما بعدها، مغني المحتاج ٣/ ١٢٣. (٢) يجوز للمرأة أن تزوّج نفسها بغير وليّ عند أبي حنيفة مع توفر الشروط المذكورة في صورة المسألة. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧١؛ القدوري، ص ٦٩؛ المبسوط ٥/ ١٠؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٢٤؛ فتح القدير ٣/ ٢٥٦.
إلا بولي (١). ذكر صورة المسألة: الحرة العاقلة البالغة، إذا زوّجت نفسها من كفو، ولم يقصر في مهر مثلها، فإنه يجوز عندنا، وعند الشافعي: لا يجوز. دليلنا في المسألة، وهو: أن الحرة البالغة العاقلة من أهل الولاية، ألا ترى أنها تملك التصرف في مالها، فوجب أن تملك التصرف على نفسها؛ لأن نفسها إلى نفسها أقرب من مالها، ثم لمّا تملك التصرف في مالها، فلأن تملك التصرف في نفسها أولى (٢). احتج الشافعي،
في المسألة: بما روى عن النبي – ﷺ -، أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٣) وهذا نص في هذا.
(١) انظر: الأم ٥/ ١٢، ١٣؛ المهذب ٢/ ٣٦؛ المنهاج، ص ٩٦. (٢) واستدل الأحناف من النقل لمذهبهم بقول الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
[البقرة: ٢٣٢]، وبقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
[البقرة: ٢٣٠]، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾
[البقرة: ٢٤٠]، قال السرخسي مبينًا وجه الدلالة: «أضاف العقد إليهن في هذه الآيات، فدل أنها تملك المباشرة، والمراد بالعضل: المنع حسًا بأن يحبسها في بيت ويمنعها من أن تتزوج …» وأدلة أخرى. انظر بالتفصيل: أحكام القرآن، للجصاص ١/ ٣٩٩ وما بعدها؛ المبسوط ٥/ ١١، ١٢؛ الهداية وشروحها: فتح القدير مع العناية ٣/ ٢٥٧؛ البناية ٤/ ١١٢ وما بعدها. (٣) الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه وقال البيهقي: «في إسناده عبد الله بن محرر: متروك لا يحتج به». وقال ابن حجر: «ورواه الشافعي من وجه آخر عن الحسن مرسلًا، وقال: هذا وإن كان منقطعًا، فإن أكثر أهل العلم يقولون به». انظر: سنن الدارقطني ٣/ ٢٢٥؛ السنن الكبرى ٧/ ١٢٥؛ نصب الراية ٣/ ١٨٨؛ التلخيص الحبير ٣/
١٥٦. انظر الأدلة بالتفصيل: الأم ٥/ ١٢، ١٣؛ المهذب ٢/ ٣٦.
مسألة:
٢٤٧ – إجبار البكر البالغة لا يجوز للأب والجد إجبار البكر البالغة على النكاح، بل يزوّجها برضاها عندنا (١)، وعند الشافعي: يجوز بغير رضاها (٢). دليلنا في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – (أنه إذا أراد أن يزوّج بناته، دنى إلى خدرها ويستأمرها) (٣) فلو لم يكن الاستئمار شرطًا لما فعل، ولو استأمرها وسكتت كان سكوتها رضاها؛ لأنها تستحيي عن التكلم، و[إظهار] (٤) الرغبة في الرجال، فأقيم السكوت مقام الرضا (٥). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الأب والجد كان لهما أن يزوّجاها قبل البلوغ بغير رضاها؛ لأن الولاية باقية، فوجب أن لا يشترط [رضاها] (٦).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧٢؛ القدوري، ص ٦٩؛ المبسوط ٥/ ٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٢٤؛ الهداية ٣/ ٢٦٠، مع شرح فتح القدير. (٢) انظر: الأم ٥/ ١٧؛ المهذب ٢/ ٣٨؛ الوجيز ٢/ ٥؛ المنهاج، ص ٩٦. (٣) الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «كان رسول الله – ﷺ – إذا أراد أن يزوج شيئًا من بناته، جلس إلى خدرها، فقال: إن
فلانًا يذكر فلانة، يسمّيها ويسمّي الرجل الذي يذكرها فإن هي سكتت زوّجها، وإن كرهت نقرت الستر، فإن نقرته لم يزوّجها»، مسند الإِمام أحمد ٦/ ٧٨. (٤) في أصل المخطوط: (المهار). (٥) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٢، ٣؛ فتح القدير ٣/ ٢٦١ وما بعدها. (٦) وفي الأصل: (زمانها). واستدل الشافعي من النقل بأدلة كثيرة منها: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي – ﷺ – قال: «الأيّم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها». أخرجه الجماعة إلا البخاري: مسلم في النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت (١٤٢١)، ٢/ ٣٧. انظر الأدلة بالتفصيل: الأم ٥/ ١٧، ١٨؛ المهذب ٢/ ٣٨.
مسألة:
٢٤٨ – عقد النكاح بشهادة فاسقين النكاح، عندنا ينعقد: بشهادة فاسقين (١)، وعند الشافعي: لا ينعقد (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن الفاسق من أهل الشهادة؛ لأن الأهلية إنما تثبت: بالعقل، والحرية، والبلوغ، وقد وجد هذا المعنى، فوجب أن ينعقد بشهادتهما (٣). احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٤) فالنبي – ﷺ – شرط العدالة في انعقاد النكاح. مسألة:
٢٤٩ – عقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين
النكاح ينعقد: بشهادة رجل وامرأتين عندنا (٥)، وعند الشافعي: لا ينعقد (٦).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧٢؛ القدوري، ص ٦٨؛ المبسوط ٥/ ٣١؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٩٧؛ البدائع ٣/ ١٣٨١. (٢) انظر: الأم ٥/ ٢٢؛ المهذب ٢/ ٤١؛ الوجيز ٢/ ٤؛ المنهاج، ص ٩٦. (٣) وذلك؛ لأن الفاسق باعتبار هذه الشروط المذكورة يكون أهلًا لولاية النكاح بنفسه عند الأحناف فكذلك يجوز أن يكون أهلًا لتحمل الشهادة على غيره. انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٣١، ٣٢؛ البدائع ٣/ ١٣٨١؛ البناية في شرح الهداية ٤/ ٢٩. (٤) الحديث سبق تخريجه في المسألة: (٢٤٦)، ص ٣٧٠. (٥) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٦٩، ١٧٢؛ القدوري، ص ٦٨؛ المبسوط ٥/ ٣٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٩٧. (٦) انظر: الأم ٥/ ٢٢؛ المهذب ٢/ ٤١؛ الوجيز ٢/ ٤؛ المنهاج، ص ٩٦.
دليلنا: أنه ينعقد بشهادة: رجل وامرأتين، كما في سائر العقود (١). احتج الشافعي، في المسألة: أن عقد النكاح له زيادة [في] الشروط: من الولي والمهر، فلا تشترط هذه في سائر العقود، لما فيه من الخطر؛ لأنه عقد يعقد للعمر، فوجب أن تشترط فيه الذكورية (٢)، كما في الحدود
(٣). مسألة: ٢٥٠ – الشهادة في زواج مسلم بذمية المسلم إذا تزوج امرأة ذمية، فإن عندنا: يصح النكاح بشهادة ذميين (٤)، وعند الشافعي: لا يصح إلا بشهادة مسلمين (٥). دليلنا في المسألة؛ لأن الذمي من أهل الشهادة للذمي، وها هنا المرأة ذمية وهي المعقود عليها، فوجب أن يصح بحضرة الذميين، كما قلنا: في شهادة المسلم (٦). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الكافر ليس من أهل
(١) واستدل الأحناف: بإجازة عمر – رضي الله عنه – شهادة رجل وامرأتين في النكاح والفرقة. انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٣٣؛ البناية ٤/ ٢٥. (٢) واستدل الشافعية من النقل بحديث عمران بن الحصين، السابق تخريجه في المسألة: (٢٤٦)، ص ٢٧٠، وأدلة أخرى نحوه. راجع: الأم ٥/ ٢٢؛ المهذب ٢/ ٤١. (٣) انظر: القدوري، ص ١٠٧؛ المنهاج، ص ١٥٣. (٤) مختصر الطحاوي، ص ١٧٢؛ القدوري، ص ٦٨؛ المبسوط ٥/ ٣٣؛ البدائع ٣/ ١٣٧٨. (٥) انظر: الأم ٥/ ٢٢؛ المهذب ٢/ ٤١؛ الوجيز ٢/ ٤؛ المنهاج، ص ٩٦. (٦) والمعنى فيه كما ذكرته في شهادة الفاسق في المسألة (٢٤٨)، ص ٣٧٢، باعتبار الولاية، حيث يجوز أن يكون الذمي وليًا في هذا العقد، فجاز أن يكون شاهدًا، «لأن الشهادة من باب الولاية». انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٣٣، ٣٤؛
البدائع ٣/ ١٣٧٩.
الشهادة على المسلم، وهاهنا العاقد مسلم، فلا يعقد النكاح بشهادتهما، كما لو تزوج بشهادة مجوسيين فإنه لا ينعقد (١). مسألة:
٢٥١ – ولاية الفاسق في النكاح الفاسق إذا زوّج بنته من رجل، أو زوّج أخته، يصح النكاح عندنا بولايته (٢)، وعند الشافعي: لا ينعقد (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن الولاية بناؤها على الشفقة، والشفقة إنما تنشأ من الطبيعة، وهذا المعنى لا يختلف كون الرجل فاسقًا، وربما كان الفاسق أشفق على ولده من غيره، فوجب أن يصح النكاح؛ لأنه من أهل الولاية، [و] لأن فسقه لا يسلب الولاية ولا الأهلية، ألا ترى أنه لو تزوج جاز، فإذا زوج بنته، وجب أن يجوز (٤). احتج الشافعي: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (٥) وهذا الولي فاسق، فلا يجوز أن يكون شاهدًا، فلهذا لا يجوز أن يكون وليًا (٦).
(١) انظر: المصادر السابقة للشافعية. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٧٢؛ البدائع ٣/ ١٢٤٨. (٣) انظر: المهذب ٢/ ٣٧؛ الوجيز ٢/ ٦؛ المنهاج، ص ٩٦. (٤) واستدلوا من النقل بعموم قوله عز وجل: ﴿وانكحوا الأيامى منكم﴾ (النور ٣٢) ونحوها مما
جاءت به الأحاديث بالترغيب للأولياء في تزويج بناتهم، عامًا من غير فصل، مع إجماع الأمة على عدم النكير على أحد من الأولياء بالفسق. انظر: البدائع ٣/ ١٣٤٩؛ البناية في شرح الهداية ٤/ ٢٩. (٥) الحديث سبق تخريجه في المسألة: (٢٤٦)، ص ٣٧٠. (٦) انظر: المهذب ٢/ ٣٧.
مسألة:
٢٥٢ – تزويج البكر التي زالت بكارتها بالفجور البكر إذا زالت بكارتها بالفجور، تزوّج كما تزوج الأبكار: عندنا (١)، وعند الشافعي: تزوج كما تزوج الثيب (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن العلة في البكر في عدم الاستنطاق (٣)، إنما هو الحياء. الأصل في ذلك: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت حين قال النبي – ﷺ -: «البكر تستأذن في نفسها» قالت عائشة: البكر تستحيي يا رسول الله، فقال: سكوتها رضاها (٤)، فجعل السكوت رضاء لعلة الحياء. وهذا المعنى موجود في هذه المسألة؛ لأنها تستحيي لإظهار فاحشتها فلهذا قلنا: لا تستنطق (٥). احتج الشافعي، في المسألة: بما روى عن النبي – ﷺ – أنه قال: «البكر تستأمر في نفسها والثيب تشاور» (٦) وهذه ثيب، فوجب أن تشاور.
(١) انظر: القدوري، ص ٦٩؛ المبسوط ٥/ ٧؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٢٧.
(٢) انظر: الأم ٥/ ١٨؛ المهذب ٢/ ٣٨؛ الوجيز ٢/ ٥؛ المنهاج، ص ٩٦. (٣) مكررة في الأصل. (٤) حديث عائشة رضي الله عنها رواه الشيخان: قال ذكوان مولى عائشة: سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله – ﷺ – عن الجارية ينكحها أهلها أتستأمر أم لا؟ فقال لها رسول الله – ﷺ -: «نعم، تستأمر» فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحيي! فقال رسول الله – ﷺ -: «فذلك إذنها إذا هي سكتت». واللفظ لمسلم: البخاري، في الإكراه، باب لا يجوز المكروه (٦٩٤٦)، ١٢/ ٣١٩؛ مسلم، في النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق؛ والبكر بالسكوت (١٤٢٠)، ٢/ ١٠٣٧. (٥) انظر: المبسوط ٥/ ٧. (٦) الحديث بهذا اللفظ غريب، وإنما روى مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي – ﷺ – قال: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها»؛ مسلم، النكاح باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت (١٤٢١)، ٢/ ١٠٣٧؛ البناية في شرح الهداية ٤/ ١٢٦.
أما قولكم: أنها تستحيي، قلنا: هذا الحياء، ليس بمعتبر؛ لأنها رغبت في الرجال على أحسن الوجوه (١). مسألة:
٢٥٣ – ولاية الأخ الشقيق مع الأخ لأب الأخ من الأب والأم، والأخ
من الأب إذا اجتمعا، فالولاية للأخ من الأب والأم بتزويج أخته عندنا (٢)، وعند الشافعي: هما على السواء (٣). دليلنا في المسألة: بما روى عن علي بن أبي طالب [رضي الله عنه] أنه قال: «الولاية [في النكاح] للعصبات» (٤) والأخ من الأب والأم أقرب العصبة، فوجب أن تكون الولاية له كما نقول: في الميراث (٥).
(١) هنا استعمل المؤلف أسلوب إلزام المخالف، على غير عادته في الاستدلال. انظر بالتفصيل: المهذب ٢/ ٣٨؛ النكت، ورقة (٢٠٠/ ب). انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢/ ٣٨؛ النكت، ورقة (٢٠٠/ ب). (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٦٩؛ المبسوط ٤/ ٢١٩. (٣) المؤلف هنا ذكر القول القديم للشافعي، والمذهب على القول الجديد هو: تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب كالأحناف، كما نص عليه الشافعي في الأم؛ والشيرازي في المهذب، وقال النووي في المنهاج: «وهو الأظهر». انظر: الأم ٥/ ١٣؛ المهذب ٢/ ٣٧؛ الوجيز ٢/ ٦؛ المنهاج، ص ٩٦. (٤) وما بين القوسين زيدت بدلالة ما يذكر في المسألة (٢٥٦)، ص ٣٧٨. ذكر هذا الحديث السرخسي في المبسوط: مرفوعًا على عليّ رضي الله عنه، بلفظ: «النكاح إلى العصبات»، وذكره المرغيناني في الهداية نحوه، وأورده الزيلعي في نصب الراية وسكت عنه وكذلك ابن الهمام في فتح القدير، وقال: «ذكره سبط ابن الجوزي، وقال
ابن حجر في الدراية:»لم أجده«. وقال العيني:»ولم يخرجه أحد من الجماعة ولا يثبت، مع أن الأئمة الأربعة اتفقوا على العمل به في حق البالغة”. انظر: المبسوط ٤/ ٢١٩؛ الهداية مع فتح القدير ٣/ ٢٢٧؛ نصب الراية ٣/ ١٩٥؛ الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ٦٢؛ البناية في شرح الهداية ٤/ ١٣٤. (٥) المبسوط ٤/ ٢١٩؛ البناية ٤/ ١٣٥.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الأخ من الأب في حق القرابة بمنزلة الأخ من الأب والأم، ألا ترى أنه عند عدمه يقوم مقامه في استحقاق الميراث، فكذلك في الولاية؛ لأن الولاية إنما تثبت بالقرابة، والقرابة ثابتة، فوجب أن يستويا فيها (١). مسألة:
٢٥٤ – تزويج الأب ابنته الصغيرة بأقل من مهر المثل الأب إذا قبل لابنه الصغير النكاح، أو زوج بنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها، فالعقد صحيح عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يصح (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن الأب كامل الولاية، وافر الشفقة، فلا يتهم في حق الولد؛ لأنه لما زوّجها بأقل من مهر مثلها لا يتهم في ذلك؛ لأنه ربما المصلحة في إحرازها للزوج، فوجب أن يجوز (٤)، كما لو زوّجها بمهر المثل. احتج الشافعي، في المسألة؛ لأنه لما زوجها بأقل
من مهر
(١) بيّن الشيرازي وجهة كلا القولين: فوجّه القول القديم – الذي ذكره المؤلف هنا – بقوله: «لأن الولاية بقرابة الأب، وما في قرابة الأب سواء». ووجّه القول الجديد – الذي هو المذهب – بقوله: «لأنه حق يستحق بالتعصيب، فقدّم من يدلي بالأبوين على من يدلي بأحدهما، كالميراث». انظر: الأم ٥/ ١٣؛ المهذب ٢/ ٣٧. (٢) انظر: الطحاوي، ص ١٧٣؛ القدوري، ص ٦٩؛ المبسوط ٤/ ٢٢٤. (٣) وما ذكره المؤلف عن الشافعي: بعدم صحة العقد، قول مرجوح لدى الشافعية والراجح: أن المسمى يكون فاسدًا، ويقع النكاح صحيحًا، ولها على الزوج مهر مثلها، وهذا أظهر قولي الشافعي، كما ذكره النووي في المنهاج. انظر: الأم ٥/ ٧٠؛ المنهاج، ص ١٠٢؛ نهاية المحتاج ٦/ ٣٤٥. (٤) انظر: المبسوط ٤/ ٢٢٤، ٢٢٥.
مثلها، فقد أضرّها، فوجب أن يتهم، كما قلنا: في الأخ إذا زوّج أخته بدون مهر مثلها لا يجوز، كذلك ها هنا (١). مسألة:
٢٥٥ – إجبار السيد تزويج عبده يجوز للسيد عندنا: أن يجبر عبده أو أمته على النكاح (٢)، وعند الشافعي: لا يجبر عبده، ولكن يجبر أمته على النكاح (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن المولى يملك أن
[يحصن] (٤) عبده، ألا ترى أنه يملك الختان؛ لأن فيه تطهيرًا، فكذلك في النكاح؛ لأن في النكاح تحصينًا للعبد، فوجب أن يملك ذلك، كما في الأمة (٥). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن المولى إنما يملك تزويج أمته بالإِجبار؛ لأن بضع الأمة ملكه، وأما بضع الغلام ليس بمملوك لسيده، فلا يجوز التصرف فيه (٦). مسألة: ٢٥٦ – ولاية الابن في تزويج الأم الابن عندنا: يكون وليًا في تزويج أمه (٧)، وعند الشافعي: لا يكون (٨).
(١) وعلل الشافعي ذلك بقوله؛ لأن الأب لا يملك مهر ابنته لنفسه، وإنما يملكه لها، كمالها. انظر: الأم ٥/ ٧٠. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧٤؛ المبسوط ٥/ ١١٣. (٣) انظر: الأم ٥/ ٤١؛ المهذب ٢/ ٤١؛ الوجيز ٢/ ١٠؛ المنهاج، ص ٩٨. (٤) في الأصل: «يحضر». (٥) واستدل السرخسي بقوله عز وجل: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، ثم قال معقبًا عليها: «فإنما عقد المولى على شيء لا يقدر العبد عليه، ولأنه مملوكه على الإِطلاق، فيملك نكاحه بغير رضاه، كالأمة …»، المبسوط ٥/ ١١٣. (٦) انظر: المهذب ٢/ ٤١. (٧) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٦٩؛ القدوري، ص ٧٠؛ المبسوط ٤/ ٢١٩. (٨) انظر: الأم ٥/ ١٣؛ المهذب ٢/ ٣٧؛ المنهاج، ص ٩٦.
دليلنا في المسألة: ما روي [عن] علي رضي الله عنه، أنه قال: «الولاية في النكاح للعصبات» (١) والابن عصبة أمه، وهو أقرب العصبات إليها، فوجب أن يملك تزويجها، كما في حق الأب إذا زوج ابنته (٢). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الابن ليس بوليّ في حق الأم، ألا ترى أنه لا يلي في مالها، فوجب أن لا يلي في نفسها، دليله: الأجنبي (٣). مسألة:
٢٥٧ – فسخ النكاح للأولياء أحد الأولياء إذا زوّجها من غير [كفء] (٤)، لا يثبت للباقين فسخ النكاح عندنا (٥) وعند الشافعي: يثبت (٦). دليلنا في المسألة، وهو: أن الولاية إنما تثبت بسبب القرابة، والقرابة شيء لا يتجزأ، كذلك الولاية أيضًا التي تبتني على القرابة، وجب أن لا يتجزأ؛ لأن مالا يتجزأ إنما يثبت كله أو لا يثبت بعضه دون البعض، ولا وجه أن يقال أنه لا يثبت؛ لأنه ثابت، ولا وجه أن يقال: يثبت بعضه دون البعض؛ لأنه لا يتجزأ، وما لا يتجزأ إذا جزئ ينعدم، فلابد أن يثبت كله قياسًا لكل
(١) وقد سبق تخريج الحديث والكلام عنه في المسألة: (٢٥٣)، ص ٣٧٦. (٢) انظر: المبسوط ٤/ ٢٢٠. (٣) وعلل الشيرازي ذلك
بقوله: «لأن الولاية تثبت للأولياء لدفع العار عن النسب ولا نسب بين الابن والأم»؛ المهذب ٢/ ٣٧. (٤) زيدت لإكمال المعنى. (٥) انظر: البدائع ٣/ ١٥١٧. (٦) قال النووي في المنهاج: إذا زوّج أحد الأولياء من غير كفء برضاها دون رضا الباقين لم يصح على الراجح، وعلى القول بالصحة، أي بالمرجوح من القولين يثبت لهم الفسخ. انظر: الأم ٥/ ١٥؛ المهذب ٢/ ٣٩؛ المنهاج، ص ٩٧.
واحد من الأولياء، فإذا زوّج أحد الأولياء برضاها بولاية تامة، وجب أن لا يبقى للباقين حق الفسخ (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الكفاءة إنما تثبت حقًا للأولياء، كيلا يتعيروا بذلك؛ لأن المرأة وضعت نفسها في غير كفء ثبت للأولياء حق الفسخ، فكذلك إذا زوّج أحد الأولياء برضاها من غير كفء، فقد ألحق العار والشنار في الأولياء فوجب أن يثبت للباقين حق الفسخ، كما قلنا: في المرأة إذا زوّجت نفسها من غير كفء، بغير إذن الأولياء، يثبت للباقين حتى الفسخ (٢). مسألة:
٢٥٨ – عقد النكاح بلفظ الهبة ينعقد النكاح: بلفظ الهبة، عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا ينعقد (٤).
(١) انظر بالتفصيل: البدائع ٣/ ١٥١٨. (٢) واستدل الشافعية على عدم صحة تزويج
أحد الأولياء من غير كفء إلا برضاها ورضى سائر الأولياء بما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله – ﷺ -: «تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم»؛ أخرجه ابن ماجه عن طريف الحارث بن عمران المديني، وقال البوصيري في الزوائد: «في إسناده: الحارث بن عمران المديني، قال فيه أبو حاتم: ليس بالقوي، والحديث الذي رواه لا أصل له، يعني هذا الحديث، عن الثقات، وقال الدارقطني: متروك». ورواه الحاكم في مستدركه بهذا السند، وتابعه بسند آخر، وقال: «حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه». انظر: ابن ماجه، في النكاح، باب الأكفاء (١٩٦٨)، ١/ ٦٣٣؛ المستدرك، في النكاح ٢/ ١٦٣؛ المهذب ٢/ ٣٩. (٣) ينعقد النكاح عند الأحناف بكل لفظ موضوع للتمليك. انظر: القدوري، ص ٦٩؛ المبسوط ٥/ ٥٩؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٧٦؛ الهداية ٤/ ١٨، مع البناية. (٤) وينعقد بلفظ الهبة لرسول الله – ﷺ – خاصة عند الشافعي. انظر: مختصر المزني، ص ١٦٧؛ المهذب ٢/ ٤٢؛ المنهاج، ص ٩٥، ٩٦.
دليلنا في المسألة: قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ (١) فالله تعالى أخبر أن المرأة إذا وهبت نفسها للنبي ينعقد النكاح، فكذلك في حق أمته (٢).
احتج الشافعي، وقال: ليس لكم في الآية حجة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ أخبر أن النكاح خالصة له، وما يثبت للنبي خاصًا لا يثبت في حق أمته، كما نقول في تسع نسوة، يجوز للنبي – ﷺ – أن يتزوج ما أراد، ولا يجوز لأمته إلا أربع نسوة (٣). والجواب: قوله: ﴿خالصة لك﴾ ليس المراد منه تخصيص النكاح بلفظ الهبة، ولكن قوله: ﴿خالصة لك﴾: يعني بدون المهر يجوز له، ولا يجوز لأمته (٤). مسألة: ٢٥٩ – أثر الزنا في المصاهرة الزنا يثبت حرمة المصاهرة، عندنا (٥)، وعند الشافعي: لا يثبت (٦). وصورة المسألة: إذا زنا بامرأة حرمت عليه أمها وابنتها، وحرمت المزنية بها على أب الزاني، وعلى ولده، عندنا، وعند الشافعي: لا يثبت.
(١) سورة الأحزاب: آية ٥٠. (٢) انظر بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٦٠؛ البناية في شرح الهداية ٤/ ٢١، ٢٢. (٣) انظر: تفسير البيضاوي؛ والخازن؛ وابن عباس (٥/ ٢١٨، ٢١٩)، في (كتاب مجموعة من التفاسير)، مختصر المزني، ص ١٦٧. (٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٦٣٣؛ تفسير النسفي (٥/ ٢١٨)، مع كتاب مجموعة من التفاسير؛ المبسوط ٥/ ٦٠. (٥) انظر: المبسوط ٤/ ٢٠٤؛ البدائع ٣/ ١٣٨٥. (٦) انظر: الأم ٥/ ٢٥؛ المهذب ٢/ ٤٤؛ الروضة ٧/ ١١٣؛ المنهاج، ص ٩٨.
دليلنا في المسألة، وهو: أن حرمة المصاهرة، إنما تثبت الحرمة بالجزئية والبعضية؛ لأن الاستمتاع لنفسه حرام، فكذلك الاستمتاع بالجزئية حرام؛ لأن فيه استذلالًا، وهذا المعنى في الزنا موجود؛ لأن وطء الحرام لا يختلف من حيث الجزئية؛ لأن الله تعالى أجرى العادة أن يخلق البشر من ماء الزاني، كما يخلقه من وطء الحلال، فإذا لم يختلف بالجزئية، وجب أن تثبت الحرمة، كما في الوطء الحلال (١). واحتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الله تعالى مَنّ علينا بحرمة المصاهرة، وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ (٢) منّ علينا بثبوت النسب والصهرية ثم الزنا لا يثبت النسب، فوجب أن لا تثبت حرمة المصاهرة (٣). مسألة:
٢٦٠ – الزواج بابنة الزنا للزاني إذا زنا بامرأة فولدت بنتًا، فإنَّ هذه البنت تحرم على الزاني: عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا تحرم (٥). دليلنا في المسألة: أن هذه البنت جزء من هذا الزاني وبعضه، فيكون حرامًا عليه (٦) كما نقول في بنت الرضاع (٧).
(١) واستدل الأحناف لمذهبهم بقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾
[النساء: ٢٢] باعتبار أن النكاح للوطء حقيقة، «فتكون الآية نصًا في تحريم
موطوءة الأب على الابن». وقد سبق تفصيل هذا المعنى في تعريف النكاح، في المسألة: (٢٤٦)، ص ٣٦٩؛ المبسوط ٥/ ٢٠٥، ٢٠٦. (٢) سورة الفرقان: آية ٥٤. (٣) انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٢٦؛ المهذب ٢/ ٤٤. (٤) انظر: المبسوط ٤/ ٢٠٦؛ البدائع ٣/ ١٣٨٥. (٥) انظر: الأم ٥/ ٢٥؛ المهذب ٢/ ٤٤؛ المنهاج، ص ٩٨. (٦) انظر: المبسوط ٤/ ٢٠٧؛ البدائع ٣/ ١٣٨٥. (٧) انظر: القدوري، ص ٦٨؛ المنهاج، ص ٩٨.
احتج الشافعي، في المسألة: بما روى عن النبي – ﷺ – أنه قال: «الولد للفراش وللعاهر الجحر» (١) فالنبي – ﷺ – جعل الولد للفراش، وهذا ليس بولده شرعًا، ألا ترى أنه لا يثبت النسب، فصارت كالأجنبية؛ لأن كونها بنتًا إنما عرفناه بالشرع، وهاهنا الشرع ما جعلها بنتًا، فكيف تثبت الحرمة (٢). مسألة:
٢٦١ – الجمع بين الحرة والأمة في النكاح إذا جمع بين حرة وأمة، فنكاح الحرة صحيح عندنا، ونكاح الأمة باطل (٣)، وعند الشافعي: كلاهما باطل (٤). دليلنا في المسألة: أنه جمع ها هنا بين امرأتين: إحداهما محل للنكاح والأخرى غير محل للنكاح من حيث الجمع، فوجب أن ينعقد النكاح في حق الحرة، كما قلنا: إذا تزوجهما على التعاقب، يجوز نكاح الحرة،
ويفسد نكاح الأمة (٥). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أنه لما تزوجهما معًا، فقد جمع ها هنا بين أن يجوز النكاح في إحداهما دون الأخرى، فوجب
(١) الحديث أخرجه الشيخان عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما: البخاري، في الحدود، باب للعاهر الحجر (٦٨١٧، ٦٨١٨)، ١٢/ ١٢٧؛ مسلم، في الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات (١٤٥٧)، ٢/ ١٠٨٠. (٢) انظر: الأم ٥/ ٢٥؛ المهذب ٢/ ٤٤. (٣) انظر: القدوري، ص ٧١؛ المبسوط ٥/ ١٧٣؛ البدائع ٣/ ١٤٠٩. (٤) ما حكاه الزمخشري عن الشافعي: ببطلان نكاح الحرة والأمة صحيح على قول مرجوح لدى الشافعية والراجح عندهم: أن نكاح الحرة صحيح ونكاح الأمة باطل، قال النووي في المنهاج والروضة: وهو الأظهر. انظر: النكت، ورقة (٢٠٧/ أ)؛ الروضة ٧/ ١٣٣؛ المنهاج، ص ٩٨؛ نهاية المحتاج ٦/ ٢٨٩. (٥) انظر: البدائع ٣/ ١٤٠٩.
أن لا ينعقد بهما جميعًا، كما لو كان عبدان: أحدهما حر، فإنه لا ينعقد البيع في العبد (١). مسألة:
٢٦٢ – ما يجب على الوالد باستيلاد جارية الابن الأب إذا استولد جارية ابنه – ولا خلاف أنه يلزمه كمال قيمتها، وتصير الجارية أم ولد له – فلا يلزمه المهر
عندنا (٢)، وعند الشافعي: يلزم (٣). دليلنا في المسألة، وهو:»ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «أنت ومالك لأبيك» (٤) جعل مال الابن مضافًا إلى الأب، فالأب ها هنا إذا وطئ جارية الابن واستولدها، احتجنا إلى صيانة ماء الأب، ولا يمكن صيانة مائه إلا بعد تقديم الملك، فقدمنا الملك على الوطء بالقيمة، فجعل كان الأب واطئ ملك نفسه، فإذا جعلنا في الحكم أنه واطئ ملك نفسه، فلا يجب المهر (٥). احتج الشافعي بأن قال: إن الوطء صادف ملك غيره؛ لأن الأب لا حق له في وطء جارية ابنه، فلو خلينا والقياس، لكنا نقول: يجب الحد على الأب، إلا أن الحد يسقط لمكان الشبهة وهو: قوله – ﷺ – «أنت ومالك لأبيك» فإذا أسقطنا الحد للشبهة وجب
(١) النكت، ورقة (٢٠٧/ أ). (٢) انظر: المبسوط ٥/ ١٢٢. (٣) وعند الشافعية يلزم الأب: «قيمتها مع مهر، لا قيمة ولد، في الأصح». انظر: المهذب ٢/ ٤٦؛ النكت، ورقة (٢٠٦/ أ)؛ المنهاج، ص ١٠١؛ الروضة ٧/ ٢٠٨؛ نهاية المحتاج ٦/ ٣٢٦، ٣٢٧. (٤) الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وقد سبق تخريجه في المسألة (١٣٩)، ص ٢٤٦. (٥) انظر بالتفصيل: المبسوط ٥/ ١٢٣.
أن يثبت المهر؛ لأن الوطء في دار الإسلام لا يخلو من أحد الوجهن: إما الحد، وإما المال، فإذا أسقط الحد وجب المال (١). المسألة:
٢٦٣ – أسلم الرجل وتحته أكثر من أربع نسوة أو أختان إذا أسلم الرجل وتحته أكثر من أربع نسوة، أو تحته أختان، فإن عندنا: إن كان تزوجهن بعقدة واحدة، بطل نكاح الكل، وإن تزوجهن على التعاقب اختار نكاح أربع منهن، ويبطل نكاح الباقي (٢)، وعند الشافعي: يختار أربعًا منهن، وفي الأختين أيتهما شاء سواء تزوجهن بعقدة واحدة أو بالاختلاف (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن حرمة الجمع ثابتة في حق المسلم ابتداء، فكذلك يحرم تبقيته، كما في الزنا (٤).
(١) انظر: النكت، ورقة (٢٠٦/ أ)، نهاية المحتاج ٦/ ٣٢٦، ٣٢٧. (٢) ما ذكره المصنف عن الأحناف: «بأنه إذا تزوجهن على التعاقب اختار نكاح أربع منهن» غير صحيح. والصحيح عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه إذا تزوجهن على التعاقب والترتيب في عقود متفرقة، صح نكاح الأربع، وبطل نكاح الخامسة وكذا في الأختين يصح نكاح الأولى ويبطل نكاح الثانية. انظر: المبسوط ٥/ ٥٣؛ البدائع ٣/ ١٥٠٨. (٣) انظر: الأم ٥/ ٤٩؛ المهذب ٢/ ٥٣؛ الوجيز ٢/
١٥؛ المنهاج، ص ٩٩. (٤) استدل المؤلف للأحناف إجمالًا، ولم يبين الفرق في المسألة بين ما إذا كان نكاح الأختين أو نكاح ما زاد على أربع في عقدة واحدة، وما إذا كان النكاح في المسألتين في عقود متفرقة، وهذه هي نقطة الخلاف بين المذهبين. والفرق بين الحالتين: هو أنه إذا حصل نكاح الجميع في عقدة واحدة فقد حصل نكاح الجمع المحرم بهن جميعًا، وكذلك في الأختين، وليس إبطال نكاح إحداهن بأولى من الأخرى، فيبطل نكاح الجميع. وأما إذا وقع النكاح على الترتيب والتعاقب في عقود متفرقة، فنكاح الأربع الأولى منهن وقع صحيحًا وكذلك الأخت الأولى، ولم يصح نكاح الخامسة والأخت الثانية؛ لأن الجمع المحرم إنما حصل من الخامسة والأخت الثانية فتعين الفساد في نكاح من حصل الجمع بنكاحها، وكان نكاحها فاسدًا بحكم الإسلام ومن لم يحصل بنكاحها الجمع وكان نكاحها صحيحًا بحكم الإسلام، بقي نكاحهن على الأصل. راجع: المصادر السابقة للأحناف.
احتج الشافعي:»بما روى أن غيلان الثقفي أسلم وتحته خمس نسوة، فأمر النبي – ﷺ – «أن يختار أربعًا منهن» (١)، ولم يستفسر: أنه تزوجهن على التعاقب، أو على عقدة واحدة (٢). مسألة:
٢٦٤ – نكاح الأخت في عدة أختها من طلاق بائن
نكاح الأخت في عدة الأخت من طلاق بائن، لا يجوز عندنا (٣)، وعند الشافعي يجوز (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن العدة من آثار النكاح، فوجب أن يعمل عمل النكاح في الحرمة، كما في حال قيام نكاح اختها (٥). احتج الشافعي: بأن حرمة الجمع إنما تكون لمعنى وهو: قطيعة [القرابة] (٦) وهذا المعنى معدوم بعد الطلاق، ألا ترى أن
(١) الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرما عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقد روى هذا الحديث من عدة طرق مرفوعًا وموقوفًا، وقد ضعّف الأئمة رواية الرفع، قال الأثرم عن أحمد: «هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه»، وقال آخرون غير ذلك، وأما رواية الوقف، فقال عنها ابن حجر: «والموقوف على ابن عمر هو الذي حكم البخاري بصحته». انظر: الترمذي، في النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (١١٢٨)، ٣/ ٤٣٥؛ ابن ماجه، نحوه (١٩٥٣)، ١/ ٦٢٨. راجع أقوال المحدثين فيه، واختلاف طرقه: التلخيص الحبير ٣/ ١٦٨، ١٦٩. (٢) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٣) لا يجوز عند الأحناف نكاح الأخت في عدة أختها مطلقًا: سواء كانت مطلقة طلاقًا رجعيًا أو بائنًا، من نكاح فاسد أو جائز. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧٦؛ القدوري، ص ٦٨؛ المبسوط ٥/ ٢٠٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ١٨٨. (٤) انظر: المهذب
٢/ ٤٤؛ الروضة ٧/ ١١٧. (٥) واستدل الأحناف أيضًا بإجماع الصحابة رضي الله عنهم: «على تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت». انظر: المبسوط ٤/ ٢٠٢، ٢٠٣. (٦) في الأصل” (قطيعة المغايرة).
النبي – ﷺ – قال: «لا تزوج المرأة على عمتها، ولا على خالتها، ولا على ابنة أخيها، ولا على ابنة أختها، فإنكن إن فعلتن ذلك، فقد قطعتن أرحامكن» (١). مسألة:
٢٦٥ – نكاح الأمة نكاح الأمة، عندنا يصح بشرط واحد: وهو أن لا يكون تحته حرة (٢)، وعند الشافعي: لا يصح، إلا أن يكون بثلاثة شرائط: إحداها: أن [لا] (٣) يكون قادرًا على مهر الحرة، والثاني: أن يكون [خائفًا] من العنت، والثالث: أن لا يكون تحته حرة (٤). دليلنا في المسألة؛ لأن القدرة على الشيء لا تكون كوجوده، ألا ترى أن المسافر إذا كان عنده ثمن الماء ولا يباع بمثل الثمن، يباح له التيمم، فوجود القدرة على الثمن لا يقوم مقام وجود الماء في
(١) الحديث بهذا اللفظ – بلفظ الخطاب للنساء في المواضع كلها – أخرجه ابن حبان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، كما ذكره الهيثمي في موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، وابن حجر
في التلخيص. لكن الجزء الأول من الحديث: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» فقد أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بألفاظ مختلفة. البخاري، في النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها (٥١٠٨ – ٥١١٠)، ٩/ ١٦٠؛ مسلم، في النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (١٤٠٨)، ٢/ ١٠٢٨؛ موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، للهيثمي، ص ٣١٠؛ التلخيص الحبير ٣/ ١٦٧، ١٦٨. وانظر أدلة الشافعية بالتفصيل: النكت، ورقة (٢٠٤/ ب). (٢) انظر: القدوري، ص ٧١؛ المبسوط ٥/ ١٠٨؛ البدائع ٣/ ١٤٠٦. (٣) زيدت لتصحيح الحكم. (٤) وزاد النووي في الروضة شرطًا رابعًا وهو: «كون الأمة المنكوحة مسلمة». انظر: الأم ٥/ ٩؛ المهذب ٢/ ٤٦؛ الروضة ٧/ ١٣٢؛ المنهاج، ص ٩٨.
حرمة التيمم (١)، فكذلك ها هنا دون الحرة [لا تقوم] (٢) مقام الحرة تحته (٣). احتج الشافعي، في المسألة: بقول الله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٤) فالله تعالى علّق جواز نكاح الأمة بشرط عدم طول الحرة، وها هنا هذا الرجل قادر على [تزوّج] (٥) الحرة إذا كان عنده المهر، فوجب أن لا يجوز نكاح الأمة،
وكان المعنى فيه: لأن في نكاح الأمة تعريض جزئه إلى الرق، فوجب أن لا يجوز إلا عند الضرورة (٦). مسألة: ٢٦٦ – نكاح الأمة الكتابية نكاح الأمة الكتابية، جائز عندنا (٧)، وعند الشافعي: لا يجوز (٨).
(١) انظر: المبسوط ١/ ١١٥. (٢) في الأصل: (لا يكون). (٣) واستدل الأحناف بظاهر قول الله عز وجل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] (النساء ٣)، وقال السرخسي مبينًا وجه الدلالة: «فإذا استطاب نكاح الأمة جاز له ذلك بظاهر الآية – ثم قال – والمعنى فيه: أن النكاح يختص بمحل الحل، والأمة من جملة المحلات في حق الحر، كالحرة» وأدلة أخرى. انظر: المبسوط ٥/ ١٠٩، ١١٠؛ البدائع ٣/ ١٤٠٦ وما بعدها. (٤) سورة النساء: آية ٢٥. (٥) في الأصل: (تزويج). (٦) انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٩، ١٠؛ المهذب ٢/ ٤٦. (٧) انظر: القدوري، ص ٧١؛ البدائع ٣/ ١٤١٤. (٨) انظر: الأم ٥/ ١٥٧؛ المهذب ٢/ ٤٥، ٤٦؛ المنهاج، ص ١٠١.
دليلنا في المسألة، وهو: أنا أجمعنا أنه لو تزوج امرأة كتابية حرة جاز، فكذلك إذا كانت أمة (١). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن نكاح الأمة إنما يجوز عند
الضرورة، ولهذا قلنا: لا يجوز، إلا عند الخوف من الزنا، وها هنا لا حاجة [في التزوج (٢) بالأمة] الكتابية؛ لأن الضرورة ترتفع بالأمة المسلمة، فوجب أن لا يجوز نكاح الأمة الكتابية (٣). مسألة: ٢٦٧ – نكاح المولود بين مجوسي وكتابي [أحد (٤) الأبوين إذا كان] ذميًا، والآخر: مجوسيًا، فإذا ولد منها ولد، عندنا يحل نكاحه (٥)، وعند الشافعي: لا يحل (٦).
(١) واحتج الأحناف من النقل بعمومات آيات النكاح: كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ (النساء ٢٤)، وقوله تعالى: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ (النساء ٢٥)، وغيرها من الآيات. وقال الكاساني مبينًا وجه الدلالة: «بأنها لم تفصل بين الأمة المؤمنة والأمة الكافرة إلا ما خص بدليل». انظر: البدائع ٣/ ١٤١٥. (٢) في الأصل: (في تزويج الأمة). (٣) واستدل الشافعية بقول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]. انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ١٥٧، ١٥٨؛ المهذب ٢/ ٤٥، ٤٦. (٤) في الأصل: (إحدى الأبوين إذا كان أحدهما ذميًا). (٥) انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٧٨؛ القدوري، ص ٧٢؛ المبسوط ١٠/ ٦٣؛ الهداية ٤/ ٣١٤، مع البناية. (٦) انظر: المهذب ٢/ ٤٥؛ المنهاج، ص ٩٩.
دليلنا في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «الولد يتبع خير الأبوين دينًا» (١). وها هنا خير الأبوين: إنما هو الذمي، وهذه ذمية تبعًا لأحد أبويه، فيجوز نكاحها، كما لو ولدت من الذميين (٢). احتج الشافعي في المسألة وهو: أنه اجتمع ها هنا ما يحل وما لا يحل؛ لأن الحرام والحلال إذا اجتمعا كانت الغلبة للحرمة، فوجب أن يحتاط فيه؛ لأن حرمة الفرج مما يحتاط فيه (٣). مسألة:
٢٦٨ – عدة المهاجرة باختلاف الدارين اختلاف الدار، يوجب المفارقة، عندنا من غير انقضاء العدة (٤)، وعند الشافعي: لا يوجب (٥). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ
(١) قال المصنف عن هذا النص بأنه حديث، ولم أقف عليه في مدونات الحديث، والظاهر أنه قاعدة فقهية، كما ذكره السرخسي وابن القيم: «الولد يتبع أمه في الحرية والرق، ويتبع أباه في النسب والتسمية، ويتبع في الدين خير أبويه دينًا». انظر: المبسوط ١٠/ ٦٣؛ ابن قيم الجوزية، تحفة المودود في أحكام المولود، ص ١٣٥. (٢)
انظر: شرح فتح القدير مع العناية ٣/ ٤١٨؛ البناية ٤/ ٣١٥. (٣) انظر القاعدة الفقهية: (إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام) بالتفصيل: السيوطي، الأشباه والنظائر في قواعد وفروع الفقه الشافعية، ص ١٠٥، ١٠٦. (٤) انظر: القدوري، ص ٧١؛ البدائع ٣/ ١٤١١؛ الهداية ٤/ ٣٢٥، مع البناية. (٥) انظر: المهذب ٢/ ١٥٥؛ أحكام القرآن للكياالهراسي ٣/ ٤١٠؛ تخريج الفروع على الأصول، ص ٢٧٨.
تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) فالله تعالى جوّز نكاح المهاجرة، ولم يشترط فيه انقضاء العدة (٢). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن هذه فرقة تقع بسبب تباين الدارين، فوجب أن لا يجل تزويجها إلا بعد انقضاء العدة، كما في فرقة الطلاق (٣). مسألة:
٢٦٩ – الفرقة بين الزوجين بالارتداد إذا ارتد الزوجان، لا تقع الفرقة بينهما، ويبقيان على النكاح عندنا (٤)، وعند الشافعي: تقع الفرقة (٥). دليلنا في المسألة؛ لأن الفرقة إنما تقع بتباين الدارين، أو بتياين الدينين، ولم يوجد ها هنا تباين الدينين فوجب أن لا تجب
(١) سورة الممتحنة: آية ١٠. (٢) يجوز نكاحها إذا لم تكن حاملًا، فإن كانت حاملًا فلا يجوز نكاحها حتى تضع حملها. انظر: البدائع ٣/ ١٤١١، ١٤١٣؛ البناية ٤/ ٣٢٦. انظر
الأدلة بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٤٣٨ – ٤٤١. (٣) وذكر الكيا للهراسي، مستنبطًا من الآية السابقة: «إنما جعل الفرقة للإسلام» ولم يجعل بتباين الدارين. راجع: المصادر السابقة للشافعية، تفسير القرطبي ١٨/ ٦٤؛ أحكام القرآن ٣/ ٤١٠. (٤) ويظهر ذلك بوضوح: فيما إذا ارتد الزوجان معًا، وأسلما معًا، فهما يبقيان على نكاحهما السابق. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٨١؛ القدوري، ص ٧١؛ الهداية ٤/ ٣٢٨، مع البناية. (٥) المسألة عند الشافعية فيها تفصيل بالنسبة لزمن الارتداد: فإن كانت ردتها قبل الدخول، وقعت الفرقة بينهما، وإن كانت بعد الدخول، توقفت الفرقة على انقضاء العدة، فإن اجتمعا على الإسلام قبل انقضاء العدة، فهما على نكاحهما، وإلا فقد وقعت الفرقة من الردة. انظر: المهذب ٢/ ٥٥؛ المنهاج، ص ٩٩.
الفرقة، كما لو دخل الزوجان دار الإسلام، يبقّيان على النكاح كذلك ها هنا (١). احتج الشافعي وهو أن المعنى: أنه لو ارتد أحد الزوجين، وجبت الفرقة بسبب الردة عقوبة عليه، وهذا المعنى موجود إذا ارتدا معًا، فوجب أن تقع الفرقة (٢). مسألة:
٢٧٠ – نكاح الشغار نكاح الشغار (٣)، جائز عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا يجوز (٥). وصورته: أن يقول لأحد: زوّجتك ابنتي، أو زوجتك أمتي، على أن تزوّجني
ابنتك أو أمتك فإن عندنا: يجوز هذا العقد، [وعند الشافعي: لا يجوز].
(١) واستدل الأحناف بالاستحسان «بما روي أن بني حنيفة ارتدوا ثم أسلموا ولم يأمرهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بتجديد الأنكحة». الهداية ١/ ٢٢١. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٥٥؛ النكت، (ورقة ٢٠٨/ أ). (٣) الشغار من الشغور وهو الإخلاء والرفع، يقال: شغر البلد شغورًا – من باب قعد -: إذا خلا عن الناس، أو خلا عن حافظ يمنعه، وسمى النكاح بذلك لخلوّه من المهر، ويقال أيضًا: شغر الكلب شغرًا – من باب نفع -: إذا رفع إحدى رجليه ليبول، «وقيل سمي به؛ لأنهما رفعا المهر من العقد». انظر: المغرب، المصباح، مادة: (شغر). وشرعًا:، هو أن يزوّج الرجل ابنته على أن يزوجه المتزوّج بنته أو أخته ليكون أحد العقدين عوضًا عن الآخر”. ونكاح الشغار من أنكحة الجاهلية. انظر: الأم ٥/ ٧٦؛ المبسوط ٥/ ١٠٥؛ الهداية ٤/ ٢١٣، مع البناية؛ نهاية المحتاج ٦/ ٢١٥. (٤) يجوز العقدان عند الأحناف، وعلى كل واحد منهما مهر مثلهما. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٨١؛ القدوري، ص ٧٠؛ المبسوط ٥/ ١٠٥؛ البدائع ٣/ ١٤٣٠، ١٤٣١. (٥) انظر: الأم ٥/ ٧٦، ٧٧؛ المهذب ٢/ ٤٧؛ المنهاج، ص ٩٦.
دليلنا في المسألة وهو: أن من شرط الجواز [في] عقد النكاح: أن لا يكون خاليًا عن العوض، وقد وجد هاهنا العوض؛ لأن بضع كل واحد منهما عوض للآخر فوجب أن يجوز (١). احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – «أنه نهى عن نكاح الشغار» (٢). مسألة:
٢٧١ – النكاح بشرط النكاح يصح بشرط ثلاثة أيام عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا يصح (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الشرع إنما جوّز خيار الشرط لأجل
(١) وحجة الأحناف في جواز ذلك: «أنه سمّى بمقابلة بضع كل واحدة منهما ما لا يصح أن يكون صداقًا، كالخمر فيكون شرطًا فاسدًا، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة، ومن ثم يجب عليه مهر المثل». والدليل عليه ما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «نهى رسول الله – ﷺ – أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحد منهما مهر». وقال الكاساني مبينًا وجه الاستدلال: «وهو إشارة إلى أن النهي لمكان تسمية المهر، لا لعين النكاح، فبقي النكاح صحيحًا». لم أعثر على الحديث بهذا اللفظ، وإنما معناه معنى الشغار، وقد روي ذلك عن ابن عمر في الصحيحين، كما يأتي تخريجه في دليل الشافعي. انظر بالتفصيل: البناية في شرح الهداية ٤/ ٢١٣ وما
بعدها، مع مصادر الأحناف السابقة. (٢) الحديث أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: البخاري، في النكاح، باب الشغار (٥١١٢)، ٩/ ١٦٢؛ مسلم، في النكاح، باب تحريم الشغار وبطلانه (١٤١٥)، ٢/ ١٠٣٤. انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٧٧، المهذب ٢/ ٤٧. (٣) يقع النكاح بشرط الخيار صحيحًا، ويكون الشرط باطلًا، عند الأحناف. انظر: المبسوط ٥/ ٩٤. (٤) أي يقع النكاح باطلًا. انظر: الأم ٥/ ٨١؛ المهذب ٢/ ٤٨؛ المنهاج، ص ٩٦.
المغابنة، والمغابنة في باب النكاح أكثر من باب البيع، فيجوز بشرط الخيار، فكذلك في النكاح (١). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأنا لو خلينا والقياس لكنا نقول: في باب البيع لا يجوز بشرط الخيار، إلا أن الشرع جوّز في باب البيع؛ لأنه يقع بغتة، والنكاح ليس في معنى البيع، فوجب أن لا يجوز بشرط الخيار (٢).
(١) واستدل الأحناف على صحة النكاح بقول النبي – ﷺ -: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والعتاق». أخرجه الإمام مالك في الموطأ بهذا اللفظ موقوفًا على ابن المسيب، في النكاح، باب جامع النكاح (٥٦)، ٢/ ٥٤٨، وأصل هذا حديث مرفوع عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه: أبو داود، في الطلاق،
باب الطلاق على الهزل (٢١٩٤)، ٢/ ٢٥٩؛ الترمذي، في الطلاق، باب ما جاء في الحد والهزل في الطلاق (١١٨٤)، ٣/ ٤٩٠؛ ابن ماجه، في الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا، (٢٠٣٩)، ١/ ٦٥٧. وبين السرخسي وجه الدلالة بقوله: «والهزل واشتراط الخيار سواء .. حيث لا يمنع الهزل تمام النكاح، فاشتراط الخيار أولى .. والمعنى فيه: أنه عقد لا يحتمل الفسخ بعد تمامه ولا يقبل خيار الشرط، فاشتراط فيه لا يمنع تمامه، كالطلاق والعتاق بمال …». انظر: المبسوط ٥/ ٩٤، ٩٥. (٢) واستدل الشافعي لبطلان النكاح بشرط الخيار: «بنهي النبي – ﷺ – عن نكاح المتعة». الحديث أخرجه الشيخان من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: البخاري، في المغازي، باب غزوة خيبر (٤٢١٦)، فتح الباري ٧/ ٤٨١؛ مسلم، في النكاح، باب نكاح المتعة (١٤٠٧)، ٢/ ١٠٢٧. والمعنى فيه: بأن النكاح يقصد به إحلال المنكوحة مطلقًا، والمتعة يقصد به إيقاع النكاح مؤقتًا، ونفس هذا المعنى موجود في النكاح بشرط الخيار، بل هو أقبح منه كما قال الشافعي: «لأن النكاح بالخيار غير ثابت في حال، وثابت في أخرى» بعكس نكاح المتعة، فإنه يقع على ثابت أولًا إلى مدة وغير ثابت إذا انقطعت المدة”. انظر: الأم ٥/ ٨١. سبب الخلاف: وسبب الخلاف بين الطرفين في هذه المسألة هو أن
الشرط الفاسد إذا وقع مقارنًا للعقد، يقع العقد باطلًا لدى الشافعية، لمقارنته الشرط الفاسد. وأما الأحناف: فلا يؤثر عندهم مقارنة الشرط الفاسد للعقد، ما دام العقد قد وقع مستوفيًا لأركانه. وقد سبق تفصيل هذه المسألة في كتاب البيوع، في المسألة (١٦٤)، ص ٢٧٦.
مسألة:
٢٧٢ – رد المنكوحة بالعيوب المنكوحة لا ترد بالعيب عندنا، وعند الشافعي: ترد بالعيوب الخمسة: بالجبّ والعنّة، والرتق والفتق، والجنون، والبرص، [و] عندنا: لا ترد بالبرص والجنون (١).
(١) العيوب المثبتة للخيار ثلاثة أقسام: الأول: العيوب المشتركة بين الرجال والنساء وهي: ١ – البرص: داء معروف، على هيئة بياض يصيب جلد الإنسان. ٢ – الجذام: «علة صعبة يحمر منها العضو، ثم يسوّد ثم ينقطع ويتناثر». ٣ – الجنون: استتار العقل، وهو معروف. الثاني: العيوب المختصة بالرجال وهي: ١ – الجبّ بفتح الجيم وتشديد الباء: القطع ومنه «المجبوب الخصي الذي استوصل ذكره وخصياه». ٢ – العنة بضم العين وتشديد النون، من العنين، وهو من لا يقدر على إتيان النساء. الثالث: العيوب المختصة بالنساء وهي: ١ – الرتق: بفتح الراء والتاء «انسداد محل الجماع باللحم». ٢ – القرن: «عظم في الفرج يمنع الجماع» وقيل لحم ينبت
فيه. فجملة هذه العيوب سبعة، ويمكن في حق كل واحد من الزوجين خمسة. انظر: المغرب، المصباح، المعجم الوسيط: (برص، جذم، جبب، عنن)، تصحيح التنبيه، ص ١٠٥. واختلف الفقهاء في ثبوت خيار الفسح لأحد الزوجين بوجود عيب من هذه العيوب المذكورة في أحدهما: فذهب الأحناف إلى عدم ثبوت الخيار للزوج مطلقًا، بوجود العيوب في المرأة، وكذلك للمرأة، ما عدا عيب الجب والعنة والحق بهما: (التأخذ، والخصاء، والخنوثة)، فإنه يجوز لها – بهذين العيبين المخلة بالوطء – الخيار: بين الفسخ والبقاء على النكاح، «وذلك لدفع ضرر فوات حق المرأة المستحق بالعقد وهو: الوطء وهذا الحق لم يفت بالعيوب الباقية، فلا يثبت لها الخيار. بخلاف ما إذا كانت هذه العيوب في جانب المرأة: كالرتق والقرن، فإن الزوج وإن كان يتضرر بها لكن يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق، فإن الطلاق بيده،»والمرأة لا يمكنها ذلك؛ لأنها لا تملك الطلاق فتعين الفسخ طريقًا لدفع الضرر”. =
دليلنا في المسألة وهو: أن الرد بالعيب إنما يثبت في البيع؛ لأن البيع لازم، فلو لم يرد يبقى في يده. وأما هاهنا الطلاق في يد الزوج إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها بالعيب، فلا حاجة بنا إلى إثبات خيار الرد (١). احتج الشافعي [في
المسألة] وهو: أن النكاح عقد معاملة، فوجب أن يردّ بالعيب، كما في سائر المعاملات (٢). مسألة: ٢٧٣ – خيار الأمة إذا اعتقت تحت حر الأمة إذا أعتقت تحت عبد، لا خلاف أنه يثبت لها لخيار، وإذا كانت تحت حر يثبت لها الخيار عندنا (٣)، وعند الشافعي لا يثبت (٤).
= وذهب الشافعية: إلى إطلاق جواز الفسخ للزوجين بوجود عيب من هذه العيوب في الجانب الآخر قل ذلك العيب أم كثر. وهناك اختلاف وتفصيل: في كيفية ثبوت الفسخ وزمنه وآثاره المترتبة من فرقة ومهر، ونحوها، وكذلك وجود العيوب فيهما معًا. فمن شاء التوسع والاستزادة فعليه بمراجعة المراجع الآتية للمذهبين. انظر: مختصر الطحاوي، ص ١٨١؛ المبسوط ٥/ ٩٥؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٣٣٥؛ البدائع ٣/ ١٥٢٦ وما بعدها. الأم ٥/ ٨٤؛ المهذب ٢/ ٤٩؛ التنبيه، ص ١٠٥؛ الوجيز ٢/ ١٨؛ الروضة ٧/ ١٧٦، ١٧٧؛ المنهاج، ص ١٠٠. (١) راجع: المراجع السابقة للأحناف. (٢) واستدل الشيرازي للشافعية بحديث زيد بن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: تزوج رسول الله – ﷺ – امرأة من بني غفار فرأى بكشحها وضحًا من بياض فقال: «ضمي إليك ثيابك والحقي بأهلك»، وألحق لها مهرها. رواه البيهقي في سننه وقال: «هذا مختلف فيه على جميل بن زيد، وقال البخاري لم يصح
حديثه». السنن الكبرى ٧/ ٢٥٦، ٢٥٧. انظر ما رواه الشافعي من الآثار في الموضوع: الأم ٥/ ٨٤، ٨٥؛ المهذب ٢/ ٤٩. (٣) انظر: القدوري، ص ٧١؛ المبسوط ٥/ ٩٩. (٤) انظر: الأم ٥/ ١٢٢؛ المهذب ٢/ ٥١؛ المنهاج، ص ١٠٠.
دليلنا في المسألة:»بما روى عن النبي – ﷺ – أنه حين أعتقت بريرة فقال لها: «ملكت بضعك فاختاري». فالنبي – ﷺ – أثبت لها الخيار، ولم يبيّن أن زوجها حرًا كان أو عبدًا (١). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الشرع إنما أثبت لها الخيار إذا كان الزوج عبدًا، لعدم الكفاءة؛ لأن الحر [ة] لا تكون كفوًا للعبد، فإذا كان زوجها حرًا، فقد وجدت الكفاءة، فلا يثبت لها الخيار (٢). مسألة:
٢٧٤ – نكاح المحرم نكاح المحرم، عندنا: جائز (٣)، وعند الشافعي: باطل (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن الشرع إنما حرم على المحرم الجماع، لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٥)، والنكاح ليس بجماع، فوجب أن لا يكون منهيًا عليه (٦).
(١) الحديث أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها، ولفظ البخاري: «فخيرها من زوجها»، ولفظ مسلم: «فخيرها رسول الله – ﷺ – فاختارت
نفسها»: البخاري، في الطلاق، باب خيار الأمة تحت العبد (٥٢٨١، ٥٢٨٤)، ٩/ ٤٠٦ – ٤١٠؛ مسلم، في العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق (١٥٠٤)، ٢/ ١١٤١. (٢) واستدل الشافعي أيضًا بحديث عائشة رضي الله عنها السابق، مع إثبات أن زوج بربرة: مغيثًا، كان عبدًا، لما روي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما رضي الله عنهم. انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ١٢٢، ١٢٣؛ المهذب ٢/ ٥١. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٨١؛ القدوري، ص ٦٨؛ المبسوط ٤/ ١٩١. (٤) انظر: الأم ٥/ ٧٨؛ المهذب ٢/ ٤٣؛ المنهاج، ص ٩٦. (٥) سورة البقرة: آية ١٩٧. (٦) واستدلوا كذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي – ﷺ – تزوج بميمونة وهو محرم». أخرجه الستة، وزاد البخاري: «وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف»: البخاري، في النكاح، باب تزويج المحرم (٥١١٤)، ٩/ ١٦٥؛ مسلم، في النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (١٤١٠)، ٢/ ١٠٣١.
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الشرع إنما حرم على المحرم الارتفاق نحو: لبس المخيط، والطيب، وما أشبه ذلك، والارتفاق في النكاح أكثر، فوجب أن يحرم عليه، كما في الوطء؛ لأن النكاح سبب داع إلى الوطء، والوطء حرام، كذلك سببه وجب أن يكون حرامًا (١).
(١) واستدل الشافعي من النقل بما روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي – ﷺ -، أنه قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب …» الحديث. رواه الجماعة إلا البخاري. مسلم، في النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (١٤٠٩)، ٢/ ١٠٣٠. انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٧٨، ٨٩.
باب الصداق (١) [مسألة]:
٢٧٥ – أقل المهر الصداق، عندنا: لا يجوز أن يكون أقل من عشرة دراهم (٢)، وعند الشافعي: لا يكون مقدرًا، حتى لو تزوجها بقليل المهر، فإنه يجوز (٣). دليلنا في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا مهر أقل من عشرة» (٤).
(١) الصداق: بفتح الصاد وكسرها، وفيه لغات أخرى، يقال: أصدقت المرأة سميت لها صداقًا: أي مهرًا، وسمي بذلك: لاشعاره بصدق رغبة باذلة في النكاح الذي هو الأصل في إيجاب المهر«وجمعه على: صدق – بضمتين – وأصدقه، وصدقات. وله عدة أسماء، جمعها بعضهم في بيت: مهر صداق نحلة وفريضة … طول حباء عقر أجر علائق انظر: الصحاح، المغرب، المصباح المنير، مادة: (صدق)، مغني المحتاج ٣/ ٢٢٠. وعرفه الشربيني شرعًا:»ما وجب بنكاح أو
وطء أو تفويت بضع قهرًا كرضاع ورجوع شهود«. مغني المحتاج ٣/ ٢٢٠. (٢) تقدر أدنى المهر عند الأحناف»بعشرة دراهم فضة، أو دينار ذهب خالص«. انظر: المبسوط ٥/ ٨٠؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٠٠؛ البدائع ٣/ ١٤٢٦. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ١٧٩؛ المهذب ٢/ ٥٦؛ المنهاج، ص ١٠٣. (٤) الحديث رواه الدارقطني والبيهقي عن مبشر بن عبيد .. عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله – ﷺ -:»لا تنكحوا النساء إلا الأكفاء، ولا يزوجهن إلا الأولياء، ولا مهر دون عشرة دراهم«. وقد تكلم المحدثون في هذا الحديث وضعفوه من جهة رواية: مبشر بن عبيد. وقال الدارقطني:»هو متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها«، وقال البيهقي:»ضعيف=
احتج [الشافعي] في المسألة وهو: أن النكاح عقد معاوضة، فكان تقدير البدل مفوضًا إلى المتعاقدين، ولا يكون مقدرًا شرعًا، كما في البيع (١). مسألة:
٢٧٦ – الصداق بمنافع الحر منافع الحر لا يجوز أن تكون صداقًا عندنا (٢)، وعند الشافعي: يجوز أن تكون صداقًا (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن من شرط صحة النكاح، أن يكون المال موجودًا لقوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم﴾ (٤) ومنافع الحر ليست بمال، فوجب أن لا ينعقد عليه النكاح، كما لو تزوّجها على
خمر أو خنزير (٥). احتج الشافعي في المسألة [وهو]: قصة موسى مع شعيب صلوات الله عليهما؛ لأن الله تعالى أخبر عنهما بقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ
= بمرة«، ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه وصفه بالكذب والوضع، وقيل فيه غير ذلك. وقال أبو عمرو بن عبد البر:»هذا حديث ضعيف لا أصل له ولا يحتج بمثله. انظر: سنن الدارقطني ٣/ ٢٤٥؛ السنن الكبرى ٧/ ١٣٣؛ نصب الراية ٣/ ١٩٦؛ البناية ٤/ ١٥١. (١) واستدل الشافعي بقوله – ﷺ -: «التمس ولو خاتمًا من حديد». الحديث أخرجه الشيخان (بطوله) من حديث سهل بن سعد: البخاري، في النكاح، باب تزويج المعسر (٥٠٧١)، ٩/ ١١٦؛ مسلم، في النكاح، باب الصداق وجواز كونه قرانًا (١٤٢٥)، ٢/ ١٠٤٠. انظر الأدلة بالتفصيل: مختصر المزني، ص ١٧٨، ١٧٩؛ التلخيص الحبير ٣/ ١٩٠ – ١٩٣. (٢) انظر: تحفة الفقهاء ٢/ ٢٠٢؛ البدائع ٣/ ١٤٣١. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ١٧٩، المهذب ٢/ ٥٧؛ المنهاج، ص ١٠٣. (٤) سورة النساء: آية ٢٤. (٥) انظر بالتفصيل: البدائع ٣/ ١٤٣٢.
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (١) فهذا نكاح على منافع الحر، فكان
جائزًا (٢). مسألة: ٢٧٧ – أثر الخلوة في المهر الخلوة الصحيحة، توجب كمال المهر، عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا توجب (٤). وصورة المسألة: الزوج إذا خلا بامرأته في بيت، وأغلق عليهما الباب، أو أرخي عليها سترًا، ولم يكن بينهما مانع طبعي ولا شرعي، و[لم يكن معهما] (٥) ثالث، ولكنه لم يدخل بها ثم طلقها، يلزم: كمال المهر والعدة عندنا، وعند الشافعي: يلزم نصف الصداق. دليلنا في المسألة: ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه حين سئل عن هذه المسألة فقال ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم (٦).
(١) سورة القصص: آية ٢٧. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٥٧؛ أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ٣٣٥. (٣) انظر: المبسوط ٥/ ١٤٨، ١٤٩؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٠٧، ٣٦٢. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ١٨٣؛ المهذب ٢/ ٥٨؛ الروضة ٧/ ٢٦٣. (٥) في الأصل: (ولا يكون معها). (٦) رواه الشافعي في مختصر المزني، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى. راجع الآثار الواردة الصريحة في إيجاب الصداق بإغلاق الباب وإرخاء الستر، في مصنف ابن أبي شيبة. انظر: مختصر المزني، ص ١٨٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٤؛ السنن الكبرى ٧/ ٢٥٥، ٢٥٦. واستدل الأحناف أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ (النساء ٢١)، وذكر
السرخسي وجه الدلالة بقوله: «نهى عن استرداد شيء من الصداق بعد الخلوة، فإن الإِفضاء عبارة عن الخلوة ومنه قول القائل: أفضيت إليه بشغري أي خلوت به، وذكرت له سري، وتبين بهذا أن المراد بما تلي المسيس أو ما يقوم مقامه وهي الخلوة». انظر بالتفصيل: المبسوط ٥/ ١٤٩؛ راجع دليل الشافعية من المسألة (٢٧٢)، ص ٣٦٥.
احتج الشافعي [في المسألة] وهو: أنه طلاق قبل الدخول، والطلاق قبل الدخول يوجب تنصيف الصداق، لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ (١). فالله تعالى أوجب: نصف المهر بالطلاق قبل الدخول (٢). مسألة:
٢٧٨ – مهر المفوضة المفوضة (٣)، عندنا: تستحق المهر بنفس العقد (٤)، وعند الشافعي: يجوز العقد دون المهر (٥). دليلنا في المسألة وهو: أن النكاح ملك المرأة، فلا يخلو من عوض؛ لأنّ إيجاب المهر حق للشرع، والمرأة لما فوضت نفسها ورضيت بدون المهر، وجب أن لا يعمل رضاها في تسمية المهر، كما في العدة (٦).
(١) سورة البقرة: آية ٢٣٧. (٢) قال المزني رحمه الله: «وقد جاء عن ابن مسعود وابن عباس [رضي الله عنهم] معنى ما قال الشافعي، وهو ظاهر القرآن». انظر:
مختصر المزني، ص ١٨٤؛ المهذب ٢/ ٥٨؛ أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٢٠٦. (٣) المفوضة: من التفويض: أي التسليم، ويعني بها هنا: المرأة التي تنكح بغير صداق، ومنه يقال:) فوضت المرأة نكاحها إِلى الزوج حتى تزوّجها من غير مهر«.»والمفوّضة: اسم فاعل، وقال بعضهم اسم مفعول؛ لأن الشرع فوض أمر المهر إليها في إثباته وإسقاطه«. انظر: المصباح المنبر، مادة: (فوض)، المهذب ٢/ ٦١. (٤) انظر: المبسوط ٥/ ٦٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٠٦. (٥) وعند الشافعية لا تستحق المفوضة شيئًا بنفس العقد في أظهر قولي الشافعي. انظر: الأم ٥/ ٦٨؛ المهذب ٢/ ٦١؛ الوجيز ٢/ ٢٩؛ المنهاج، ص ١٠٢. (٦) واستدل الأحناف لمذهبهم بما روي عن النبي – ﷺ -:»أنه قضى في بروع بنت واشق – ونكحت بغير مهر فمات زوجها – فقضي لها بمهر نسائها وقضى لها بالميراث”. الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن مسعود ومعقل بن سنان الأشجعي، =
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن المهر لو وجب إنما يجب حق المرأة لمقابلة البضع، والبضع مملوك لها، فإذا فوضت نفسها بدون المهر، وجب أن يصح، ولا يثبت المهر، كما لو سمي المهر وقت العقد ثم وهبت المرأة صداقها، فإنه يجوز ولا يثبت المهر، فكذلك
ها هنا (١).
= وكلهم في كتاب النكاح: أبو داود، باب فيمن تزوج ولم يسم لها صداقًا حتى مات (٢١١٤)، ٢/ ٢٣٧؛ الترمذي نحوه (١١٥٤)، وقال: «حديث حسن صحيح» ٣/ ٤٥١؛ النسائي، باب إباحة التزويج بغير صداق ٦/ ١٢١؛ ابن ماجه (١٨٩١)، ١/ ٦٠٩؛ وقال الحاكم: «صحيح علي شرط مسلم ولم يخرجه»؛ المستدرك ٢/ ١٨٠. انظر بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٦٣. (١) واستدل الشيرازي بقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وبين وجه الاستدلال منها بقوله: «فدل على أنه إذا لم يفرض لم يجب النصف». المهذب ٢/ ٦١.
باب الخلع (١) [مسألة]:
٢٧٩ – حكم الخلع الخلع، عندنا: طلاق بائن (٢)، وعند الشافعي: هو فسخ وليس بطلاق، كيلا يحتاج فيه إلى نية الطلاق (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الشرع جعل الخلع تطليقة بائنة؛ لأنه طلاق بعوض، فاشتراط العوض فيه لا يخرجه من أن يكون طلاقًا، كما لو صرح بالطلاق (٤).
(١) الخلع: بضم الخاء من الخلع بفتحها وهو: النزع، يقال: خلعت النعل وغيره. خلعًا: نزعته، وخالعت المرأة زوجها مخالعة: إذا
افتدت منه فخلعها هو خلعًا. والخلع: استعارة من خلع اللباس؛ لأن كل واحد منهما لباس للآخر، فإذا فعلا ذلك، فكأنّ كل واحد نزع لباسه عنه«. انظر: معجم مقاييس اللغة، والمصباح، مادة: (خلع). واختلف في تعريفه شرعًا بحسب اختلافهم في ترتيب آثاره، كما يتضح ذلك من هذه المسألة: فعرفه الأحناف بأنه: إزالة ملك النكاح التوقفة علي قبولها بلفظ الخلع وما في معناه. وعرفه الشافعية بأنه:»فرقة بين الزوجين بعوض مقصود بلفظ طلاق أو خلع«. انظر: الدر المختار ٣/ ٤٣٩؛ مع حاشية ابن عابدين؛ اللباب ٣/ ٦٤؛ مغني المحتاج ٣/ ٢٦٢؛ نهاية المحتاج ٦/ ٣٩٣. (٢) انظر: القدوري، ص ٧٧؛ المبسوط ٦/ ١٧١؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٩٩؛ الهداية ٤/ ٦٥٨، مع البناية. (٣) ما حكاه المؤلف عن الشافعي: بأن الخلع فسخ، هو القول المرجوح لدي الشافعية، وقيل هو منسوب إلى القديم، وأما القول الراجح فهو:»إن الفرقة بلفظ الخلع طلاق«، كما نص عليه النووي في المنهاج. انظر: الأم ٥/ ١٩٨؛ المهذب ٢/ ٧٦؛ النكت للشيرازي (مخطوط)، ورقة (٢١٤/ ب)، الوجيز ٢/ ٤١؛ المنهاج، ص ١٠٥؛ مغني المحتاج ٣/ ٢٦٨. (٤) واستدل الأحناف من النقل بقوله – ﷺ -:»الخلع تطليقة بائنة”. الحديث رواه الدارقطني والبيهقي =
احتج الشافعي في المسألة
[وهو]: أن الزوجين لما تراضيا بالخلع، فقد قصدا فسخ النكاح. ألا تري أنه لا يبقى للزوج علي المرأة حق الرجعة، فصح ما قلنا (١). مسألة: ٢٨٠ – طلاق المختلعة في العدة المختلعة يلحقها صريح الطلاق، مادامت في العدة عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يلحق (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الشرع جعل الثلاث تطليقات مملوكًا للزوج، فإذا خلعها يقع طلقة واحدة، والثنتين بقي مملوكًا للزوج، فإذا تصرف فيه [تصرف] فيما هو مملوك له، فوجب أن يصح، كما [لو] طلقها ابتداء (٤). احتج الشافعي في المسألة وهو: أنه لما وقع الخلع بينهما، فقد
= في سننهما من حديث عباد بن كثير عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «أن النبي – ﷺ – جعل الخلع تطليقة بائنة». قال البيهقي: «تفرد به عباد بن كثير البصري، وقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري»، وقال بأن مذهب ابن عباس وعكرمة بخلافه. انظر: سنن الدارقطني ٤/ ٦٤؛ السنن الكبرى ٧/ ٣١٦؛ نصب الراية ٣/ ٢٤٣. وراجع الأدلة بالتفصيل: المبسوط ٦/ ١٧٢؛ البناية ٤/ ٦٥٨. (١) استدل الشافعي علي أن الخلع تطليقة، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾ (البقرة ٢٢٩)، وقال: «فعقلنا عن الله تعالى أن ذلك إنما يقع بإيقاع الزوج، وعلمنا أن
الخلع لم يقع إلا بإيقاع الزوج»، ولأن الله تعالى ذكره بين طلاقين، فدل على أنه ملحق بهما«. انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ١٩٨؛ مغني المحتاج ٣/ ٢٦٨. (٢) قال السرخسي:»إذا طلق الرجل امرأته وهي في العدة بعد الخلع على جعل، وقع الطلاق ولم يثبت الجعل”. المبسوط ٦/ ١٧٥. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ١٨٧؛ النكت، ورقة (٢١٥/ أ). (٤) انظر: المبسوط ٦/ ٨٣، ١٧٥.
انفسخ النكاح، فلم يبق طلاق مملوك للزوج، فإذا تصرف فيه فقد تصرف فيما ليس بمملوك له، فوجب أن يلغو هذا التصرف (١).
(١) قال المزني: «واحتج الشافعي من القرآن والإجماع بما يدل علي أن الطلاق لا يلحقها، بما ذكر الله بين الزوجين من: اللعان والظهار والإيلاء والميراث، والعدة بوفاة الزوج، فدلت خمس آيات من كتاب الله تعالى علي أنها ليست بزوجة». مختصر المزني، ص ١٨٨. انظر أيضًا: السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٣١٧.
كتاب الطلاق (١) [مسألة]:
٢٨١ – تعليق الطلاق إضافة الطلاق إلى الملك أو العتاق، يصح: عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يصح (٣) وصورته: إذا قال: كل امرأة أتزوجها
فهي طالق، أو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فحين يتزوجها يقع الطلاق عندنا، وعند الشافعي: لا يقع. دليلنا في المسألة وهو: أن هذه يمين بالطلاق، وليست بطلاق في الحال (٤)، وقوله: إن تزوجت أو اشتريت: هذا شرط، وقوله:
(١) الطلاق، لغة: عبارة عن حل القيد والإطلاق، ولكن جعل في المرأة طلاقًا، وفي غيرها: إطلاقًا، يقال: طلق الرجل امرأته تطليقًا فهو مطلق، ويقال: أطلقت الأسير، إذا حللت أساره وخليت عنه، وهو من
باب قتل، وفي لغة من باب قرب. انظر: الغرب، المصباح، مادة: (طلق)، اللباب ٣/ ٣٧. وشرعًا: عرفه الحصكفي بأنه: «رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص). الدر المختار ٣/ ٢٢٦؛ مع حاشية ابن عابدين؛ البناية ٤/ ٣٦٨؛ نهاية المحتاج ٦/ ٤٢٣. (٢) القدوري، ص ٧٤؛ المبسوط ٦/ ١٢٧؛ الهداية ٤/ ٥٣٤، مع البناية. (٣) يعد خطاب»الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح وغيره لغوًا«عند الشافعية، كما نص عليه النووي. انظر: المهذب ٢/ ٧٨؛ الوجيز ٢/ ٥٨؛ المنهاج، ص ١٠٧. (٤) لأن اليمين يقع علي قسمين: حقيقي ومجازي، فالحقيقي مايقع على الحلف بالله سبحانه وتعالى. والمجازي: ما يقع علي التعليق،»واليمين في الطلاق عبارة: عن تعلقه بأمر يدل على معنى الشرط، فهو في الحقيقة، شرط وجزاء سمّيا يمينًا مجازًا لما فيه من معنى التشبيه
.. ولما فيه من معنى المنع والحمل …”. وسيأتي تفصيل هذا الموضوع في تعريف الأيمان في المسألة (٢٩٨)، ص ٤٢٧. انظر: فتح القدير ٤/ ١١٤؛ البناية ٤/ ٥٣٤.
فهي طالق، هذا جزاء، واليمين لغير الله تعالى ليست هي إلا شرط وجزاء، فإذا ثبت [الطلاق] (١)، يكون هذا تصرف في نفسه، فلا يشترط إلى وجود الملك في الحال، كما في سائر الأيمان بالله تعالى. احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا طلاق قبل النكاح» (٢) وهذا طلاق قبل النكاح، فوجب أن لا يصح، كما لو قال: إن تزوجتك ودخلت الدار فأنت طالق، فإنه لا يصح (٣). [مسألة]:
٢٨٢ – الكقال ثلاثًا بكلمة واحدة التطليقات الثلاثة جملة في حالة واحدة بدعة، عندنا (٤)، وعند الشافعي: مباح (٥)؛ لأن أحسن الطلاق عندنا: أن يطلقها واحدة، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها، أو يفرق ثلاث تطليقات في ثلاثة أطهار، وعند الشافعي: الكل مباح. دليلنا في المسألة قوله تعالى: ﴿فطلقوهن لعدتهنّ﴾ (٦) أي:
(١) في الأصل: (فإذا ثبت أن بالطلاق). (٢) الحديث: رواه ابن ماجه بهذا اللفظ، من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه مرفوعًا، ونقل
محمد فؤاد عبد الباقي عن الزوائد بأن إسناده حسن. وأخرج نحوه أصحاب السنن عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أن رسول الله – ﷺ – قال: «لا طلاق فيما لا يملك». وقال الترمذي: «حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب». وكلهم في كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح: أبو داود (٢١٩٠)، ٢/ ٢٥٨؛ الترمذي (١١٨١)، ٣/ ٤٨٦؛ ابن ماجه (٢٠٤٧)، ١/ ٦٦٠. (٣) انظر: المصادر السابقة للشافعية. (٤) انظر: القدوري، ص ٧٣؛ المبسوط ٦/ ٤؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٥٢. (٥) انظر: الأم ٥/ ١٨٠؛ المهذب ٢/ ٨٠؛ المنهاج، ص ١٠٩. (٦) سورة الطلاق: آية ١.
لقبل عدتهن أي: لأطهار عدتهن، أمر بتفريق الطلاق علي أطهار العدة (١)، وهذا كله لمعني، وهو: أن الطلاق مبغض في الشريعة. لقول النبي – ﷺ – «إن أحب المباحات إلى الله تعالى: النكاح، وإن أبغض المباحات إلى الله تعالى: الطلاق» (٢). وقال النبي – ﷺ -: «إن الطلاق مما يهتز به العرش» (٣) فعرفنا بهذا أن الطلاق مبغض في الشريعة، إلا أنه شرع باعتبار الحاجة، ربما لا [توافقه] (٤) أخلاقها، فلم يحصل مقصود النكاح؛ لأن مقصود النكاح إنما هو: المودة والمحبة، فإذا لم يتفق ها
هنا لم يحصل هذا المقصود، فالشرع جعل الطلاق مشروعا باعتبار الحاجة، والحاجة ترتفع بطلقة واحدة، فلا حاجة بنا إلى الثلاث (٥). احتج الشافعي [في المسألة] وهو: أن التطليقات ملك
(١) أي ثلاثًا في ثلاثة أطهار كما يتجلي هذا المعنى من حديث ابن عمر رضي الله عنهما في إنكار النبي – ﷺ – وأمره بالإرجاع لمخالفته الطلاق المشروع. انظر بالتفصيل: تفسير الآية الكريمة في: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٤٥٢؛ البدائع ٤/ ١٧٦٧؛ نصب الراية ٣/ ٢٢٠، ٢٢١. (٢) الحديث روي بلفظ: «ما أحل الله عز وجل حلالًا أحب إليه من النكاح، ولا أحل حلالًا أكره إليه من الطلاق». أورده الهندي في كنزل العمال، وعزاه إلى مسند الفردوسي للديلمي، رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال (٢٧٨٧٩)، ٩/ ٦٦٣. (٣) الحديث بكامله: «تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه العرش». أخرجه ابن عدي في الكامل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال السخاوي: «وسنده ضعيف»، قال ابن الجوزي: «بل هو موضوع». انظر: كنز العمال (٢٧٨٧٤)، تنزيه الشريعة المرفوعة ٢/ ٢٠٢؛ فيض القدير ٣/ ٢٤٣. (٤) في الأصل: (لا يتفق). (٥) انظر بالتفصيل: المبسوط ٥/ ٦ وما بعدها.
للزوج، فهو بالخيار: إن شاء فرق، وإن شاء [جمع] (١)، في حال التصرف فيما هو مملوك له، فوجب أن يصح (٢). مسألة:
٢٨٣ – الكنايات في الطلاق الكنايات (٣) بوائن (٤) عندنا (٥)، وعند الشافعي: رواجع (٦). وصورته: إذا قال لامرأته: أنت خلية (٧)، أو برية (٨)،
(١) في الأصل: (جامع). (٢) واستدل الشافعي على الإباحة لما روي أن عويمر العجلاني طلق امرأته بين يدي النبي – ﷺ – قبل أن يأمره وقبل أن يخبره أنها تطلق عليه باللعان ثم قال موجهًا الحديث: «ولو كان ذلك شيئًا محظورًا عليه نهاه النبي – ﷺ – ليعلمه وجماعة من حضره …» وذكروا أحاديث أخرى نحوه. الحديث أخرجه الشيخان: البخاري، في الطلاق، باب اللعان، ومن طلق بعد اللعان (٥٣٠٨)، ٩/ ٤٤٦؛ مسلم، في اللعان (١٤٩٢)، ٢/ ١١٢٩. انظر: الأم ٥/ ١٨٠؛ المهذب ٢/ ٨٠. (٣) والكنايات جمع، كناية: والكناية: ما هو مستتر المراد من قولهم: كنيت أو كنوت الشيء: إذا سترته «…» والكنايات: غير موضوعة للطلاق، بل تحتمله وتحتمل غيره«. انظر: الهداية مع شرح البناية ٤/ ٤٧٠. (٤) بوائن، سمع بائن، من بان الشيء إذا انفصل فهو بائن، وأبنته بالألف فصلته، وبانت المرأة بالطلاق فهي بائن بغير هاء، وتطليقة بائنة، والمعنى مبانة. المصباح،
مادة: (بين). (٥) الكنايات بوائن عند الأحناف، ما عدا ثلاثة ألفاظ وهي قوله:»اعتدي، استبرئي رحمك وأنت واحدة«فإنه يقع بها الطلاق الرجعي، ولا يقع إلا واحدة،»وبقية الكنايات إذا نوي بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوي ثلاثًا كانت ثلاثًا، وإن نوي اثنتين كانت واحدة بائنة«. انظر: القدوري، ص ٧٤؛ المبسوط ٦/ ٧٣؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٧٠؛ الهداية ٤/ ٤٧٠ – ٤٨٠، مع شرح البناية. (٦) الرواجع: سمع، رجعي. أي الرجعة بعد الطلاق، وهو عكس بائن. انظر: المصباح، مادة: (رجع). انظر: الأم ٥/ ٢٥٩، ٢٦٠؛ المهذب ٢/ ٨٢؛ المنهاج، ص ١٠٦. (٧) خلية: من الحلو، وأصلها من قولهم:»ناقة خلية” مطلقة من عقالها، فهي ترعى حيث شاءت، ومنه قيل في كنايات الطلاق: هي خلية. انظر: المصباح، مادة: (خلا)، البناية ٤/ ٤٧٤. (٨) برية: من البراءة، أي برئت، من الزوج، ويحتمل البراءة من حسن الثناء. انظر: البناية ٤/ ٤٧٤.
أو بتة (١)، أو باينة، أو قال: اغربي (٢)، أو قال لها: اخرجي، أو قال لها: الحقي بأهلك، أو قال لها: استبريء (٣) رحمك، أو استتري (٤)، أو قال لها: تقنعي، هذه كلها ألفاظ الكنايات، لا يقع بدون النية بالإجماع (٥). فإذا وقع يقع بوائن: عند أبي حنيفة، وأما صريح
الطلاق: لا يقطع الرجعة. دليلنا في المسألة: بأن صريح الطلاق لا يقطع الرجعة؛ لأن اللفظ لا ينبيء عن البينونة، وأما الكنايات إذا نوي يصير: بائنًا، وهذا اللفظ ينبيء: عن الإِبانة في عرف لسان العرب (٦).
(١) بته: بتا، أي: قطعه قطعًا، أي قطعت الوصلة بيننا، ومنه قيل: وبت الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتة. انظر: الصباح، مادة: (بت). (٢) اغربي: وهو بالغين المعجمة والراء المهملة، والغربة: البعد، «أي: تباعدي عني؛ لأني طلقتك». البناية ٤/ ٤٧٤. (٣) استبريء رحمك: اطلبي براءتها من الحبل، يقال: استبرأت: أي: طلبت براءتها من الحبل. انظر: المصباح، مادة: (بري). (٤) استتري: هو أمر من السترة، وتقنعي: «أمر بأخذ القناع على وجهها؛ لأنك بنت بالطلاق». البناية ٤/ ٤٧٤. (٥) نقل المؤلف الإِجماع علي عدم وقوع الطلاق بدون نية، في الكنايات. لكن الإِجماع الذي حكاه المؤلف هنا غير مسلم له، حيث نجد الفقهاء رحمهم الله قد اختلفوا في وقوع الطلاق بالكنايات الظاهرة: فذهب الأحناف إلى وقوع الطلاق بدون نية، بشرط دلالة الحال: كمذاكرة الطلاق أو الغضب. ومذهب مالك: في الكنايات الظاهرة، كحكم الصريح، إذ يقع الطلاق بمجرد اللفظ، وذهب الشافعي، إلى أن الكنايات كلها تفتقر إلى النية مطلقا، وعن أحمد روايتان: رواية كالشافعي، والثانية: كأبي حنيفة رحمهم الله تعالى. انظر: القدوري، ص ٧٤؛ لعدوي،
حاشية العدوي ٤/ ٣١، مع الخرشي علي مختصر سيدي خليل؛ المنهاج، ص ١٠٦؛ ابن قدامة؛ المغني مع الشرح الكبير ٨/ ٢١٨، ابن النجار الفتوحي، منتهي الإرادات ٢/ ٢٧٩. (٦) واحتج السرخسي لذلك بقوله: «إن إيقاع صفة البينونة تصرف من الزوج في ملكه، فيكون صحيحًا، كإيقاع أصل الطلاق». انظر أدلتهم بالتفصيل: المبسوط ٦/ ٧٤، ٧٥؛ البناية ٤/ ٤٨٠ وما بعدها.
احتج الشافعي [في المسألة] وهو: أن صريح الطلاق لا يقطع الرجعة مع كونه صريحًا، فالكناية التي هي دونه أولى أن لا تقطع الرجعة (١). مسألة:
٢٨٤ – قول الرجل لامرأته: أنا منك طالق إِذا قال الرجل لامرأته: أنا منك طالق، فعندنا: لا يقع الطلاق (٢)، وعند الشافعي: إذا نوي به الطلاق: يقع الطلاق (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن الزوج ليس بمحل للطلاق، بل هو مالك للطلاق؛ لأنه هو العاقد والمرأة المعقودة عليها، فإن محل أضافة الطلاق، إنما هي المرأة، فإذا قال: أنا منك طالق، فقد أضاف الطلاق إلى غير محله، فوجب أن لا يقع، كما لو أضافه إلى الحيوان أو إلى الجدار (٤). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن عقد النكاح عقد مشترك بين الزوجين؛ لأن كل واحد منهما محل له، فإذا أضاف
الطلاق إلى نفسه، فقد أضاف الحرمة إلى محل الحل، فوجب أن يصح، كما لو قال لها: أنت مني طالق (٥).
(١) انظر: الأم ٥/ ٢٦٠، ٢٦١؛ المهذب ٢/ ٨٣. انظر: سبب الخلاف بين المذهبين: المبسوط ٦/ ٧٣. (٢) انظر: المبسوط ٦/ ٧٨؛ الهداية ٤/ ٣٨، مع فتح القدير؛ الاختيار ٢/ ١٨٩. (٣) انظر: المهذب ٢/ ٨١؛ الوجيز ٢/ ٥٨؛ المنهاج، ص ١٠٧. (٤) انظر بالتفصيل: المبسوط ٦/ ٧٨، ٧٩؛ الهداية مع شروحها: فتح القدير مع العناية ٤/ ٣٩؛ البناية ٤/ ٤٣٣. (٥) وبين الرملي العلة بقوله: «لأن عليه حجرًا من جهتها إذ لا ينكح معها نحو أختها ولا أربعًا سواها، مع ما لها عليه من الحقوق والمؤن، فصح إضافة الطلاق إليه على حل السبب المقتضى لهذا الحجر مع النية». نهاية المحتاج ٦/ ٤٤٩.
مسألة:
٢٨٥ – قول الرجل: أنت طالق ناويًا به الثلاث إذا قال لامرأته: أنت طالق، ونوي به: الثلاث، عندنا: لا يقع الثلاث (١)، وعند الشافعي: يقع الثلاث (٢). دليلنا في المسألة؛ لأنه لما قال: أنت طالق ونوى به: الثلاث، فقد نوى ما لا يحتمله لفظه؛ لأن قوله: أنت طالق، لا ينبيء عن الثلاث؛ لأن الطلاق عبارة: عن
الإِطلاق، والإِطلاق لا يحتمل الواحدة، والاثنتين، والثلاث (٣). احتج الشافعي [في المسألة] وقال: بأنه يقع طلاق الثلاث، لأن الكل مملوك له، فإذا نوى الثلاث، وجب أن يصح، كما لو نوى: واحدة أو اثنتين (٤). مسألة: ٢٨٦ – اعتاق الأمة بلفظ التطبيق إذا قال لامرأته: أنت حرة، ونوي به الطلاق، يقع الطلاق، وإذا قال لأمته: أنت طالق، ونوي به: العتاق، لا تعتق عندنا (٥)، وعند الشافعي: تعتق (٦).
(١) انظر: القدوري، ص ٧٤؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٥٨؛ الاختيار ٢/ ١٨٦. (٢) انظر: مختصر المزني، ص ١٩٢؛ المهذب ٢/ ٨٥؛ المنهاج، ص ١٠٧. (٣) ولأنه نعت فرد ولا يحتمل العدد؛ لأنه ضده، والعدد الذي يقترن به، نعت لمصدر محذوف، معناه: طلاقًا ثلاثًا«،»ومجرد النية من غير دال لا عبرة بها«، كما قاله المرغيناني. انظر: الهداية ٤/ ٤٠١، مع شرح البناية. (٤) قال الشيرازي:»إنه لفظ لو قرن به ذكر الثلاث وقع، فإذا نوى به الثلاث وقع كقوله: أنت بائن”. انظر: النكت، ورقة (٢١٨/ ب)، المهذب ٢/ ٨٥. (٥) انظر: القدوري، ص ٨٤؛ المبسوط ٦/ ٧٥. (٦) انظر: مختصر المزني، ص ١٩٢؛ المهذب ٢/ ٣؛ الوجيز ٢/ ٥٤؛ المنهاج، ص ١٥٧.
دليلنا في المسألة وهو:
أن ملك اليمين أقوي من ملك النكاح، ثم اللفظ [الموضوع] (١) لإِزالة ملك اليمين، لما استعمله في إزالة ملك النكاح، وجب أن يصح؛ لأن من قدر علي إزالة أقوى الملكين، يقدر علي إزالة أضعف الملكين (٢). احتج الشافعي وقال: أجمعنا علي أنه يجوز استعمال لفظ العتاق في باب الطلاق، فكذلك يجوز استعمال لفظ الطلاق في باب العتاق؛ لأن كل واحد منهما ينبيء عن معنى واحد وهو: الإِطلاق ورفع القيد (٣). مسألة: ٢٨٧ – قول الزوج لزوجته اختياري من الثلاث ما شئت إذا قال الزوج لامرأته: اختاري من الثلاث ما شئت، فإذا اختارت المرأة الثلاث لا يقع عندنا: إلا واحدة (٤)، وعند
(١) في الأصل: (الموضع). (٢) ذكر المؤلف دليل المسألة المتفق عليها بين الجانبين، وهي: وقوع التطليق بلفظ العتاق، في حين أنه كان المفروض أن يأتي بأدلة المسألة المختلف فيها بين الطرفين، إذ هي الأولى بالاستدلال، كما هي عادته في المسائل، وهي: إعتاق الأمة بلفظ التطليق، وعلتهم كما ذكره المرغيناني: «أنه نوي ما لا يحتمله لفظه؛ لأن ملك اليمين فوق ملك النكاح، فإن إسقاطه أقوى، واللفظ يصلح مجازًا عما هو دون حقيقته، لا عمّا هو فوقه، فلهذا امتنع في المتنازع فيه (أي المجاز في قوله: أنت طالق لأمته، ونوى به العتاق) وأساغ في
عكسه (أي جاز في قوله: أنت حرة لمنكوحته ونوي به الطلاق). انظر: الهداية وشروحها: فتح القدير ٤/ ٤٤٥؛ البناية ٥/ ٢٨. (٣) العتق يصح عند الشافعية باستعمال اللفظ الصريح للعتق أو بالكناية، ولفظ الطلاق كناية عن العتق، فوجب أن يقع به العتق،»لأنها تحتمل العتق فوقع بها العتق مع النية”. انظر: المهذب ٢/ ٣. (٤) انظر: فتح القدير ٣/ ٨٧.
الشافعي: يقع الثلاث (١). دليلنا في المسألة: قوله: اختاري من الطلاق الثلاث ما شئت، فقد ملّك من بعض الطلاق؛ لأن كلمة: (من) كلمة التبعيض والتجزئة، والزوج قد خيّرها أن تأخذ من الثلاث ما [شاءت] فإذا اختارت الثلاث، فقد اختارت الكل، والزوج قد ملكها البعض دون الكل (٢). احتج الشافعي في المسألة: قوله: اختاري من الطلاق الثلاث ما شئت، فقد علق الطلاق؛ بلفظة الجمع، فإذا شاءت الثلاث، وجب أن يقع، كما لو شاءت واحدة أو اثنتين (٣). مسألة:
٢٨٨ – اختلاف الشهود في عدد الطلاق إذا شهد شاهدان، أحدهما شهد: بأنه طلق امرأته واحدة، والآخر شهد: أنه طلق امرأته ثلاثًا، فإن عندنا: لا يقع به شيء (٤)، وعند الشافعي: تقع تطليقة واحدة (٥).
(١) و(٢) و(٣) هذه المسألة لم أعثر
عليها في كتب المذهب الشافعي، لكن يظهر أن الخلاف مبني علي تفسير معنى حرف (من) والمعروف أن لها عدة معاني: كابتداء الغاية والتبعيضية، والبيانية .. إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب اللغة والأصول، ومن ثم قد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة، فمن اعتبر (من) هنا للتبعيض، ذهب إلى عدم وقوع الثلاث؛ لأنه لم يملكها الثلاث كلها – كما هو واضح من دليل الأحناف – ومن جعل (من) للبيان، ذهب إلى اعتبار صحة وقوع الثلاث أيضًا إن شاءت، لشمولها للكل. كما هو موضح في دليل الشافعية. انظر بالتفصيل: حاشية العطار علي شرح سمع الجوامع ١/ ٤١٥، وغيرها من كتب الأصول، في معنى (من). (٤) علي أساس أن هذه الشهادة غير مقبولة. انظر: المبسوط ٦/ ١٤٨. (٥) هذه هي المسألة الثانية التي لم أعثر عليها بعينها في كتب الشافعية الموجودة بين يديّ، وإنما حكمها مبني باعتبار: الأخذ بالأقل في اختلاف الشهود، كما يتضح بيان ذلك في دليل الشافعية الآتي.
دليلنا في المسألة: أنه قد اختلف لفظ الشهادة، فوجب أن لا يقبل؛ لأن من شرط قبول شهادة الرجلين: أن لا يختلفا، ويتفقا علي لفظ واحد، فإذا اختلفا، وجب أن لا يقبل (١)، كما لو شهد
أحدهما: أنه طلق امرأته يوم النحر بالكوفة، وشهد أحدهما: أنه طلق امرأته يوم النحر بمكة، فإنه لا تقبل هذه الشهادة (٢)، كذلك ها هنا. احتج الشافعي في المسألة؛ لأن الشاهدين اتفقا علي وقوع الطلقة الواحدة؛ لأن الذي شهد بالواحدة، فقد شهد، والذي شهد بالثلاث فقد شهد بالواحدة أيضًا؛ لأن الواحدة في لفظ الثلاث موجودة: فقد اتفقا علي وقوع الطلقة الواحدة، والخلاف في الاثنتين، فوجب أن يقع ما اتفقا عليه، كما لو شهد أحدهما: “بألف، والآخر: بألف وخمسمائة، فإنه يثبت الألف بلا خلاف، لهذا المعنى الذي ذكرناه (٣). مسألة: ٢٨٩ – تطليق الزوج بعضًا من زوجته إذا قال لامرأته: شعرك طالق، أو يدك طالق، فإن عندنا: لا يقع الطلاق (٤)، وعند الشافعي: يقع الطلاق (٥)، وأجمعوا علي أنه إذا قال لها: رأسك طالق، أو وجهك طالق، أو بدنك طالق، أو روحك طالق، أو فرجك طالق، فإنه يقع الطلاق (٦).
(١) انظر: المبسوط ٦/ ١٤٨. (٢) انظر: المرجع السابق ٦/ ١٥٣. (٣) انظر بالتفصيل: المهذب ٢/ ٣٣٩؛ التنبيه، ص ١٦٣. (٤) انظر: القدوري، ص ٧٤؛ المبسوط ٦/ ٨٩. (٥) انظر: الأم ٥/ ١٨٦، ١٨٧؛ المهذب ٢/ ٨١؛ الوجيز ٢/ ٥٧؛ المنهاج، ص ١٠٧. (٦) راجع المصادر السابقة للمذهبين.
دليلنا في المسألة وهو: أنه لما قال لها: شعرك طالق، أو يدك طالق، فقد أضاف إلى جزء معين، فوجب أن لا يصح، كما لو أضاف النكاح إليه (١). احتج الشافعي في المسألة وهو: أنه لما أضاف الطلاق إلى اليد، فقد أضاف إلى جزء مشيع به في عقد النكاح، فوجب أن يصح، كما لو أضاف إلى الرأس أو إلى الوجه أو إلى الفرج (٢). والخلاف راجع: إلى معرفة اللغة: أن في عرف لسان العرب لو أضاف الطلاق إلى جزء يكون ذلك الجزء، ويعبر به عن جميع البدن، يصح إضافة الطلاق إليه، فإذا أضاف إلى عضو، فإن ذكر ذلك العضو لا يكون عبارة عن جميع النفس، فلا يقع (٣). مسألة:
٢٩٠ – اعتبار الطلاق في حال اختلاف الزوجين بين الرق والحرية الطلاق (٤) معتبر بالنساء، عندنا (٥)، وعند الشافعي: معتبر بالرجال (٦).
(١) انظر بالتفصيل: المبسوط ٦/ ٩٠. (٢) وذكر الشيرازي: أن اليد والشعر جزء لا يتبعض، فكان إضافته إلى الجزء كإضافته إلى الجميع. انظر: المهذب ٢/ ٨١. (٣) وهذا من قبيل المجاز المرسل، الذي أطلق فيه البعض وأريد الكل. انظر: القزويني، عمد بن عبد الرحمن الخطيب، شروح التلخيص ٤/ ٣٤، ٣٥. (٤) الخلاف في اعتبار الطلاق بالنسبة، إذا
كان الزوجان مختلفين في الحرية والرق فهل الاعتبار يكون بالرجال أم بالنساء؟ وللمسألة صورتان: فذكر المؤلف سورة واحدة، والثانية: أن يكون الحر متزوّجًا أمة. ولا خلاف في المسألة، إذا كان الزوجان متفقين في الحرية والرق: بأن الحر يملك ثلاث تطليقات، والعبد يملك تطليقتين. (٥) انظر: البدائع ٤/ ١٧٨٥؛ الاختيار ٢/ ١٨٤. (٦) انظر: المهذب ٢/ ٧٩، الوجيز ٢/ ٥٨؛ الروضة ٨/ ٧١؛ المنهاج، ص ١٠٧.
بيانه: العبد إذا تزوج حرة، فإن عندنا: يملك عليها ثلاث تطليقات، وعند الشافعي: يملك تطليقتين. دليلنا في المسألة وهو: أن الطلاق محله المرأة، فوجب أن يعتبرها في النكاح (١). احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان» (٢) وهذا نص. مسألة:
٢٩١ – توريث المبتوتة المبتوتة ترث عندنا (٣)، وهي: امرأة الفارّ، وعند الشافعي: لا ترث (٤).
(١) واستدل الأحناف من النقل بإطلاق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الطلاق مرتان …﴾ الآية (البقرة ٢٢٩)، وقال الكاساني مبينًا وجه الدلالة: (والنص ورد في الحرة، أخبر الله تعالى أن حل الحرة يزول بالثلاث من غير فصل بين ما إذا كانت تحت حر أو تحت عبد فيجب
العمل بإطلاقه«. انظر أدلتهم بالتفصيل: البدائع ٤/ ١٧٨٥، ١٧٨٦. (٢) الحديث أخرجه أصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها: أبو داود، في الطلاق، باب سنة طلاق العبد (٢١٨٩)، وقال: وهو حديث مجهول ٢/ ٢٥٨؛ الترمذي، في الطلاق، باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان (١١٨٢)، وقال:»حديث عائشة حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث، والعمل علي هذا عند أهل العلم، ٣/ ٤٨٨؛ ابن ماجه، في الطلاق، باب في طلاق الأمة وعدتها (٢٠٨٠)، ١/ ٦٧٢. الاستدلال للشافعي بحديث عائشة رضي الله عنها هنا في غير محله، إذ المسألة في طلاق العبد الحرة، وإنما استدل الشافعي لهذه المسألة بفتوى عثمان وزيد رضي الله عنهما: «أن نفيعًا [عبدٌ مُكاتب] سأل عثمان وزيدًا، فقال طلقت امرأة لي حرة تطليقتين، فقالا: حرمت عليك حرمت عليك». انظر بالتفصيل: السنن الكبرى ٧/ ٣٦٨، ٣٦٩؛ مختصر المزني، ص ١٦٨؛ المهذب ٢/ ٧٩. (٣) انظر: القدوري، ص ٧٦؛ المبسوط ٦/ ١٥٤؛ الهداية ٤/ ٥٦٩، مع البناية. (٤) لا ترث في أظهر قولي الشافعي. انظر: الأم ٥/ ٢٥٤؛ النكت، ورقة (١/ ٢٢٣)، الوجيز ٢/ ٥٩؛ الروضة ٨/ ٧٢؛ المنهاج، ص ١٠٧.
بيانه:
رجل طلق امرأته في مرض موته ثلاثًا، ثم مات الزوج قبل انقضاء عدة المرأة، فإن عندنا، ترث، [وعند الشافعي: لا ترث]. دليلنا في المسألة: ما روي أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه طلق امرأته في مرض موته ثلاثًا ثم مات، فورّثها أصحاب (١) رسول الله – ﷺ -، فدل على أن امرأة الفارّ ترث. احتج الشافعي في المسألة وهو: أن المرأة إنما ترث، إذا مات الزوج عند قيام النكاح، فإذا طلقها ثلاثًا صارت أجنبية، فوجب أن لا ترث (٢)، كما بعد انقضاء العدة وموت الزوج، فإنها [لا] (٣) ترث بالإِجماع (٤).
(١) وإنما ورّثها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي الروايات خلاف في زمن توريثها، منها ما صرحت فيها: (بعد انقضاء العدة)، ومنها: (وهي في عدتها)، ومنها: ما جرّدت عن ذكرها. رواه الشافعي في الأم ٥/ ٢٥٤؛ عبد الرزاق في مصنفه ٧/ ٦٢، ٦٣. واستدل الأحناف أيضًا بإجماع الصحابة عل توريثها في العدة. انظر: المبسوط ٦/ ١٥٥؛ فتح القدير ٤/ ١٤٥، ١٤٦. (٢) انظر: الأم ٥/ ٢٥٤؛ الروضة ٨/ ٧٢. (٣) زيدت لتصحيح الحكم. (٤) نقل المؤلف هنا الإِجماع علي عدم توريث المبتوتة بعد انقضاء عدتها وموت الزوج، وهو غير مسلم له؛ لأن مذهب مالك: على توريث المبتوتة وإن تزوجت، وكلذلك مذهب
أحمد: على توريثها ما لم يتزوج. وإنما يصح نقله إذا حملناه عل مذهب أبي حنيفة، وعلي أظهر قولي الشافعي رحمهم الله تعالى. انظر: ابن جزي، محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي المالكي، قوانين الأحكام الشرعية، ص ٢٥٣؛ الحطاب، أبو عبد الله عمد بن محمد الرعيني، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٤/ ٢٧ وما بعدها؛ البهوتي، منصور بن يونس، كشاف القناع عن متن الإقناع ٤/ ٤٨٤؛ بالإضافة إلى مصادر المذهبين السابقة.
مسألة:
٢٩٢ – ما يهدم الزوج من الطلاق وما لا يهدم إذا طلق امرأته طلاقًا رجعيًا، فتزوجت زوجًا آخر، ثم عادت إلى الزوج الأول فإن عندنا: تستأنف عليها ثلاث تطليقات (١)، وعند الشافعي: يملك عليها ما بقي من الطلاق (٢). دليلنا: أن المرأة لما تزوجت زوجًا آخر، فقد انقطع ملك الزوج الأول بالكلية، فإذا عادت إليه [بملك النكاح] (٣)، فقد عادت بملك جديد، فوجب أن يملك عليها ثلاث تطليقات، كما في الابتداء (٤). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الزوج يملك على المرأة بملك النكاح ثلاث تطليقات، فإذا طلقها واحدة، وتزوجت زوجًا آخر: بقيت تلك التطليقتان ملكًا للزوج؛ لأنها عادت بالملك القديم (٥).
(١) انظر: المبسوط ٦/ ٩٥.
(٢) انظر: الأم ٥/ ٢٥٠؛ الوجيز ٢/ ٥٨؛ الروضة ٨/ ٧١؛ المنهاج، ص ١٠٧. (٣) في الأصل: (يملك بالنكاح). (٤) انظر: المبسوط ٦/ ٩٥، ٩٦. (٥) واستدل الشافعي بالتفريق بين المطلقة ثلاثًا، ومن هي دون ذلك: حيث إن البائنة بثلاث لا تحل للزوج الأول حتى تنكح زوجًا آخر، وأما المطلقة بما دون الثلاث، فإنها لا يتغير حكمها بالنسبة للزوج الأول سواء تزوجت زوجًا آخر أم لم تتزوج؛ لأن الأول كان له أن يتزوجها قبل أن يتزوجها الآخر. ونقل الرملي عن البلقيني الاستدلال بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ووجه الدلالة: «لأنه لم يفرق بين أن تتزوج آخر ويدخل بها قبل الثالثة، وأن لا، فاقتضى ذلك عدم الفرق». انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٢٥٠؛ نهاية المحتاج ٦/ ٤٥٤؛ وما ورد من الآثار في أدلة الطرفين: السنن الكبرى ٧/ ٣٦٤، ٣٦٥.
باب الرجعة (١) [مسألة]:
٢٩٣ – الوطء في الطلاق الرجعي الطلاق الرجعي، عندنا: لا يحرم الوطء (٢)، وعند الشافعي: يحرم (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن الطلاق إذا كان
رجعيًا، لا يوجب زوال ملك النكاح، بدليل: أنه يملك مراجعتها بغير رضاها. فثبت أن ملك النكاح قائم؛ لأن ملك النكاح إنما يزول باستيفاء الثلاث وبانقضاء العدة، ولم يوجد هاهنا هذا المعنى، فوجب أن يكون الملك باقيًا؛ لأن الملك لما كان باقيًا، فالحل الذي يبني على الحل وجب أن يكون باقيًا (٤).
(١) الرجعة: بفتح الراء أفصح من كسرها، قال ابن فارس: الرجعة: مراجعة الرجل أهله، وقد تكسر«، وهي لغة: المرة من الرجوع. انظر: معجم مقاييس اللغة؛ المصباح المنير، مادة: (رجع). وشرعًا: عرفها الأحناف:»بأنها عبارة عن استدامة الملك القائم في العدة، بنحو: راجعتك وما يوجب حرمة المصاهرة«. وعرفها الشافعية بأنها:»رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة علي وجه مخصوص«. انظر: البناية ٤/ ٥٩١؛ اللباب ٣/ ٥٤؛ مغنى المحتاج ٣/ ٣٣٥. (٢) انظر: القدوري، ص ٧٦؛ المبسوط ٦/ ١٩؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٢٦١؛ الهداية ٤/ ٦١٤ مع شرح البناية. (٣) فإن وطئها الزوج»فلا يحد ولا يعزر إلا معتقد تحريمه، وعليه مهر مثل إن لم يراجع وكذا إن راجع علي المذهب” ويلحقه الولد وعليها العدة. انظر: الأم ٥/ ٢٤٤؛ المهذب ٢/ ١٠٣؛ المنهاج، ص ١١١. (٤) انظر: المبسوط ٦/ ٢٠؛ البناية ٤/ ٦١٤.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أنه لما طلقها واحدة، فقد أزال ملكه، فوجب أن يحرم الوطء، كما في طلاق البائن، وكما في انقضاء العدة؛ لأن الوطء مما يحتاط فيه (١). مسألة:
٢٩٤ – كيفية ثبوت الرجعة الرجعة تثبت [بالقول والفعل] (٢) عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا تثبت إلا بالقول (٤). بيان ذلك: إذا طلقها طلاقًا رجعيًا، [ثم] إذا قبلها أو وطئها، أو باشرها يصير مراجعًا لها عندنا، وعند الشافعي: لا يصير. دليلنا في المسألة، وهو: أن الفعل أقوى من القول؛ لأن الظاهر في حال المسلم أنه لا يطأ إلا امرأته، فحملنا إقدامه على الوطء دليلًا علي المراجعة، كي لا يقع فعله في الحرام (٥). احتج الشافعي، وقال: إن الرجعة أقيمت مقام النكاح، لما فيه من استباحة الوطء ثم أن النكاح لا يثبت إلا بالقول، فكذلك الرجعة، وجب أن لا تثبت إلا بالقول (٦).
(١) انظر: المصادر السابقة للشافعية. (٢) زيدت ما بين القوسين ليستقيم معنى الجملة وفق المذهب الحنفي وفي الأصل: (يثبت عندنا). (٣) انظر: القدوري، ص ٧٦؛ المبسوط ٦/ ١٩؛ الهداية ٤/ ٥٩٣؛ مع البناية. (٤) انظر: الأم ٥/ ٢٤٤؛ المهذب ٢/ ١٠٤؛ الروضة ٨/ ٢١٧. (٥) انظر بالتفصيل: المبسوط ٦/ ٢٠، ٢١؛ الهداية مع البناية ٤/ ٥٩٦، وراجع دليل المسألة
السابقة (٢٩٣)، ص ٤٥٧. (٦) انظر المصادر السابقة للشافعية. وسبب الخلاف بين المذهبين في المسألتين يرجع إلى أن الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح، عند الشافعية حتى يحرم وطؤها، وعند الأحناف هي استدامة النكاح، والفعل دلالة عليها. انظر: البناية ٤/ ٥٩٣، ٥٩٤.
باب الإِيلاء (١) [مسألة]:
٢٩٥ – الفرقة في الإيلاء إذا قال لامرأته: والله لا أقربك، أو لا أطؤك، يتربص أربعة أشهر، فإن وطئها في أربعة أشهر، تلزمه كفارة اليمين، ويبقيان علي النكاح، فإذا لم يطأها تقع الفرقة بينهما بانقضاء المدة، ولا يحتاج إلى قضاء القاضي، عندنا (٢)، وعند الشافعي: القاضي يطلقها، أو يحبسه حتى يطلقها (٣). والأصل في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِن
(١) الإيلاء: مصدر آلى يؤلى إيلاء: إذا حلف، فهو: مؤل، وتألى وائتلى كذلك؛ والجمع: آلايا. ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولا يأتل أولوا الفضل منكم …﴾ (النور: ٢٢). «وكان طلاقًا في الجاهية فغير الشرع حكمه وخصه بالحلف عل الامتناع من وطء الزوجة مطلقًا، او أكثر من أربعة أشهر». انظر: الصحاح، والمصباح، مادة: (ألي)، مغنى المحتاج ٣/ ٣٤٣. وشرعًا عرفه الكمال
ابن الهمام بأنه: «اليمين عل ترك قربان الزوجة أربعة أشهر فصاعدًا بالله تعالى أو بتعليق ما يستشقه على القربان». فتح القدير ٤/ ١٨٩. وفصله النووي في المنهاج بقوله: «هو حلف زوج يصح طلاقه: ليمتنعن من وطئها مطلقًا، أو فوق أربعة أشهر، وكذلك لو علق طلاقًا، أو عتقًا، أو قال إن وطئتك فلله علي صلاة أو صوم، كان موليًا». المنهاج، ص ١١١. (٢) انظر: القدوري، ص ٧٧؛ المبسوط ٧/ ٢٠؛ الهداية ٤/ ٦٣٥ مع البناية. (٣) انظر: الأم ٥/ ٢٧١؛ المهذب ٢/ ١١٢؛ الوجيز ٢/ ٧٦؛ المنهاج، ص ١١٢؛ نهاية المحتاج ٧/ ٨٠.
عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾ (١)، فالله تعالى جعل عزم الطلاق إلى الزوج، فلا يشترط فيه حكم القاضي (٢). احتج الشافعي [في المسألة]، وهو: أن الزوج لما قال: والله لا أقربك أربعة أشهر، فقد قصد إلى الإِضرار بها، والظلم لها، والقاضي نصب لإِزالة [الضرر] (٣) والظلم، فوجب أن يشترط حكم القاضي (٤)، كما في فرقة اللعان (٥).
(١) سورة البقرة: آية ٢٢٦، ٢٢٧. (٢) انظر الأدلة بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٣٥٥، وما بعدها، راجع المصادر السابقة للأحناف. (٣) في الأصل: (الضرورة). (٤) راجع: المصادر السابقة
للشافعية. (٥) تنظير المؤلف الإيلاء باللعان، في اشتراط قضاء القاضي للفرقة، لا يستقيم إلا باعتبار أن اللعان لا يتم إلا عن طريق الحاكم، وكذلك الفرقة في الإِيلاء. وأما إذا أراد به أن الفرقة لا تقع إلا بقضاء القاضي، فلا يصح؛ لأن الفرقة عند الشافعية تقع بمجرد لعان الزوج قولًا واحدًا، يقول النووي رحمه الله في الروضة: «ولا يتوقف شيء منها [الأحكام]، على لعانها ولا قضاء القاضي». وإنما يصح هذا، إذا حملناه علي قول الأحناف؛ لأن الفرقة باللعان لا تقع عندهم إلا بتفريق الحاكم بينهما. انظر: مختصر المزني، ص ٢١١؛ الروضة ٨/ ٣٥٦؛ المنهاج، ص ١١٤؛ المبسوط ٧/ ٤٣؛ الهداية ٤/ ٢٨٥ مع فتح القدير والعناية.
باب الظهار (١) [مسألة]:
٢٩٦ – ظهار الذمي ظهار الذمي، عندنا: لا يجوز (٢)، وعند الشافعي: يجوز (٣). وهو أن حكم الظهار إنما هو الكفارة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤) فإذا كان حكمه: حكم الكفارة، والكافر ليس من أهل الصوم؛ لأن الصوم عبادة، وهو ليس من
أهل العبادة، فوجب أن لا يصح ظهاره (٥).
(١) الظهار لغة: مأخوذ من الظهر، يقال: «ظاهر من امرأته ظهارًا، وتظهر واظاهر، بمعنى أن يقول لزوجته:»أنت عليَّ كظهر أمي«وكان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فغير الشرع حكمه إلى تحريمها بعد العود ولزوم الكفارة، وهو حرام. انظر: المغرب، المصباح، مادة: (ظهر)، نهاية المحتاج ٧/ ٨١. وشرعًا عرفه الأحناف بأنه:»تشبيه المسلم زوجته أو ما يعبر به عنها أو جزءًا شائعًا منها بمحرمة عليه تأبيدًا«. انظر: فتح القدير ٤/ ٢٤٥؛ الدر المختار ٣/ ٤٦٦ مع حاشية ابن عابدين؛ اللباب ٣/ ٦٧. وعرفه الشربيني من الشافعية بأنه:»تشبيه الزوجة غير البائن بأنثى لم تكن حلا”. انظر: الروضة ٨/ ٢٦١؛ مغنى المحتاج ٣/ ٣٥٢. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢١٤؛ المبسوط ٦/ ٢٣١. (٣) انظر: الأم ٥/ ٢٧٦؛ المهذب ٢/ ١١٩؛ الوجيز ٢/ ٧٨؛ المنهاج، ص ١١٢. (٤) سورة المجادلة: آية ٣، ٤. (٥) واستنبط الجصاص من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ اختصاص الظهار بالمؤمنين دون أهل الذمة، وذلك؛ لأن الخطاب للمؤمنين خاصة. انظر بالتفصيل: أحكام القرآن ٣/ ٤١٧ وما بعدها؛ المبسوط ٦/ ٢٣١.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، إلا أن
الشرع أنكر عن ذلك، حيث قال ﴿منكرًا من القول زورا﴾ (١) فإذا ثبت أن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، والكافر من أهل الطلاق، فوجب أن يكون من أهل الظهار (٢). مسألة: ٢٩٧ – كفارة الظهار من نسوة بكلمة واحدة إذا كانت أربع نسوة، وظاهرهن بكلمة واحدة، فقال لهن: أنتن عليّ كظهر أمي، تلزمه: أربع كفارات عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا تلزمه إلا واحدة (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن الظهار أيمان عندنا، فإذا جعلناه أيمانًا لزمه الكفارات في كل يمين؛ لأن اليمين أربع، فوجب أن تكون كفارته بمثل ذلك (٥). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الزوج لما قال: أنتنّ علي كظهر أمي، بلفظة واحدة، فإن هذا يمينًا واحدًا؛ لأن المحل وإن كان متعددًا، لكن لفظه ليس بمتعدد، فوجب أن يكفي فيه كفارة واحدة (٦).
(١) سورة المجادلة: آية ٢. (٢) راجع: المراجع السابقة للشافعية. سبب الخلاف بين المذهبين راجع إلى المسألة الأصولية: هل الكفار مخاطبون بفروع الشرع أم لا؟ وقد سبق تفصيل هذه المسألة في المسألة (٧٠)، ص ١٦٨. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢١٣؛ القدوري، ص ٧٨؛ المبسوط ٦/ ٢٢٦. (٤) ما ذكره المؤلف عن الشافعي هو القول القديم عنه، وأما القول الجديد ففيه تلزمه لكل واحدة كفارة، كالأحناف، كما نص
عليه الشافعي رحمه الله في الأم والنووي في المنهاج. انظر: الأم ٥/ ٢٧٨؛ المهذب ٢/ ١١٥؛ المنهاج، ص ١١٣. (٥) انظر: المبسوط ٦/ ٢٢٦. (٦) واستدل الشافعي – للقول الجديد – قياسًا على الطلاق، حيث يقول: «لأن التظاهر تحريم لكل واحدة منهن، لا تحل له بعد حتى يكفر، كلا يطلقهن معًا في كلمة واحدة أو كلام متفرق، فتكون كل واحدة منهن طالقًا» الأم ٥/ ٢٧٨.
كتاب الأيمان (١) [مسألة]:
٢٩٨ – عتق رقبة كافرة في كفارة الظهار إذا كان أعتق رقبة كافرة يجزئ عن الظهار عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجزئ (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن المأخوذ عليه إنما هو عتق الرقبة،
(١) الأيمان: بفتح الهمزة، جمع يمين، واليمين في اللغة: القوة، قال الله عز وجل: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ (الحاقة ٤٥)، أي: القوة والشدة، ويطلق علي اليد اليمين يمين، لوفور قوته: قال الأنباري: «وسمي الحلف يمينًا؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه، فسمى الحلف يمينًا مجازًا». انظر: الصحاح، المصباح، مادة: (يمن). واليمين في الشرع على قسمين: يمين هي: قسم وهو اليمين بالله عز وجل. ويمين هي: الشرط والجزاء مثل:
تعليق الطلاق والعتاق ونحو ذلك بشرط، وهو يمين بعرف أهل الشرع، وأسماء هذا المعنى التوكيدي، ستة: «قسم، ويمين، وحلف، وعهد، وميثاق، وإيلاء». ومن ثم عرفها الحصكفي بأنها: «عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل والترك». انظر: فتح القدير ٥/ ٥٩؛ الدر المختار ٣/ ٧٠٢ مع حاشية ابن عابدين. ووضحها الشربيني من الشافعية بأنها: «تحقيق أمر غير ثابت ماضيًا كان أو مستقبلًا نفيًا أو إثباتًا ممكنًا كحلفه: ليدخلّن الدار، أو ممتنعًا كحلفه: ليقتلن الميت، صادقة كانت أو كاذبة مع العلم بالحال أو الجهل به». مغني المحتاج ٤/ ٣٢٠. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢١٣؛ القدوري، ص ٧٨؛ المبسوط ٧/ ٢؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٥٠٨؛ البدائع ٦/ ٢٩٠٣. (٣) انظر: الأم ٥/ ٢٨٠، ٧/ ٦٥؛ المهذب ٢/ ١١٦؛ الوجيز ٢/ ٨١؛ المنهاج، ص ١١٣.
وهذا قد أعتق رقبة؛ لأن رقبة الكافر رقبة، فوجب أن يجزيه، كما لو أعتق عبدًا مسلمًا. احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن هذا صرف الكفارة إلى الكافر، فوجب أن لا يجوز، كما لو صرف الزكاة إلى الكافر، فإنه لا يجوز (١). مسألة:
٢٩٩ – إعتاق المكاتب عن كفارة اليمين إذا أعتق المكاتب عن كفارة يمينه، يجوز عندنا (٢)، وعند
الشافعي: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة، [وهو]: إن المكاتب عبد قبل أن يؤدي الكتابة، بدليل: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (٤) فسمي المكاتب عبدًا ولو أعتق العبد، لأجزأه، فكذلك المكاتب.
(١) واستدل الطرفان لإِيجاب الكفارة بعتق الرقبة بآية كفارة الظهار، وهي قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾
[المجادلة: ٣]. وإنما نشأ الخلاف بين المذهبين، بقاعدة أصولية وهي: إذا اختلف السبب مع اتحاد الحكم – كما في قوله تعالى في الظهار: ﴿فتحرير رقبة﴾ وفي كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ (النساء ٩٢) – فهل يبقى المطلق علي إطلاقه، أم يحمل المطلق على المقيد؟ . فالأحناف: «أجرو المطلق علي إطلاقه، والمقيد علي تقييده، لا طلاق اسم الرقبة في النصوص». وحمل الشافعي: المطلق علي المقيد جمعًا بين الدليلين. انظر: المبسوط ٧/ ٣؛ البدائع ٦/ ٢٩٢٨؛ المهذب ٢/ ١١٦؛ شرح سمع الجوامع ٢/ ٥٠، ٥١ مع حاشية البناني؛ تيسير التحرير ٨/ ٣٣١. (٢) يجوز إعتاق المكاتب عن الكفارة استحسانًا إذا أعتقه قبل أن يؤدي شيئًا من بدل الكتابة. انظر: المبسوط ٧/ ٥، ٨/ ١٤٤؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٥١٠؛ البدائع ٦/ ٢٩٢٢. (٣) انظر: الأم ٥/ ٢٨١، ٧/
٦٦؛ المهذب ٢/ ١١٧، ١٤٢؛ المنهاج، ص ١١٣، ١٤٥. (٤) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد سبق تخريجه في المسألة (١٣٦)، ص ٢٤١.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المكاتب حر اليد، وإن كانت رقته مملوكة، ألا تري أنه لو حصل مال الكتابة خرج إلى الحرية، شاء المولي أو أبي، فثبت أن المكاتب انعقد له سبب الحرية، فالمأخوذ عليه: إعتاق رقبة، وهو مملوك رقبة ويد، فإذا أعتق المكاتب، وجب أن لا يجوز، كما لو أعتق المدبر، فإنه لا يجزيه، كذلك ها هنا (١). مسألة:
٣٠٠ – شراء القريب بنية التكفير عن اليمين الرجل إذا اشتري قريبه، ناويًا: عن كفارة يمينه، يجوز عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لن يجزئ ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» (٤) فجعله معتقًا بالشراء، فإذا جعلناه معتقًا، وجب أن يجزيه عن الكفارة؛ لأن المأخوذ عليه: إنما هو الإِعتاق، وقد أعتق (٥). احتج الشافعي في المسألة: بهذا الحديث قوله: «إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» أخبر أنه يحتاج إلى الإِعتاق، وهاهنا
(١) واستدل الشيرازي على عدم جواز عتق المكاتب مطلقًا، بقوله: «لأنه يستحق العتق بغير الكفارة بدليل أنه لا يجوز إبطاله بالبيع فلا يسقط بعتقه فرض الكفارة، كما لو باع من فقير طعامًا ثم دفعه إليه عن الكفارة». انظر: الأم ٥/ ٢٨١؛ المهذب ٢/ ١١٧. (٢) انظرة البدائع ٥/ ٢٩٠٦؛ الهداية ٤/ ٢٦٣ مع فتح القدير. (٣) انظر: الأم ٥/ ٢٨١، ٧/ ٦٦؛ المهذب ٢/ ١١٧؛ المنهاج، ص ١١٣. (٤) الحديث رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه: مسلم، في العتق، باب فضل عتق الوالد (١٥١٠)، ٢/ ١١٤٨. (٥) انظر: البدائع ٦/ ٢٩٠٥.
لما اشتري قريبه، حين دخل في ملكه عتق عليه بالشراء، فلا يجزئ عن الكفارة (١). مسألة:
٣٠١ – إعتاق العبد مع الحاجة لخدمته إذا وجب عليه إعتاق الرقبة وهو محتاج إليه لخدمته، فلا يجوز له العدول إلى الصوم عندنا (٢)، وعند الشافعي: يجوز (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن الشرع إنما جعل الصوم بدلًا عن الإعتاق، وهذا الرجل قادر على الإعتاق، فلا يجوز له العدول إلى الصوم، كما نقول في التراب مع الماء؛ لأن الرجل إذا كان قادرًا علي الماء، لا يجوز له العدول إلى التيمم؛ لأن
التراب بدل عن الماء (٤). احتج الشافعي في المسألة؛ لأن [الرجل] (٥) إذا كان محتاجًا إلى خدمته، صار هذا بمنزلة ثياب البذلة والمهنة، ألا ترى أنه لا يجب فيه الزكاة، فإذا لم يجب فيه الزكاة، صار هذا الرجل فقيرًا، فيجوز له التكفير بالصوم، كما لو لم يكن عنده شيء (٦).
(١) رذكر الشيرازي علة عدم الإجزاء بقوله: «لأن عتقه مستحق بالقرابة، فلا يجوز أن يصرفه إلى الكفارة، كما لو استحق عليه الطعام في النفقة في القرابة فدفعه إليه عن الكفارة». المهذب ٢/ ١١٧. (٢) انظر: تحفة الفقهاء ٢/ ٥١٣. (٣) انظر: المهذب ٢/ ١١٦. (٤) انظر: القدوري، ص ٤. (٥) في الأصل: (الور). (٦) انظر: المهذب ٢/ ١١٦.
مسألة:
٣٠٢ – اعتبار حال وجوب الكفارة الاعتبار عن وجوب الكفارة حالة الأداء، عندنا (١)، وعند الشافعي: الاعتبار في حال الوجوب (٢): حتى أنه لو كان موسرًا وقت الوجوب، معسرًا وقت الأداء، لا يجزيه الصوم عنده، وعندنا: يجزيه. دليلنا في المسألة؛ لأن القدرة إنما تشترط وقت أداء العبادات، بدليل: أنه لو كان الرجل قادرًا على أداء الصلاة في أول الوقت، فإذا توضأ وأراد أن يصلي فعجز عن القيام، يجزيه أداء الصلاة وهو
قاعد، عرفنا بهذا أن الاعتبار بحال الأداء لا حال الوجوب (٣). احتج الشافعي في المسألة؛ لأن كون الصوم مجزيًا، إنما عرفناه بخطاب الشرع، والشرع إنما خاطب الموسر بالعتق، وهذا الرجل وقت إيجاب الشرع وهو موسر، فوجب أن لا يجزيه الصوم، كما لو كان موسرًا وقت الأداء (٤).
(١) المبسوط ٨/ ١٤٥؛ البدائع ٦/ ٢٨٩٩. (٢) الأم ٧/ ٦٦؛ المهذب ٢/ ١١٦. (٣) راجع: المراجع السابقة للحنفية. (٤) راجع: المراجع السابقة للشافعية. والظاهر أن الخلاف في هذه المسألة يرجع إلى المسألة الأصولية الخلافية، وهي: (الواجب الموسع، ووقت وجوب الأداء فيه) وسبق أن تحدثت عن هذه المسألة الأصولية بتفصيل، في مسألة (وقت وجوب الصلاة) (٤٥)، ص ١٣٨. وثمرة الخلاف واضحة مما ذكر المؤلف في أول المسألة.
باب اللعان (١) [مسألة]:
٣٠٣ – لعان الذمي لعان الذمي، عندنا: لا يجوز (٢)، وعند الشافعي: يجوز (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن اللعان أيمان، والكافر ليس هو من أهل اليمين، فوجب أن لايصح لعانه. أو نقول: لأن اللعان
(١) اللعان: مصدر لاعن، كقاتل، يقال: لاعنه ملاعنة ولعانًا، أي طرده وأبعده، وهو من باب نفع، وسميت الملاعنة بين الزوجين
بذلك: لبعدهما من الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر. انظر: الصحاح، المصباح، مادة: (لعن)، مغني المحتاج ٣/ ٣٦٧. وشرعًا: عرفة الأحناف بأنه: «شهادة مؤكدة بالأيمان، مقرونة باللعن والغضب وأنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف، وفي جانبها قائم مقام حد الزنا». البدائع ٥/ ٢١٥٠؛ الدر المختار ٣/ ٤٨٢ مع حاشية ابن عابدين. وعرفه الشافعية بأنه: «كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطّخ فراشه وألحق به العار، أو إلى نفي ولد». مغني المحتاج ٣/ ٣٦٧. والخلاف بين الجانبين: هل اللعان، شهادات، أم أيمان؟ فذهب الأحناف إلى أن اللعان شهادات مؤكدات بالأيمان، ومن ثم قالوا: «إن كل من كان من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان، ومن لا فلا». وذهب الشافعية إلى القول، بأنه أيمان مؤكدات بالشهادات، ومن ثم قالوا: إن كل من كان من أهل اليمين فهو من أهل اللعان، سواء كان من أهل الشهادة، أم لم يكن، ومن ثم حدث الخلاف في المسائل الآتية. (٢) انظر: القدوري، ص ٧٩؛ المبسوط ٧/ ٤٠؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٣٢٨؛ البدائع ٥/ ٢١٥١. (٣) انظر: الأم ٥/ ١٢٤، ٢٨٦؛ المهذب ٢/ ١٢٥؛ الوجيز ٢/ ٨٨؛ المنهاج، ص ١١٤.
شهادات مؤكدة بالإيمان، فكيف ما كان
الكافر ليس من أهلها (١). احتج الشافعي في المسألة وهو: أن اللعان حكمه: حكم الطلاق، والكافر من أهل الطلاق، فوجب أن يكون من أهل اللعان (٢). مسألة: ٣٠٤ – لعان الأخرس لعان الأخرس، عندنا: لا يجوز (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤). دليلنا في المسألة: أنه قد ذكرنا أن اللعان: شهادات مؤكدة بالأيمان، والأخرس ليس من أهل الشهادة، فلا يصح لعانه (٥).
(١) وأصل الأحناف في هذه المسألة قوله – ﷺ -: «أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم: اليهودية، والنصرانية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك». الحديث أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، وتكلم المحدثون في سنده، منهم: عثمان بن عطاء، قال عنه الدارقطني: «ضعيف الحديث جدًا»، وكذلك عثمان بن عبد الرحمن الوقّاصي، وقال الدارقطني عنه أيضًا: «متروك الحديث»، وذكر نحوه البيهقي في سننه. ولكن بعضهم ذهبوا إلى تقوية الرواة، وقبول أحاديثهم. انظر بالتفصيل: ابن ماجه، في الطلاق، باب اللعان (٢٠٧١)، ١/ ٦٧٠؛ السنن الكبرى مع الجوهر النقي علي البيهقي ٧/ ٣٩٧؛ نصب الراية ٣/ ٢٤٨. (٢) واستدل الشافعي رحمه الله تعالى بإطلاق آية اللعان على جميع الأزواج، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ (النور ٦)، ومن
ثم يصح «من كل زوج بالغ عاقل مختار مسلمًا كان أو كافرًا حرًا كان أو عبدًا». انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٢٨٦؛ المهذب ٢/ ١٢٥. (٣) انظر: القدوري، ص ٨٠؛ المبسوط ٧/ ٤٢؛ البدائع ٥/ ٢١٥٢؛ الهداية ٤/ ٢٩٣، مع فتح القدير. (٤) ويشترط لصحة لعان الأخرس أن تكون له إشارة معقولة أو كتابة مفهومة. انظر: الأم ٥/ ٢٨٦؛ المهذب ٢/ ١٢٥؛ الوجيز ٢/ ٩١. (٥) راجع المصادر السابقة للحنفية.
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن اللعان حكمه: حكم الطلاق بعد الفراغ، والأخرس من أهل الطلاق، فوجب أن يصح لعانه (١). مسألة:
٣٠٥ – الملاعنة من الزوجة الذمية أو الأمة إذا لاعن الزوج من امرأته الذمية، أومن امرأته الأمة، لا يصح، عندنا (٢)، وعند الشافعي: يصح (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن اللعان: شهادة، إذا فرغ الزوج من اليمين يجب اليمين علي المرأة، ويمين كل واحد منهما شهادة في حق صاحبه، فلو قلنا: إنه يصح، يكون هذا قبول شهادة الذمي علي المسلم، وهذا لا يجوز (٤). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الزوج لما فرغ من اللعان، وجب علي المرأة اليمين، وهذا اليمين إنما وجب عليها شرعًا، والشرع إنما أوجب عليها اليمين، جعل قولها
معتبرًا، فوجب أن يصح؛ لأنها تحتاج إلى دفع هذا الشين عن نفسها (٥).
(١) انظر: المهذب ٢/ ١٢٥؛ وراجع سبب الخلاف في المسألة (٣٠٣)، ص ٤٣٢. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٠؛ المبسوط ٧/ ٤٠؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٣٢٧؛ البدائع ٥/ ٢١٥١. (٣) انظر: الأم ٥/ ٢٨٦؛ المهذب ٢/ ١٢٠؛ الوجيز ٢/ ٨٨؛ المنهاج، ص ١١٤. (٤) انظر: القدوري، ص ١٠٧. (٥) راجع المصادر السابقة للشافعية. سبب الخلاف راجع إلى ما ذكرته في تعريف اللعان، راجع المسألة (٣٠٣)، ص ٤٣٢.
مسألة:
٣٠٦ – اجتماع المتلاعنين المتلاعنان يجتمعان: عندنا إذا أكذب نفسه (١)، وعند أبي يوسف والشافعي: لا يجتمعان (٢). [(٣) دليلنا في المسألة، وهو: أن الزوج لمّا أكذب نفسه، زال ذلك المعنى الذي ذكرنا: وهو [تحريم] الشرع الجمع بينهما، فوجب (٤) أن يجتمعا (٥). احتج الشافعي، في المسألة:»ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا» (٦) وهذا نص].
(١) وإذا أكذب نفسه بعد الملاعنة يحدّ ويعدّ خاطبًا من الخطاب، وهناك تفصيل في زمن الإِكذاب لترتب آثاره. انظر: القدوري، ص ٨٠؛ المبسوط ٧/ ٤٣، ٤٤؛ الهداية ٤/ ٢٨٨، مع فتح
القدير. (٢) انظر: الأم ٢٩٠/ ٥؛ المهذب ٢/ ١٢٨؛ المنهاج، ص ١١٤. وراجع قول أبي يوسف رحمه الله في كتب الأحناف السابقة. (٣) هنا في عرض الأدلة وقع قلب في النسخة، بمعنى: ذكر دليل أبو حنيفة في موقع دليل الشافعي والعكس، وهو سهو من الناسخ، ولذا استحسنت إعادة كل دليل إلى موضعه بعد التأكد من كتب المذهبين، والأدلة كما ذكرها المؤلف بنصه: «دليلنا في المسألة ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال:»المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا«، وهذا نص. احتج الشافعي في المسألة، وقال: وهو أن الزوج لما أكذب نفسه زال ذلك المعنى الذي ذكرنا: حرم الشرع بينهما فوجب أن يجتمعا». (٤) قال المصنف: «فوجب أن يجتمعا» مع أنه لا يلزمه نكاحها وإنما له ذلك عن طريق الجواز، انظر المصادر السابقة. (٥) وذلك باعتبار أن الإِكذاب رجوع، والشهادة بعد الرجوع لا حكم لها. انظر أدلتهم بالتفصيل: في المصادر السابقة للأحناف. (٦) أصل هذا الخبر كما رواه أبو داود في سننه عن سهل بن سعد، أنه بعد ما حضر مجلس الملاعنة قال: «فطلقها ثلاث تطليقات، فأنفذه رسول الله – ﷺ -، وكان ما صنع عند النبي – ﷺ – سنة، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله – ﷺ -، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان».
=
مسألة:
٣٠٧ – حق حد القذف حد القذف (١)، عندنا: من حقوق الله تعالى، كحد شرب الخمر والزنا، وعند الشافعي: من حقوق الآدميين (٢). دليلنا في المسألة؛ لأن حد القذف إنما يجب بنسبته إلى الزنا،
= ولكن أخرجه الدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، وموقوفًا أيضًا علي عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما، وكذلك عبد الرزاق وابن أبي شيبة موقوفًا علي عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ولم يروياه مرفوعًا أصلًا. انظر: سنن أبي داود، في الطلاق، باب اللعان (٢٢٤٥، ٢٢٥٠)، ٢/ ٢٧٥؛ سنن الدارقطني ٣/ ٢٧٤ – ٢٧٧؛ مصنف عبد الرزاق ٢/ ١١٧، ١١٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥١، ٣٥٢؛ نصب الراية ٣/ ٢٥٠، ١٥١؛ التلخيص الحبير ٣/ ٢٢٧. (١) القذف لغة: الرمي بالحجارة وغيرها، من باب ضرب. انظر: المصباح، مادة: (قذف). واصطلاحًا: «نسبة من أحصن إلى الزنا، صريحًا أو دلالة». البناية ٥/ ٤٧٩. انظر: نهاية المحتاج ٧/ ٤٣٥. (٢) حد القذف: حد مشترك بين حق الله سبحانه وتعالى وحق العبد، أما كونه حق الله تعالى: فمن حيث إن نفعه يقع عامًا بإخلاء المجتمع عن الفساد، وأما كونه حق العبد، فلأن فيه
صيانة العرض ودفع العار عن المقذوف. وإلى هنا لا خلاف بين المذهبين. وإنما وقع الخلاف في تغليب أحد الحقين علي الآخر، وتظهر نتيجة هذا الخلاف في ترتب آثاره. فذهب الأحناف إلى تغليب حق الشرع علي حق العبد، «لأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه، فيصير حق العبد مرعيًّا»، وكذلك لتسمية القذف حدًا كما في حد السرقة والزنا، «وما يجب للعبد لا يسمى حدًا، بل قصاصًا وتعزيزًا». وذهب الشافعي إلى: تغليب حق العبد على الشرع، «تقديمًا لحق العبد، باعتبار حاجته وغناء الشرع». هذا هو الأصل المختلف الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها: الصلح، والعفو من المقذوف، وتوريث دعوي القذف، فلا يصح شيء من هذه عند الأحناف، ويصح عند الشافعي. للخلاف السابق ذكره. انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٢٢٧؛ الاختيار ٣/ ٤٩، ٥٠؛ الهداية ٥/ ٤٩١، مع البناية؛ المهذب ٢/ ٢٧٣، ٢٧٥؛ الروضة ٨/ ٣٢٥؛ مغني المحتاج ٤/ ١٥٥؛ نهاية المحتاج ٧/ ٤٣٧.
وحرمة الزنا لله تعالى، فكذلك الحد الذي وجب بنسبته، وحد الزنا لله تعالى. احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن حد القذف إنما وجب لإِزالة الشين عن المقذوف وإزالة الشين يكون حقًا للعبد، لا يكون لله تعالى فيه شيء. مسألة:
٣٠٨ – حد القذف على
الزوج
إذا شهد الزوج مع ثلاثة أنفس على امرأته بالزنا، فإن عندنا: لا يجب الحد علي الزوج ولا علي الشهود (١)، وعند الشافعي: يلزم الحد علي الزوج والشهود (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن الزوج من أهل الشهادة في الجملة، إلا أن ها هنا إنما لا تقبل شهادته لتوهم عدم الحسبة، ولكن الزنا قد ثبت بشهادتهم بوجود العدد، إلا أنه لا يقام عليها الحد؛ لأن أحد الشهود إنما هو الزوج، فإذا سقط الحد عنها، فوجب أن يسقط عن الزوج أيضًا (٣). احتج الشافعي، في المسألة وقال؛ لأن الزوج لمّا شهد مع ثلاثة، لم تقبل هذه الشهادة، وإذا لم تقبل هذه الشهادة، صار
(١) إذا شهد الزوج على زوجته بالزنا مع ثلاثة آخرين، «ولم يكن من الزوج قذف قبل ذلك تقبل شهادتهم، ويقام عليها الحد». انظر: المبسوط ٧/ ٥٤؛ البدائع ٥/ ٢١٤٧؛ الدر المختار، ٤/ ٧، مع حاشية ابن عابدين. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٣٣١، ٣٣٤؛ نهاية المحتاج ٧/ ٤٣٧. (٣) الدليل الذي ذكره المصنف للأحناف لا يتفق مع حكمهم للمسألة كما ذكرته، واحتج الكاساني لقبول شهادة الزوج على زوجته، بقوله: «إن شهادته بالقبول أولى من شهادة الأجنبي؛ لأنها أبعد من التهمة، إذ العادة أن الرجل يستر علي امرأته ما يلحقه به شين، فلم يكن متهمًا في
شهادته، فتقبل كشهادة الوالد على ولده». البدائع ٥/ ٢١٤٧. انظر: المبسوط ٧/ ٥٤، ٥٥.
الزوج والشهود قاذفًا للمرأة، فوجب أن يقام على الزوج الحد، كما نقول علي [الشهود الثلاثة] (١).
(١) في الأصل: (على ثلاثة الشهود). راجع المصادر السابقة للشافعية.
باب العدة (١) [مسألة]:
٣٠٩ – هل تحيض الحامل؟ الحامل لا تحيض، عندنا (٢)، وعند الشافعي: تحيض (٣). فائدة المسألة: أن الحامل إذا رأت الدم، لا تدع الصلاة والصوم عندنا (٢)، وعند الشافعي: تدع (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن ورود الدم إنما يعرف: بالعرف والعادة، والعرف قد جري فيما بين النسوان إذا حبلت لا تحيض؛ لأن فم الرحم ينسد بعد العلوق، فإذا رأت الدم بعد ذلك، يكون من علة، لا من حيض (٤).
(١) العدة: جمعها عدد، وهي مأخوذة من العدد والحساب، «لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر غالبًا». انظر: الصحاح، والمصباح، مادة: (عدد). وشرعًا: عرفها الكاساني من الأحناف، بأنها: «اسم لأجل ضرب لانقضاء ما بقي من آثار النكاح». البدائع ٤/ ١٩٩٥. وعرفها صاحب مغني
المحتاج بأنها: «اسم لمدة تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة رحمها أو للتعبد، أو لتفجعها على زوجها» ٣/ ٢٨٤. (٢) ما تراه الحامل من الدم في أثناء الحمل يكون دم استحاضة عند الأحناف. انظر: القدوري، ص ٦؛ المبسوط ٣/ ١٤٩؛ الهداية ١/ ٦٩١، مع البناية. (٣) قال النووي في المجموع: «اتفق الأصحاب علي أن الصحيح أن [دم الحامل] حيض. انظر: المهذب ٢/ ٥١؛ المنهاج، ص ٨؛ المجموع ٢/ ٣٩٥. (٤) واستدل الأحناف من النقل بأحاديث كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا قال في سبايا أوطاس:»لا توطأ حامل حتى تستبريء بحيضة”. أخرجه أبو داود، وقد سبق تخريجه في المسألة (٣٧)، ص ١٣٠. =
احتج الشافعي، في المسألة: أن ترك الصلاة والصوم متعلق بورود الدم في محل مخصوص، فإذا وجد الدم، وجب أن يثبت الحيض (١). مسألة:
٣١٠ – إلحاق المولود لستة أشهر بعد انقضاء العدة المرأة إذا أقرت بانقضاء العدة، ثم أتت بولد بعد ستة أشهر، فإن عندنا: لا يلحق بالزوج (٢)، وعند الشافعي: يلحق (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن النسب إنما يلحق بالزوج بقيام الفراش، لقوله – ﷺ -: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٤) وقيام الفراش بقيام النكاح، أو بقيام
العدة، وكلاهما قد انقطع ها هنا، فوجب أن لا يلحق بالزوج. احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن المرأة لما ولدت [لأكثر] (٥) من ستة أشهر، تبين أن الولد كان من الزوج؛ لأن الولد لا يجيء بأقل من ستة أشهر، فثبت بهذا أن الولد للزوج (٦).
= ووجه الاستدلال: حيث أن النبي – ﷺ -: «جعل وجود الحيض علمًا علي براءة الرحم من الحبل». انظر بالتفصيل: البناية في شرح الهداية ١/ ٦٩٢، ٦٩٣. (١) انظر: المجموع ٢/ ٣٩٦. (٢) انظر: القدوري، ص ٨١؛ المبسوط ٦/ ٥٠؛ البناية ٤/ ٨١٩. (٣) يلحق الولد بالزوج عند الشافعية مطلقًا: إذا ولدت لأربع سنين فأقل من وقت الفراق. انظر: الروضة ٨/ ٣٧٨؛ شرح المحلي على المنهاج ٤/ ٤٥، مع حاشيتي قليوبي وعميرة؛ نهاية المحتاج ٧/ ١٣٨. (٤) الحديث أخرجه الشيخان من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما: البخاري، في الحدود، باب للعاهر الحجر (٦٨١٧، ٦٨١٨)، ١٢/ ١٢٧؛ مسلم، في الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات (١٤٥٧، ١٤٥٨)، ٢/ ١٠٨٠. (٥) في الأصل: (الأقل)، والظاهر من السياق عدم صوابه. (٦) راجع: المصادر السابقة للشافعية.
مسألة: ٣١١ – العدتان (١)، تتداخلان، عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا
تتداخلان (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن العدة حق من حقوق الله تعالى، إذا اجتمعا تتداخلان (٤)، كما قلنا في الحدود (٥). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن العدة إنما وجبت علي المرأة حقًا للزوج قضاء لحق النكاح، فكان حق العبد من هذا الوجه، وحقوق العباد ألا تتداخل، كما في سائر حقوق العباد (٦).
(١) صورة المسألة: أن توطأ المرأة المعتدة بشبهة ولو من المطلق، وكذلك «لو تزوجت المعتدة من الطلاق برجل ودخل بها، ففرق بينهما، فعليها عدة واحدة من الأول والآخر: ثلاث حيض»، عند الأحناف، وعند الشافعي: عليها لكل منهما عدة. البدائع ٤/ ١٩٩٥. (٢) القدوري، ص ٨١؛ المبسوط ٦/ ٤١؛ البدائع ٤/ ١٩٩٥؛ الهداية ٤/ ٧٨٨، مع البناية. (٣) ما ذكره المؤلف عن الشافعي: «بأن العدتين لا تتداخلان». هذا إذا كانت العدتان من شخصين، وأما إذا كانت العدتان المتفقتان بالأقراء أو الأشهر من شخص واحد فتتداخلان. انظر: الأم ٥/ ٢٣٣؛ المهذب ٢/ ١٥١؛ المنهاج، ص ١٥٥. (٤) وذلك لأن العدة أجل، «والآجال تنقضي بمدة واحدة في حق الواحد والجماعة كآجال الديون». والمقصود الأساسي مها هوة العلم بفراغ رحمها من مائة ويحصل ذلك بثلاث حيض. انظر بالتفصيل: المبسوط ٦/ ٤٢؛ البدائع ٤/ ١٩٩٥. (٥) قال السرخسي: «مبني، الحدود على التداخل». المبسوط ٩/ ١٠٢. (٦)
واحتج الشافعي من النقل بما روى سعيد بن المسيب: أن عمر رضي الله عنه عزّر الزوجين المتزوجين في العدة، وقضى علي الزوجة بإكمال العدتين للزوج الأول والثاني، وروي نحوه عن علي رضي الله عنه أيضًا. انظر بالتفصيل: الأم ٥/ ٢٣٣؛ المهذب ٢/ ١٥١، ١٥٢. وراجع سبب الخلاف في تعريف العدة، في المسألة (٣٠٩)، ص ٤٣٩.
مسألة:
٣١٢ – عدة أم الولد أم الولد إذا أعتقها سيدها، أو مات عنها سيدها، فإن عدّتها عندنا: ثلاث حيض (١)، وعند الشافعي: حيضة واحدة (٢). دليلنا في المسألة، وهو: إن عدة أم الولد تشبه عدة الحرائر من وجه، وعدة الإِماء من وجه، فقدرناها بثلاثة أشهر، لشبهها بالجانبين (٣). احتج الشافعي في المسألة، [وهو]: أن عدة أم الولد تشبه الاستبراء، فوجب أن تكون مقدار الحيضة، كما في استبراء الجارية (٤).
(١) انظر: القدوري، ص ٨١؛ المبسوط ٦/ ٥٤؛ البدائع ٤/ ٢٠٠١؛ الهداية ٤/ ٧٨٤ مع البناية. (٢) انظر: الأم ٥/ ٢١٨؛ المهذب ٢/ ١٥٥؛ المنهاج، ص ١١٧؛ نهاية المحتاج ٧/ ١٦٧. (٣) واستدل الأحناف بما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر وعلي وعمرو بن العاص رضي الله عنهم: «بأن عدة أم الولد
ثلاث حيض». مصنف محمد بن أبي شيبة ٥/ ١٦٢، ١٦٣؛ البدائع ١/ ٢٠٠٤؛ فتح القدير ٤/ ٣٢٢. (٤) انظر: المهذب ٢/ ١٥٥.
باب الرضاع (١) [مسألة]:
٣١٣ – المحرِّم من الرضاع الرضاع عندنا: يثبت بمرة واحدة (٢)، وعند الشافعي: لا يثبت إلا بخمس رضعات (٣). دليلنا في المسألة، [وهو]: أن حرمة الرضاع إنما تثبت بالجزئية والبعضية؛ لأن اللبن غذاء للصبي، فإذا وصل الغذاء إلى جوفه بمرة واحدة، تثبت الجزئية، فوجب أن تثبت الحرمة (٤).
(١) الرضاع: مصدر رضع يرضع رضاعًا ورضاعة – بفتح الراء وكسرها، لغتان وذكر فيه ثلاث لغات: (سمع، وضرب، وفتح). وهو لغة: «اسم لمص الثدي». انظر: الصحاح، المصباح، القاموس المحيط، مادة: (رضع). وشرعًا: عرفه صاحب الدر المختار بأنه: «مص لبن آدمية في وقت مخصوص» ٣/ ٢٠٩. وفصله الشربيني من الشافعية بقوله: «هو اسم لحصول لبن امرأة أو ما حصل منه في معدة طفل أو دماغه). مغني الحتاج ٣/ ٤١٤. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٢٠؛ القدوري، ص ٧٢؛ المبسوط ٥/ ١٣٤؛ الهداية ٤/ ٣٣٨ مع البناية. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ٢٢٦؛ المهذب ٢/ ١٥٧؛ الوجيز ٢/ ١٠٥؛ المنهاج، ص ١١٧. (٤) واستدل الأحناف
من النقل بإطلاق قوله سبحانه وتعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ (النساء ٢٣)، وبقوله – ﷺ -:»يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب”. من غير تفصيل. الحديث أخرجه الشيخان من حديث عائشة وابن عباس رضي الله عنهم، البخاري، في الشهادات، باب الشهادة علي الأنساب والرضاع المستفيض، (٢٦٤٥)، ٥/ ٢٥٣، مسلم، في الرضاع، باب تحريم الرضاعة من، ماء الفحل (١٤٤٥)، ٢/ ١٠٦٩. انظر: المبسوط ٥/ ١١٣٤؛ الهداية مع البناية ٤/ ٣٤١.
احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ -: «أنه أثبت الرضاع بخمس رضعات» (١). مسألة:
٣١٤ – مدة الرضاع مدة الرضاع عندنا: سنتان ونصف (٢)، وعند الشافعي: سنتان (٣). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا﴾ (٤) فالله تعالى أخبر أن مدة الرضاع سنتان ونصف (٥).
(١) ويقصد به ما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان فيما أنزل الله تعالى في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن: بخمس معلومات فتوفي – ﷺ – وهن فيما يقرأ من القرآن». أخرجه مسلم، في الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (١٤٥٢)، ٢/ ١٠٧٥. وما روي عنها أيضًا: قالت: قال رسول الله – ﷺ -: «لا تحرم المصة
والمصتان»: أخرجه مسلم، في الرضاع، باب في المصة والمصتان (١٤٥٠)، ٢/ ١٠٧٤. (٢) هذا قول أبي حنيفة، وأما الصاحبان فذهبا إلى أن مدة الرضاع سنتان كقول الشافعي، قال في تصحيح القدوري وغيره: وبقولهما الفتوي، وهو المختار لدي الطحاوي. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٢٠؛ القدوري، ص ٧٢؛ المبسوط ٥/ ١٣٥؛ الهداية مع فتح القدير ٣/ ٤٤١؛ اللباب ٣/ ٢٢٠. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ٢٢٧؛ المهذب ٢/ ١٥٦؛ المنهاج، ص ١١٧. (٤) سورة الأحقاف: آية ١٥. (٥) ووجه الدلالة من الآية لأبي حنيفة رحمه الله تعالى «أنه سبحانه وتعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدة، فكانت لكل واحد منهما بكمالها كالأجل المضروب للدينين على شخصين …» شرح فتح القدير ٣/ ٤٤٢. ووجه استدلال الصاحبين من الآية: أن أدني مدة الحمل ستة أشهر، فبقي للفصال حولان، لأنه تعالى قال: ﴿وفصاله في عامين﴾ (لقمان ١٤)، وبما رواه الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا: «لا رضاع إلا في حولين». وأظهر الأدلة لهما قول الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾، قال ابن الهمام: «فجعل التمام بهما ولا مزيد علي التمام». انظر: المبسوط ٥/ ١٣٦؛ الهداية وشروحها: فتح القدير مع العناية ٣/ ٤٤٢؛ والبناية ٤/ ٣٤٤، ٣٤٥.
احتج الشافعي في المسألة، وقال: بأنا لو خلينا والقياس، لكنا نقول: إن لبن الآدمية حرام؛ لأنه جزء منه والآدمي محرم جميع أجزائه، إلا أن الشرع أباحه للصبي للضرورة؛ لأن طبعه لا [يحتمل] الغذاء، فلو غذيناه بلبن البهائم، ربما يتخلق بأخلاق البهائم، فالشرع أباحه لأجل الضرورة، فإذا بلغ السنتين فقد زالت الضرورة؛ لأن طبعه يحتمل الغذاء، فقدرناه السنتين لهذا المعنى (١). مسألة:
٣١٥ – سقي الصبي اللبن إذا شيب بالماء وسقي الصبي، عندنا: لا تثبت الحرمة إذا كانت الغلبة للماء (٢)، وعند الشافعي: تثبت الحرمة، سواء كان الماء غالبًا أو مغلوبًا (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن اللبن إنما يثبت الحرمة لحصول الغذاء؛ لأن الغذاء يثبت الجزئية ولهذا قال النبي – ﷺ -: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» (٤)، فإذا ثبت أن اللبن إنما يثبت
(١) واحتج الشافعي من النقل بقول الله عز وجل: ﴿حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (البقرة ٢٣٣)، وأدلة أخرى. انظر: المصادر السابقة للشافعية، مع أدلة الصاحبين رحمهم الله تعالى. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٢٢؛ القدوري، ص ٧٢؛ المبسوط ٥/ ١٤٠. (٣) لكن يشترط عند الشافعية: «أن يكون اللبن قدرًا يمكن أن يسقي منه خمس دفعات لو انفرد عن الخليط علي أصح الوجهين عندهم».
انظر: مختصر المزني، ص ٢٢٧؛ المهذب ٢/ ١٥٨؛ المنهاج، ص ١١٧؛ الروضة ٩/ ٥١٤. (٤) الحديث أخرجه أبو داود والبيهقي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. قال: «لا رضاع إلا ما شد العظم وأنبت اللحم»، وفي رواية: «وأنشز العظم». وفي السند: أبو موسى الهلالي وأبوه، قال أبو حاتم: مجهولان. ولكن أخرجه البيهقي من وجه آخر من حديث أبي حصين عن أبي عطية قال: . جاء رجل إلى أبي موسى فذكره بمعناه: أبو داود، في النكاح، باب في رضاعة الكبير (٢٠٥٩، ٢٠٦٠)، ٢/ ٢٢٢؛ السنن الكبرى ٧/ ٤٦٠، ٤٦١؛ التلخيص الحبير ٤/ ٤.
الحرمة لمكان الغذاء، فإذا كان الماء غالبًا لا يحصل معنى الغذاء، فوجب أن لا تثبت الحرمة (١). احتي الشافعي في المسألة؛ لأن الغذاء أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه، [فا] الشرع أقام السبب الظاهر: وهو اللبن مقام خفة الغذاء، كما قلنا: في السفر؛ لأن السفر قد أبيح فيه الإفطار لأجل المشقة، والمشقة أمر باطن لا يمكن الوقوف عليه، فالشارع أقام السبب الظاهر الدال علي المشقة مقام المشقة (٢)، فكذلك هاهنا (٣). مسألة:
٣١٦ – الرضاع بلبن الميت لبن الميت يثبث الحرمة عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا يثبت (٥). دليلنا في
المسألة، وهو: أن اللبن إنما يثبت الحرمة لما فيه من إثبات الجزئية والبعضية، وهذا المعنى لا يختلف في لبن الميتة والحية؛ لأن (بضع الحرمة) (٦) مما يحتاط فيه، فوجبت فيه الحرمة، كما في لبن الحي (٧). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن اللبن إذا انفصل من الميت لا يعطي له حكم لبن الأحياء؛ لأن لبن الأحياء إنما يثبت
(١) راجع المصادر السابقة للأحناف. (٢) انظر: العلة. من أركان القياس في كتب الأصول، الغزالي، شفاء الغليل، ص ٤٥٧. (٣) واحتج الشافعية، بالقياس على وقوع النجاسة في الماء القليل. انظر: مختصر المزني، ص ٢٢٧؛ المهذب ٢/ ١٥٨. (٤) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٢٢؛ القدوري، ص ٧٣؛ المبسوط ٥/ ١٣٩. (٥) انظر: مختصر المزني، ص ٢٢٧؛ المهذب ٢/ ١٥٨؛ الوجيز ٢/ ١٠٥؛ المنهاج، ص ١١٧. (٦) هكذا في الأصل. (٧) انظر: المبسوط ٥/ ١٣٩.
الحرمة شرعًا، والشرع إنما يثبت الحرمة في لبن الحي، فلو قلنا: بأنه يثبت [في] لبن الميتة إنما يثبت استدلالًا أو قياسًا، والقياس لا مدخل له في باب الحرمات (١).
(١) قول المؤلف: (بان القياس لا مدخل له في باب الحرمات) سليم إن اقتصرناه علي موطن
النزاع؛ لأن المحرمات في النكاح: إما نسبًا أو إرضاعًا أو مصاهرة، وكلها ثابتة بالنص. راجع سبب الخلاف أبي المسألة: المبسوط ٥/ ١٣٩.
باب النفقات (١) [مسألة]:
٣١٧ – خيار فسخ النكاح بإعسار الزوج عن النفقة إذا أعسر الرجل في نفقة المرأة، لا يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح عندنا (٢) وعند الشافعي: يثبت (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أنا أجمعنا: على أن إعسار الزوج عن المهر لا يثبت للمرأة خيار الفسخ، فإعساره عن النفقة أولى أن لا يثبت للمرأة [خيار الفسخ؛ لأن] (٤) المهر أقوى من النفقة وجوبًا، ثم أن العجز عن المهر لما لم يثبت الخيار، فالنفقة أولي (٥).
(١) النفقات: جمع نفقة وهي مشتقة من النفوق، وهو الهلاك، يقال: نفقت الدابة نفوقًا: هلكت، أو من النفاق، وهو: الرواج، نفقت السلعة نفاقًا: راجت. انظر: المغرب، مختار الصحاح، المصباح، مادة: (نفق). وشرعًا هي: «الطعام والكسوة والسكني»، وتجب النفقة علي الغير بأسباب ثلاثة: زوجية وقرابة وملك، وجمعها هنا، لاختلاف أنواعها. انظر: الدر المختار ٣/ ٥٧١، ٥٧٢؛ مغني المحتاج ٣/ ٤٢٥. (٢) وعلى الزوجة أن تستدين بأمر القاضي، ويحال الغريم علي الزوج. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٢٣؛ القدوري، ص
٨٢؛ المبسوط ٥/ ١٩٠؛ الهداية ٤/ ٣٨٩، مع شرح فتح القدير والعناية. (٣) انظر: الأم ٥/ ٩١؛ المهذب ٢/ ١٦٤؛ المنهاج، ص ١٢٠. (٤) في الأصل: فراغ فزيدت ليستقيم المعنى. (٥) واستدل الأحناف من النقل بقوله عز وجل: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (البقرة ٢٨٠) ووجه الدلالة كما قال الكمال بن الهمام: «وغاية النفقة أن تكون دينًا في الذمة، وقد أعسر بها الزوج فكانت المرأة مأمورة بالإِنظار بالنص». انظر أدلتهم بالتفصيل: المبسوط ٥/ ١٩١؛ فتح القدير مع العناية ٤/ ٣٩١، ٣٩٢.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المقصود من النكاح في حق المرأة: قضاء الشهوتين، ثم لوفاتها شهوة الفرج، بأن وجد زوجها: عنينًا أو مجبوبًا يثبت لها خيار الفسخ، فإذا فاتها مقصود شهوة البطن: وهو النفقه أولى أن يثبت لها خيار الفسخ؛ لأن المرأة ربما تصبر عن قضاء شهوة الفرج شهرًا أو دهرًا، ولا تصبر عن شهوة البطن يومًا، ثم فوات شهوة الفرج لما أثبت لها الخيار، ففوات شهوة البطن أولى (١). مذهبنا مذهب [سفيان الثوري] (٢) رضي الله عنه سئل هذه المسألة؟ فأجاب بأن قال: امرأة أبتليت، فلتصبر حتى يستبين موته أو طلاقه.
(١) واستدل الشيرازي من
النقل بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي – ﷺ – قال: في الرجل لا يجد ما ينفق علي امرأته: «يفرق بينهما». أخرجه الدارقطني والبيهقي. انظر: سنن الدارقطني ٣/ ٢٩٧، السنن الكبرى ٧/ ٤٧٠؛ نيل الأوطار ٦/ ٣٦٤. وانظر أقوال المحدثين في الحديث: التلخيص الحبير ٤/ ٨؛ وما رواه الشافعي من الآثار؛ الأم ٥/ ٩١. (٢) في الأصل: (مذهبنا مذهب رضي الله عنه)، وإنما روي هذا الأثر عن سفيان الثوري كما أثبتّه في المتن، كما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وابن حزم في المحلي بلفظ: (هي امرأة ابتليت فلتصبر). انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٩٦؛ المحلي ١٠/ ٩٧. انظر: المبسوط ٥/ ١٨٩، ١٩٠؛ البناية ٤/ ٨٧٠.
كتاب الإِكراه (١) [مسألة]:
٣١٨ – القصاص في الإكراه إذا أكره على قتل رجل بالسيف، فقتله المكره، فإن القصاص يجب: علي المكرِه عندنا (٢). وعند الشافعي: يجب القصاص عليهما جميعًا (٣)، وعند أبي يوسف: لا يجب القصاص عليهما جميعًا (٤). وعند مالك: يجب القصاص علي المكره ولا يجب على المكرِه (٥).
(١) الإِكراه لغة: حمل الإِنسان علي أمر يكرهه، يقال: «أكرهته على الأمر إكراهًا: حملته عليه قهرًا». وشرعًا:
عرفه المرغيناني، «بأنه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينفي به رضاه أو يفسد به اختياره مع بقاء أهليته» أو هو «حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد» وهو نوعان: ملجيء بأن يكون بتلف نفس أو عضو، وغير ملجيء: بأن يكون بحبس أو قيد أو ضرب. وترتب الأحكام في هذا الموضع إنما يكون بالنوع الأول وهو: الملجيء مع شروط أخرى. انظر: مختار الصحاح؛ الصباح؛ التعريفات، مادة: (كره)، الهداية ٨/ ١٧٢؛ مع البناية؛ الدر المختار ٦/ ١٢٨ مع حاشية ابن عابدين؛ اللباب ٤/ ١٠٧. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٤٠٩؛ القدوري، ص ١١٣؛ المبسوط ٢٤/ ٧٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤٦٢؛ اللباب ٤/ ١١٢. (٣) قال النووي في المنهاج: «ولو أكرهه علي قتل فعليه القصاص وكذا علي المكره في الأظهر» من قولي الشافعي. انظر: الأم ٦/ ٤١؛ المهذب ٢/ ١٧٨، ١٩٣؛ الوجيز ٢/ ١٢٣؛ المنهاج، ص ١٢٢. (٤) انظر: المبسوط ٢٤/ ٧٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤٦٢. (٥) ما حكاه المؤلف عن مالك غير دقيق. والصحيح من مذهب مالك: أنه يقتل المكرِه لتسببه، كما يقتل المكرَه لمباشرته، بشرط أن يكون المكره خائفًا من قتل الأمر. =
دليلنا في المسألة، وهو: أن المكرِه لما أكرهه على القتل، فقد ألجاه بذلك؛ لأن
المكرَه ما فعل باختياره، إنما فعل خوفًا من السيف؛ لأن الِإنسان مجبول بحب حياته، فكان فعله نافلًا عن المكرِه، فصار المكرَه كالآلة. كما لوألقى حية على إنسان فلسعته الحية، أو وضع نارًا على صدر إنسان وأحرقته النار ومات، فإن القصاص يجب على الملقي، وإن كان القتل بفعل النار أوبفعل الحية، كذلك ها هنا (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المكرَه مباشر للقتل والمكرهِ مسبب للقتل، فكان كل واحد منهما مشتركًا في هذا الفعل، فصار كما لو اجتمعا وقتلاه، أحدهما: بسبب، والآخر: بالمباشرة، فإنه يجب القصاص عليهما؛ لأن السبب إذا كان قويًا، أقيم مقام المباشرة (٢)، كما: لو حفر بئرًا على قارعة الطريق، فوقع فيه إنسان فمات، فإنه يجب على الحافر الضمان، لهذا المعنى (٣). وأما أبو يوسف فإنه قال: لا أوجب على المكرِه القصاص؛ لأنه ما باشر بنفسه، ولا أجب القصاص على المكرَه؛ لأنه ما قتل باختياره، فأورث الشبهة فيهما جميعًا فيسقط القصاص مع الشبهة (٤).
= وإنما يصح قول المؤلف إذا حملناه على أن الإكراه غير ملجئ، مع أن الجميع اشترطوا الِإلجاء. انظر: الشرح الصغير ٥/ ٧٣؛ قوانين الأحكام الشرعية، ص ٣٧٤. (١) واستدل السرخسي لقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى بقول الله عز وجل: ﴿يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم﴾ (القصص ٤). ووجه الدلالة كما
قال السرخسية «فقد نسب الله الفعل إلى المعين وهو ما كان يباشر صورة، ولكنه كان مطاعًا فأمر به وأمره إكراه». انظر بالتفصيل: المبسوط ٧٣/ ٢٤، ٧٤، ٧٥. (٢) انظر: المهذب ٢/ ١٧٨. (٣) المصدر السابق ٢/ ١٩٤. (٤) انظر بالتفصيل: المبسوط ٢٤/ ٧٥.
وقال مالك: القصاص يجب على المكرَه؛ لأنه مباشر للقتل باختياره (١)، فإيجاب القصاص عليه أولى (٢). مسألة:
٣١٩ – طلاق المكره وعتاقه طلاق المكره واقع، وعتاقه صحيح، عندنا (٣)، وعند الشافعية لا يصح، ولا يقع (٤). دليلنا في المسألة: «ما روي أن امرأة وجدت زوجها نائمًا، فأخذت سكينًا، فجلست على صدره، فقالت: تطلّقني ثلاثًا أو لأذبحنّك، فناشدها بالله تعالى فأبت، فطلقها ثلاثًا، فرفع ذلك إلى النَّبِيّ – ﷺ -:، فأجاز ذلك الطلاق (٥).
(١) وردت العبارة في الأصل بلفظ: (لأنه مباشرة للقتل باختياره، كان هذا مباشرًا للقتل باختياره). (٢) وهذا لا يصلح دليلًا لمذهب مالك كما ذكرت؛ لأن مذهبه: القصاص على المكره والمكره كالشافعية. انظر تفصيل هذه الأقوال مع أدلتها فية المغني، لابن قدامة ٨/ ٢٦٦، ٢٦٧. (٣) يقع ويصح طلاق وعتاق المكره عند الأحناف، ولكن للمكره أن»يرجع على الذي أكرهه بقيمة العبد وبنصف مهر المرأة
إن كان الطلاق قبل الدخول«. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٤٠٧؛ القدوري، ص ١١٣؛ المبسوط ٢٤/ ٦٢، ٦٣؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٤٦٥. (٤) ما ذكره المؤلف هو ما كان الِإكراه فيه بغير حق، وأما إن كان الِإكراه بحق:»كالمؤلى إذا أكرهه الحاكم على الطلاق وقع طلاقه «، وكذلك»يتصور الِإكراه بحق في البيع بشرط العتق«. انظر: الهذب ٣/ ٢، ٧٩؛ المنهاج، ص ١٠٧، ١٥٧؛ مغني الحتاج ٤/ ٤٩٢. (٥) الحديث أخرجه ابن حزم في المحلى، وأورده الزيلعي في نصب الراية نقلًا من كتاب الضعفاء للعقيلي، برواية صفوان بن غزوان الطائي، ذكر القصة … وفيها، فقال النَّبِيّ – ﷺ -:»لا قيلولة في الطلاق«. وفي المسند: غازي بن جبلة الجبلاني، قال ابن أبي حاتم والبخارية هو منكر الحديث في طلاق المكره، وقال ابن حزم:»وهذا خبر في غاية السقوط …”. انظر: المحلى ١٠/ ٢٠٣؛ نصب الراية ٣/ ٢٢٢.
احتج الشافعي في المسألة:»بما روي عن النَّبِيّ – ﷺ – أنه قال: «لا طلاق في إغلاق» (١) والمراد به: الِإكراه (٢)
(١) الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم في مستدركه، من حديث عائشة رضي الله عنها: أبو داود، في الطلاق، باب في الطلاق على غلط (٢١٩٣)، ٢/ ٢٥٨؛
ابن ماجة، في الطلاق، طلاق المكره والناس (٢٠٤٦)، ١/ ٦٥٩، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»؛ المستدرك ٢/ ١٩٨. (٢) وتفسيره: بالإِكراه، هو: قول أكثر علماء الغريب: كابن قتيبة، والخطابي، وابن السيد وغيرهم، كما ذكر ابن حجر، وفسره أبو داود في سننه: بالغضب، وكذا أحمد، وقال أبو عبيد: الإِغلاق: التضييق، وقيل: بمعنى الجنون. انظر: سنن أبي داود ٢/ ٢٥٨؛ التلخيص الحبير ٣/ ٢١٠.
كتاب القصاص (١) [مسألة]:
٣٢٠ – قتل المسلم بالذمي المسلم يقتل بالذمي عندنا (٢)، وعند الشافعية لا يقتل (٣). دليلنا في المسألة: أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا نص علينا من غير نكير (٤)، قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٥). من غير تفصيل بين المسلم والذمي، وصح بما روي
(١) القصاص: بكسر القاف، قال الأزهرية القصاص المماثلة، وهو مأخوذ من القص وهو: القطع، وقال الواحدي وغيره من المحققين: هو من اقتصاص الأثر وهو تتبعه؛ لأن المقتص يتبع جناية الجاني، فيأخُذ مثلها، يقال: اقتص من غريمه، وأقص السلطان فلانًا إقصاصًا، أية قتله قودًا، وأقصه من فلان: جرحه مثل جرحه، واستقصيه: سأله أن يقصه. انظر: الصحاح، المغرب،
المصباح، مادة: (قص)، تصحيح التنبيه، ص ١٣١. والأصل أن القصاص حكم من ضمن أحكام الجنايات المترتبة عليها: القصاص أو الدية، والكفارة، وحرمان الأرث. وأصحاب كتب الفقه يعنونون هذا الكتاب: بالجنايات، وبوب في بعض كتب الشافعية: بكتاب الجراح، وقال الشربيني: وكان التبويب بالجنايات أولى لشمولها: الجناية بالجرح وغيره كالقتل بمثقل ومسموم وسحر«. مغني المحتاج ٤/ ٢. الجناية لغة:»ما يجتنيه من شر«وشرعًا:»اسم لفعل محرم حل بمال أو نفس”. المغرب، مادة: (الجناية)، الدر المختار ٦/ ٥٢٧، مع حاشية ابن عابدين. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٩؛ المبسوط ٢٦/ ١٣١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٥. (٣) انظر: الأم ٦/ ٢٥؛ المهذب ٢/ ١٧٤؛ الوجيز ٢/ ١٢٥؛ المنهاج، ص ١٢٣. (٤) انظر: أصول الزدوي مع كشف الأسرار ٣/ ٢١٢، ٢١٣. (٥) سورة المائدة: آية ٤٥. انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٤٠ وما بعدها
عن النَّبِيّ – ﷺ -: «أنه أقاد مسلمًا بذمي» (١)، وهذا نص. احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القصاص مبني على المساواة، ولا مساواة بين الكافر والمسلم، لقوله تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ (٢)؛ لأن المسلم عصم دمه بالإِسلام، والذمي عصم دمه بعقد الذمة، فلم يستويا في العصمة، فوجب أن لا يجب القصاص على المسلم بقتل الذمي،
كما لوقتل مستأمنًا، ولا خلاف أن المسلم إذا قتل ذميًا خطأ يلزمه الدية على قاتله، ولو قتل المسلم المرتد والحربي لا يلزمه شيء (٣). مسألة: ٣٢١ – قتل الحر بالعبد الحر يقتل بالعبد عندنا (٤)، وعند الشافعية لا يقتل (٥)، ولا خلاف أن الرجل يقتل بالمرأة (٦).
(١) الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني مرفوعًا ومرسلًا. فأما المرفوع: فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله – ﷺ – قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: «أنا أكرم من وفى بذمته». واختلف المحدثون في رفعه وإرساله، كما اختلفوا في رواته، فقال الدارقطني والبيهقي: «لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث». وقالا: «والصواب: أنه مرسل من حديث ابن البيلماني» وقال الدارقطني: «وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله». انظر: سنن الدارقطني ٣/ ١٣٥؛ السنن الكبرى ٨/ ٣٠، ٣١. انظر بالتفصيل: ما أخذ على الحديث: نصب الراية ٤/ ٣٣٥، ٣٣٦. (٢) سورة الحشر: آية ٢٠. (٣) راجع: المصادر السابقة للمذهبين. واستدلوا من النقل بما روي عن علي رضي الله عنه مرفوعًا إلى النَّبِيّ – ﷺ -: «لا يقتل مسلم بكافر»، أخرجه البخاري، في الديات وغيره، باب لا يقتل المسلم بالكافر (٦٩١٥)، ١٢/ ٢٦٠. (٤)
انظر: القدوري، ص ٨٩؛ المبسوط ٢٦/ ١٢٩؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٥؛ الهداية ١٠/ ٢١، مع البناية. (٥) انظر: الأم ٦/ ٢٥؛ المهذب ٢/ ١٧٤؛ الوجيز ٢/ ١٢٥؛ المنهاج، ص ١٢٣. (٦) انظر: الأم ٦/ ٢١؛ وراجع: مراجع المذهبين السابقة.
دليلنا في المسألة، وهو: أن القصاص إنما يجب لتفويت الروح، والعبد والحر في ذلك لا يختلفان؛ لأن العبد والحر في حق الحرمة – لكونه آدميًا أو مخاطبًا – واحد، فوجب أن يستويا في وجوب القصاص (١). احتج الشافعي في المسألة: قد ذكرنا أن القصاص مبني على المساواة، ولا مساواة بين الحر والعبد، فوجب أن لا يجب عليه القصاص، لهذا المعنى (٢). مسألة:
٣٢٢ – القتل بمثقل القتل بالمثقل، عندنا: لا يجب به القصاص (٣)، وعند الشافعي: يجب به القصاص (٤)، ولا خلاف: أنه إذا قتله بالسوط الصغير، لا يجب القصاص، ولا خلاف: في العصا الكبير إذا قتل به (٥).
(١) واستدل الأحناف لمذهبهم من النقل بعمومات آيات القصاص كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾
[البقرة: ١٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾
[المائدة: ٤٥]. انظر بالتفصيل: المبسوط ٦/ ١٣٠؛ البناية ١٠/ ٢١. (٢) واستدل
الشافعية لمذهبهم بما روي عن علي وغيره من الصحابة رضي الله عنهم من الآثار أنه: «لا يقتل حر بعبد». انظر بالتفصيل: ما أورده البيهقي من الآثار في باب، لا يقتل حر بعبد ٨/ ٣٤؛ التلخيص الحبير ٤/ ١٦؛ مع المراجع السابقة للشافعية. (٣) الموجب للقصاص عند أبي حنيفة: ما تعمد القتل فيه بالسلاح، أو بما سواه مما يجرح، فقتله به. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٣٢؛ القدوري، ص ٨٨؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٩؛ الاختيار ٣/ ١٥٥ – ١٥٧؛ اللباب ٣/ ١٤٢. (٤) انظر: الأم ٦/ ٥، ٦؛ المهذب ٢/ ١٧٧؛ الوجيز ٢/ ١٢١؛ المنهاج، ص ١٢٢. (٥) والصحيح أن في العصا الكبيرة خلاف: فعند أبي حنيفة تكون الجناية شبه عمد، ولا يوجب القود، خلافًا للصاحبين والشافعي. راجع: المصادر السابقة للمذهبين، المغني، لابن قدامة ٨/ ٢٦٢.
دليلنا في المسألة، وهو:»ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه خطب في حجة الوداع فقال: «ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، والدية فيه مائة من الِإبل» (١) فالنبي – ﷺ – أوجب في شبه العمد: الدية. ولم يوجب القصاص، ولو كان واجبًا لأمره. احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القصاص إنما يجب بتفويت الروح، وقد حصل ها هنا،
تفويت الروح بفعل القصد، فيجب القصاص عليه، لقول النَّبِيّ – ﷺ -: «من حرّق حرّقناه، ومن غرّق غرقناه، ومن نَبَشَ قطعناه» (٢).
(١) الحديث أخرجه أصحاب السنن إلَّا الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أبو داود، في الديات، باب في الخطأ شبه العمد (٤٥٤٧)، ٤/ ١٨٥؛ النسائي، في القسامة، باب كم دية شبه العمد ٨/ ٤٠؛ ابن ماجة، في الديات، باب دية شبه العمد مغلظة (٢٦٢٧)، ٢/ ٨٧٧؛ وصححه ابن حبان، وقال ابن القطان: «هو صحيح ولا يضره الاختلاف». انظر: نصب الراية ٤/ ٣٣١، ٣٣٢؛ التلخيص الحبير ٤/ ١٥. (٢) الحديث أخرجه البيهقي في السنن والمعرفة من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعًا، ونقل ابن حجر عن المعرفة قوله: «في الإسناد بعض من يجهل، وإنما قاله زياد في خطبته». انظر: السنن الكبرى ٨/ ٤٣؛ التلخيص الحبير ٤/ ١٩. ومن أقوى أدلتهم ما رواه الشيخان من حديث أنس رضي الله عنه: «أن يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقتلها، فأمر النَّبِيّ – ﷺ -:»برضَ رأسه بين حجرين«: البخاري، في الديات، باب من أقاد بحجر (٦٨٧٩)، ١٢/ ٢٠٤؛ مسلم، في القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره (١٦٧٢)، ٣/ ١٢٩٩. انظر: المهذب ٢/ ١٧٧. منشأ الخلاف بين المذهبين صادر من
تعريف العمد: فالعمد عند أبي حنيفة كما عرفه القدوري هو:»ما تعمد ضربه بسلاح أوما جرى مجرى السلاح في تفريق الأجزاء، كالمحدد من الخشب والحجر والنار«. والعمد عند الشافعية كما عرفه النووي، بأنه:»قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبًا جارح أو مثقل”. انظر: القدوري، ص ٨٨؛ المنهاج، ص ١٢٢.
مسألة:
٣٢٣ – موجب العمد موجب العمد عندنا: القصاص متعينًا، ليس له العدول إلى المال إلَّا برضا [أولياء من وقع] (١) عليه القتل (٢). وعند الشافعية موجب العمد شيئان: إما القصاص وإما الدية، فالوليّ بالخيار: إن شاء مال إلى القصاص، وإن شاء مال إلى الدية، فأيهما مال إليه تعين عليه (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن ضمان المتلفات مقدر [با]، لمثل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (٤)، وقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (٥) فأوجب المماثلة: في إيجاب القصاص، لا في إيجاب المال؛ لأن بين المال وبين الآدمي لا مماثلة بينهما، لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى، وبين القصاص والقتل مماثلة في كل وجه؛ لأنه قتل بإزاء قتل، ونفس بإزاء نفس؛ لأن القتل الأول لتشفي الغيظ ولدرك الثأر، والقتل الثاني بهذا المعنى، فكان بينهما مماثلة بهذا الوجه،
فجعلنا حقه من القصاص متعينًا (٦).
(١) زيدت ما بين القوسين لاستقامة العبارة، وفي الأصل: «إلَّا برضا عليه القتل». (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٣٢؛ القدوري، ص ٨٨؛ المبسوط ٢٦/ ٥٩؛ الهداية ١٠/ ٢٠، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٠؛ المهذب ٢/ ١٨٩؛ المنهاج، ص ١٢٥. (٤) سورة البقرة: آية ٩٤. (٥) سورة الشورى: آية ٤٠. (٦) واستدل الأحناف لذلك بقوله عز وجل: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ (المائدة ٤٥)، وبقوله – ﷺ -: «العمد قود»، الحديث أخرجه ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بهذا اللفظ. وأخرج عنه، أصحاب السنن الأربعة إلَّا الترمذي، بلفظ: «(… من قتل عمدًا فهو قود، …» الحديث: أبو داود، في الديات، باب من قتل في عمياء بين قوم (٤٥٣٩)،=
احتج الشافعي في المسألة:»بما روي عن النَّبِيّ – ﷺ – أنه قال: «من قتل له قتيل، فأهله بين خيرتين، إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا مالوا إلى الدية» (١) فالنبي – ﷺ -: أثبت التخيير بين القصاص والدية، وهذا نص في هذه المسألة (٢). مسألة:
٣٢٤ – قيمة دية العبد قيمة العبد،
عندنا لا يبلغ بالغة ما بلغ، ولايزاد على دية الحر، بل ينقص من دية الحر عشرة (٣)، وعند الشافعي: يبلغ (٤). بيان ذلك: إذا قتل العبد خطأ، وكانت قيمته عشرين ألفًا، عند أبي حنيفة ديته لا تزاد على عشرة آلاف، وعند الشافعي: تجب جميع قيمته وهو: عشرون ألفًا. دليلنا في المسألة، وهو: أن الدية إنما تجب بمقابلة الدم، والعبد والحر في حق الدم لا يختلفان، وإنما يختلفان في المالية والرق، فلو قلنا: إِنَّهُ يبلغ بالغة ما بلغ، يكون في هذا إيجاب المال
= ٤/ ١٨٣؛ والنسائي في الديات، باب من قتل بحجر أو سوط ٨/ ٣٩؛ ابن ماجة، في الديات، باب من حال بين ولي المقتول وبين القاتل (٢٦٣٥)، ٢/ ٨٨٠. انظر بالتفصيل: المبسوط ٢٦/ ٦٠؛ نصب الراية ٤/ ١٢٧ وما بعدها. (١) الحديث أخرجه الجماعة إلَّا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظ مسلم: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدي وإما أن يقتل»: البخاري، في الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين (٦٨٨٠)، ١٢/ ٢٠٥؛ مسلم، في الحج، باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها (١٣٥٥)، ٢/ ٩٨٨. (٢) انظر: المهذب ٢/ ١٨٩. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٤٣؛ القدوري، ص ٩٢؛ الهداية ١٠/ ٢٩٤، مع البناية. (٤)
انظر: الأم ٦/ ٢٥، ٢٦؛ المهذب ٢/ ٢١١.
في مقابلة دم العبد زيادة على دم الحر، فيؤدي إلى تفصيل العبد على الحر، وهذا لا يجوز (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المال إنما يجب ها هنا حقًا للمولى في مقابلة تفويت مالية العبد؛ لأن حق المولي مالية العبد، والعبد يساوي ها هنا عشرين ألفًا، فلو نقصنا منه يكون هذا بخسًا في حق المولي، فأوجبناه بالغة ما بلغ (٢). مسألة:
٣٢٥ – اشتراك الأب مع أجنبي في قتل الابن الأب والأجنبي إذا اشتركا في قتل الابن، أجمعوا (٣): على أنه لا قصاص على الأب، واختلفنا في الأجنبي، هل يجب القصاص عليه؛ عندنا: لا يجب (٤)، وعند الشافعي: يجب (٥). دليلنا في المسألة، وهو: أن هذا قتل حصل بفعلين: فعل أحدهما: موجب، والآخر: غير موجب، فلا يجب القصاص، كالخاطئ مع العامد إذا اشتركا في القتل، فإنه لا قصاص عليهما، فكذلك ها هنا (٦).
(١) واستدل الأحناف لمذهبهم بقول الله عز وجل: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (النساء ٩٢). ووجه الاستدلال: أن الله تعالى أوجبها مطلقًا من غير فصل بين الحر والعبد «والدية اسم للواجب بمقابلة الآدمية؛ لأن فيه معنى الآدمية حتى
يكون مكلفًا، وفيه معنى المالية، والآدمية أعلاهما فيجب اعتبارها بإهدار الأدنى عند تعذر الجمع بينهما». الهداية ١٠/ ٢٩٦، مع البناية. (٢) وعلل الشيرازي ذلك نحوه: «لأنه مضمون بالإتلاف لحق الآدمي بغير جنسه، فضمنه بقيمته بالغة ما بلغت، كسائر الأموال». انظر: المهذب ٢/ ٢١١. (٣) انظر ما نقله ابن قدامة من الإجماع، على أن لا قصاص على الأب، المغني ٨/ ٢٩٣، ٢٩٤. (٤) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٣١؛ المبسوط ٢٦/ ٩٤؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٤. (٥) انظر: مختصر المزني، ص ٢٣٧؛ المهذب ٢/ ١٧٥؛ المنهاج، ص ١٢٣. (٦) انظر بالتفصيل: المبسوط ٢٦/ ٩٥.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: إن هذا القتل قتل عمد محض، ينبغي أن يجب القصاص عليهما، إلَّا أنه سقط القصاص عن الأب شبهة للأبوة، وأما الأجنبي فلا شبهة في حقه؛ لأن فعله عمد محض، فأوجبنا القصاص عليه (١). مسألة:
٣٢٦ – اشتراك اثنين في قطع يد واحدة اليدان لا تقطعان (٢) باليد الواحدة [عندنا] (٣)، وعند الشافعي: تقطع (٤). دليلنا في المسألة، وهو: إن القصاص في الأطراف مبني على المساواة بين اليدين وبين اليد الواحدة؛ لأنه جزء معين، بخلاف القصاص [في النفس] (٥)؛ لأنه تقتل العشرة بالواحدة، وإنما كان كذلك؛ لأن القصاص
إنما يجب لتفويت الروح، والروح ما لا يتجزأ، فجعلنا كل واحد منهما قاتلًا على الكمال، وأما ها هنا قطع اليدين متجزئ، فيمكننا أن نجعل كل واحد منهما قاطعًا بعضه، فأوجبنا فيه المساواة (٦). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المعنى في وجوب القصاص إنما هو الزجر، ألا ترى أن القصاص في النفس، تقتل
(١) انظر: المهذب ٢/ ١٧٥؛ مغني المحتاج ٤/ ٢٠. (٢) صورة المسألة: إذا وضع أحد الجانبيين السكين من جانب، والآخر من جانب، وأمرّا حتى التقى السكينان، أو وضعوا سيفًا على يده وتحاملا عليه دفعة واحدة فأباناها. (٣) ولا قصاص على القاطعين عند الأحناف، وعليهما نصف الدية. انظر: مختصر الطحاوي؛ ص ٢٣١؛ القدوري، ص ٩٠؛ المبسوط ٢٦/ ١٣٧؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٥. (٤) انظر: المهذب ٢/ ١٧٩؛ المنهاج، ص ١٢٣. (٥) زيدت لاستقامة العبارة. (٦) راجع: المبسوط ٢٦/ ١٣٧.
العشرة بالواحد لاعتبار معنى الرجز، لا يراعي فيه المماثلة؛ لأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف، وفي النفس لا تعتبر المساواة من العدد، والطرف أولى (١). مسألة:
٣٢٧ – استيفاء الكبير القصاص قبل بلوغ الصغير إذا ثبت القصاص بين الصغير والكبير، عندنا: يجوز للكبير استيفاء القصاص قبل
بلوغ الصغير، وقبل إفاقة المجنون (٢)، وعند الشافعي: لايجوز للكبير استيفاء القصاص حتى يبلغ الصغير (٣). ولا خلاف أنه إذا ثبت القصاص للحاضر والغائب، لا يجوز للحاضر استيفاؤه حتى يقدم الغائب (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن القصاص حق لا يتجزأ، وجب بسبب لا يتجزأ وما لا يتجزأ إذا جزئ ينعدم، إما أن يثبت كله أو لا يثبت، أو يثبت بعضه، ولا يمكن أن لا يثبت؛ لأنه ثابت، ولا يمكن أن يثبت لكل واحد منهما؛ لأنه لا يتجزأ، فأثبتنا لكل واحد منهما، ولأنه استيفاء القصاص على الكمال، كما قلنا: في ولاية النكاح (٥).
(١) انظر: المهذب ٢/ ١٧٩؛ مغني المحتاج ٤/ ٢٦. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٣٩؛ المبسوط ٢٦/ ١٧٤؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٦؛ الهداية ١٠/ ٤٠، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٣؛ المهذب ٢/ ١٨٥؛ الوجيز ٢/ ١٣٥؛ المنهاج، ص ١٢٥. (٤) راجع: المصادر السابقة للمذهبيين. (٥) انظر بالتفصيل: المبسوط ٢٦/ ١٧٤، ١٧٥؛ الهداية ١٠/ ٤٠، ٤١؛ الدر المختار ٦/ ٥٣٩؛ مع حاشية ابن عابدين.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القصاص حق مشترك بين الصغير والكبير، فلو قلنا: بأنه يثبت للكبير استيفاؤه، يكون في هذا استيفاء
القصاص مع توهم العفو والسقوط؛ لأن الصغير ربما يبلغ فيعفو عن هذا القصاص، والعفو مندوب شرعًا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١) فلو قلنا: بأنه يثبت للكبير يكون هذا استيفاء القصاص مع توهم العفو، فوجب أن ينتظر إلى بلوغ الصغير، كما قلنا في الغائب والحاضر (٢). مسألة: ٣٢٨ – قتل الواحد بالجماعة الواحد إذا قتل جماعة، عندنا: هذا الواحد يقتل بالكل [و]، لا ينتقل الباقي إلى الدية (٣)، وعند الشافعي: يقتل بالأول، والباقون ينتقلون إلى الدية (٤). دليلنا في المسألة: أجمعنا: على أن العشرة تقتل بالواحد، وجب أن يقتل الواحد بالعشرة؛ لأن الشرع لما جعل العشرة مثلًا للواحد، فمن ضرورته أن يكون هذا الواحد مثلًا للعشرة؛ لأن المماثلة لا تكون بأحد الطرفين، كالعدل؛ لأن أحد الجواليق لما كان عدلًا للآخر، لا بد أن يكون العدل للآخر مماثلًا له (٥). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القصاص عبارة عن المساواة، ولا مساواة بين الواحد والعشرة؛ لأنا لو خلينا والقياس، لكنا نقول: إن العشرة لا تقتل بالواحد، إلَّا أنا تركنا القياس بحديث عمر رضي الله عنه:
(١) سورة البقرة: آية ٢٣٧. (٢) راجع المصادر السابقة للشافعية. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٠؛ المبسوط ٢٦/ ١٢٧؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٤٤. (٤) انظر: الأم ٦/ ٢٢؛ المهذب ٢/
١٨٤؛ الوجيز ٢/ ١٢٧، ١٣٥؛ المنهاج، ص ١٢٣. (٥) انظر: المبسوط ٢٦/ ١٢٨.
لما روي أن سبعة قتلوا واحدًا بصنعاء، فقتلهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم» (١) وكان المعنى فيه: أن الجماعة قتلوا الواحد [فـ]ـجعلنا كل واحد منهم قاتلًا على الكمال باعتبار أن الروح لا يتجزأ، فلم تعتبر المساواة بهذا العذر، وهذا المعنى في هذا الجانب معدوم (٢). مسألة:
٣٢٩ – عمد الصبي في القتل لا خلاف أنه لا قصاص على الصبيّ والمجنون، وأما الصبي إذا عمد إلى قتل البالغ، فعندنا: عمده وخطأه سواء (٣)، وعند الشافعي: عمده عمد (٤). وفائدته: أن الدية عندنا: تجب على عاقلته؛ لأنه بمنزلة قتل الخطأ، وعند الشافعي: قتله عمد، تجب الدية في ماله، إلَّا أن القصاص يسقط لعذر الصبا. دليلنا في المسألة: بما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (٥)، فالنبي – ﷺ – أخبر أن الصبي
(١) الأثر أخرجه الإمام مالك، عن سعيد بن المسيب في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في الغيلة والسحر ٢/ ٨٧١؛
والبخاري عن ابن عمر، في الديات باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم، البخاري ١٢/ ٢٢٦، مع فتح الباري. (٢) وذكر الشيرازي علة «تعين حق الباقين في الدية، [بقوله]؛ لأنه فاتهم القود بغير رضاهم، فانتقل حقهم إلى الدية، كما لو مات القاتل». المهذب ٢/ ١٨٤. (٣) انظر: القدوري، ص ٩١؛ المبسوط ٢٦/ ٨٦؛ الاختيار ٣/ ١٦٣. (٤) عمد الصبي عمد على القول الأظهر، كما نص عليه النووي في المنهاج، ص ١٢٢. (٥) سبق تخريج هذا الحديث في المسألة (٤٦)، ص ١٤٠.
مرفوع عنه القلم، فلو قلنا: بأن فعله عمد، لأجرينا عليه القلم، وهذا لا يجوز. احتج الشافعي، في هذه المسألة وهو: أن هذا ضمان إتلاف، والصبي والبالغ في ضمان الإِتلاف سواء، ألا ترى أنه لو أتلف مال إنسان، يجب الضمان في ماله (١) فكذلك ها هنا. مسألة:
٣٣٠ – سراية القود سراية القصاص، تكون مضمونة: عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا تكون مضمونة (٣). بيانه: إذا قطع رجل يد رجل ظلمًا، ثم أن المقطوع يده قطع يد القاطع قصاصًا، فسرى إلى نفسه ومات في ذلك، فإن عندنا: تجب عليه دية النفس، وعند الشافعي: لايجب عليه شيء، ويكون هدرًا. دليلنا في
المسألة، وهو: أن الشرع إنما أوجب القصاص، بشرط السلامة؛ لأن العفو مندوب إليه، فلهذا لا يقطع في الحر الشديد، ولا في البرد الشديد، ولهذا أمر الشرع لحسمه؛ لأن القطع الأول مقتصر، والقطع الثانية وجب أن يكون مقتصرًا فإذا سرى إلى النفس، فقد استوفى ما بين حق له وبين ما ليس بحق له؛ لأن حقه في الأطراف لا في النفس، فإذا سرى إلى النفس وجب أن يضمن، كما لو قطع يد رجل ظلمًا، فمات من ذلك. فإنه يكون مضمونًا عليه، فكذلك ها هنا (٤).
(١) انظر: المهذب ١/ ١٩٤، ١٩٥؛ الروضة ١٠/ ٢٠٢. (٢) مختصر الطحاوي، ص ٢٤٠؛ المبسوط ٢٦/ ١٤٧. (٣) انظر: المهذب ٢/ ١٨٩؛ المنهاج، ص ١٢٦. (٤) انظر: المبسوط ٢٦/ ١٤٨ وما بعدها.
احتج الشافعي، في المسألة وقال: إن الشرع أطلق له الاستيفاء، والاستيفاء: تارة يكون مقتصرًا، وتارة يكون ساريًا؛ لأن السراية والاقتصار ليس يكون في وسعه؛ لأنا لو قلنا: بأنه يقطعه قطعًا مقتصدًا، وليس في وسعه ذلك، لامتنع من استيفاء حقه؛ لأنه لما قطع طرفه من الموضع الذي قطعه في الأول، فقد استوفى ما هو حق له، فسراية المتولدة منه، وجب أن لا يكون مضمونًا عليه، كما نقول: في
الإمام إذا قطع يد السارق، فسرى إلى النفس فمات، فإنه لا يجب الضمان عليه، فكذلك ها هنا (١). مسألة: ٣٣١ – سراية الجناية رجل قطع يد رجل فمات، فإن عندنا: يقتل القاطع ولا تقطع يده (٢)، وعند الشافعي: تقطع يده، فإن مات، فلا يجوز قتله (٣). دليلنا في المسألة؛ لأنه لما قطع يده فسرى إلى النفس، كان هذا قتلًا من الأصل؛ لأن القتل ليس إلا جرح يعقبه خروج الروح، وقد وجد هذا المعنى هاهنا، فيكون قتلًا، فأوجبنا عليه القتل (٤).
(١) واستدل الشيرازي من النقل بما روي أن عمر وعليًا رضي الله عنهما قالا – في الذي يموت من القصاص -: «لا دية له». انظر: السنن الكبرى ٨/ ٦٨؛ المهذب ٢/ ١٨٩. (٢) انظر: المبسوط ٢٦/ ١٤٩؛ الاختيار ٣/ ١٦٥. (٣) جملة موقف الشافعية من المسألة: أن لولي المجني عليه الخيار بين أحد أمرين: إما القطع أولًا ثم حزّ رقبته، أو الحز رأسًا ومباشرة. وما عرضه الزمخشري هنا يتناسب مع الخيار الأول، ذلك أنه نص على القطع، ثم حدث أن مات الجاني بسراية القطع، وحينئذ فلا يكون محلًا للحز، وعليه فلا يجوز قتل الجاني؛ لأنه قد استوفيت حياته قضاء، وإن لم يمت فيكون محلًا للحز. انظر: الأم ٦/ ١٢؛ المهذب ٢/ ١٨٩؛ المنهاج،
ص ١٢٥؛ الروضة ٩/ ١٦١ وما بعدها. (٤) انظر: المبسوط ٢٦/ ١٤٩، ١٥٠.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن القصاص عبارة عن المساواة، وهو مأخوذ: من القص، فلو اعتبرنا المساواة لفعلنا به كما فعل الأول؛ لأن الأول قطع وقتل، فأوجبنا عليه القطع، وهو الفعل الأول، حتى يكون مراعاة للتسوية بينهما (١). مسألة:
٣٣٢ – اعتبار المائلة في القصاص المماثلة في القصاص، غير معتبرة عندنا (٢)، وعند الشافعي: معتبرة (٣). بيانه: أن من قتل إنسانًا بالإِحراق، أو بالِإغراق، وبالسمّ، فإن عندنا: يقتل بالسيف، وعند الشافعي: يفعل به كما فعل. دليلنا في المسألة وهو: ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «لا قود إلَّا بالسيف» (٤) أي لا يستوفي القصاص إلَّا بالسيف. احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «من حرق حرقناه، ومن غرق أغرقناه» (٥)، وهذا نص في هذا المعنى.
(١) راجع المصادر السابقة للشافعية. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٩؛ المبسوط ٢٦/ ١٢٢؛ الاختيار ٣/ ١٦٠. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ٢٤١؛ المهذب ٢/ ١٨٧؛ الوجيز ٢/ ١٣٦؛ المنهاج، ص ١٢٥. (٤) الحديث أخرجه ابن ماجة عن النعمان بن بشير رضي الله
عنه، والدارقطني، والبيهقي في سننهما، وغيرهم عن أبي هريرة وأبي بكرة رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف كما ذكره المحدثون. انظر: ابن ماجة، في الديات، باب لا قود إلَّا بالسيف (٢٢٦٧، ٢٢٦٨) ٢/ ٨٨٩؛ سنن الدارقطني ٣/ ٨٧؛ السنن الكبرى ٨/ ٨٣؛ التلخيص الحبير ٤/ ١٩. (٥) الحديث قد سبق تخريجه في المسألة (٣٢٢)، ص ٤٥٧.
مسألة:
٣٣٣ – لجوء القاتل إلى الحرم القاتل إذا التجأ إلى الحرم، أو قاطع الطريق إذا التجأ إلى الحرم، عندنا: لا يستوفى القصاص في الحرم، ولكن يضيّق عليه أمره، حتى لا يؤاكل ولا يشارب ولا يبايع، حتى يخرج إلى الحل فيستوفى منه القصاص (١)، وعند الشافعي: يستوفى في الحرم (٢). دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ (٣)، جعل الداخل آمنًا؛ لأنه لما دخل في الحرم ملتجئًا معظمًا، وجب أن يكون آمنًا عن القتل، عملًا بهذه الآية. احتج الشافعي، في المسألة وقال: قد أجمعنا على أنه لو قتل في الحرم، أو قطع الطريق في الحرم، فإنه يقتل، فكذلك ها هنا إذا قتل خارج الحرم ثم دخل الحرم، فلوقلنا: إِنَّهُ ينتظر إلى حين خروجه، يفوت من له حق القصاص، ومن له القصاص حقه محترم مراعى، ومراعاته: استيفاء القصاص في الموضع
الذي قدر عليه (٤).
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢١؛ الدر المختار ٣/ ٦٢٥، مع حاشية ابن عابدين. (٢) انظر: المهذب ٢/ ١٨٩؛ الوجيز ٢/ ١٣٦. (٣) سورة آل عمران: آية ٩٧. راجع بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢٠ – ٢٣. (٤) واستدل الشيرازي على قتل القاتل الملتجئ إلى الحرم، بقوله عز وجل: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، وقال: «لأنه قتل لا يوجب الحرم ضمانه، فلم يمنع منه، كقتل الحية والعقرب». المهذب ٢/ ١٨٩.
مسألة:
٣٣٤ – قطع ذكر الخصي من قطع ذكر الخصي لا يضمن، ولكن تجب حكومة عدل (١)، عندنا (٢)، وعند الشافعي: يضمن (٣). دليلنا في المسألة وهو: أن آلة الخصي آلة ناقصة؛ لأنا لو أوجبنا عليه كمال الدية، لا يكون في هذا اعتبار المماثلة، ألا ترى أنه لو قطع يد الأشل لا يضمن قيمته وإنما تجب حكومة عدل عليه (٤). احتج الشافعي، في المسألة: أنه لما قطع ذكر الخصي، فقد فوت عليه آلة صالحة لذلك العمل، فوجب عليه الضمان، كما لو قطع ذكر الفحل (٥).
(١) وتجب الحكومة في الجنايات التي لا تقدير فيها من الدية، ولم تعرف نسبتها
من مقدَر. ويكون التقدير بعد برء كلم الجروح، وللفقهاء في كيفية التقدير طريقتان: الأولى: حساب جزء نسبته إلى دية النفس، كما قال الطحاوية بأن يقوم مملوكًا بدون هذا الأثر، ويقوم وبه الأثر، ثم ينظر إلى تفاوت ما بين القيمتين فتكون ما يقابله من الدية، بشرط أن لا تزيد على مقدار دية الطرف المجروح. والثانية: نسبة قدر الشجة من الموضحة في الألم وبطء البرء وما أشبهه؛ لأن ما لا نص فيه يرد إلى المنصوص عليه ولا يكون التقدير إلَّا بالرجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٣٨؛ الهداية ١٠/ ١٦٢، مع البناية؛ الأم ٦/ ٨٣/، ٨٩؛ الوجيز ٢/ ١٤١؛ المنهاج، ص ١٢٧. (٢) انظر: المبسوط ٢٦/ ٨٠. (٣) والمقصود بالضمان هنا القود، كما نص عليه الشافعي والغزالي والنووية «فيقطع فحل بخصي». انظر: مختصر المزني، ص ٢٤٣؛ المهذب ٢/ ١٨٩؛ الوجيز ٢/ ١٣٢؛ المنهاج، ص ١٢٤. (٤) انظر: المبسوط ٢٦/ ٨٠. (٥) راجع: المصادر السابقة للشافعية.
كتاب الدية (١) [مسألة]:
٣٣٥ – القتل في أشهر الحرم أو قتل ذي رحم إذا قتل الرجل خطأ في أشهر الحرم، أو قتل ذا رحم محرم، فإن عندنا: تلزمه دية مخففة (٢)، وعند الشافعي: تلزمه
دية مغلظة،
(١) الدية: في اللغة، مصدر ودي القاتل المقتول، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس، والتاء في آخرها عوض عن الواو في أولها. والأصل: ودية مثل، وعدة، تقول: وديت القتيل أديه ديّة، أعطيت ديته، واتديت: أخذت ديته. انظر: مختار الصحاح، المصباح، مادة: (ودي) وشرعًا عرفها العيني من الأحناف بأنها: «اسم لضمان تجب بمقابلة الآدمي أو طرف منه» – البناية ١٠/ ١٢٢. وعرفها الشربيني والرملي من الشافعية بأنها: «المال الواجب بالجناية على الحّر في نفس أو فيما دونها». مغني المحتاج ٤/ ٥٣؛ نهاية الحتاج ٧/ ٣١٥. (٢) وتنقسم دية النفس إلى: مغلظة ومخففة، فإن كان القتل عمدًا أو شبه عمد بالإضافة إلى ما ذكر في المسألة بالنسبة للشافعية فالدية مغلظة، وإن كان القتل خطأ فالدية مخففة. الأصل في الدية الإِبل، ومن ثم خص الأحناف التغليظ في الإِبل فقط، واختلف فقهاء المذهبين في تصنيف الإِبل بحسب السن في المغلظة: فذهب الأحناف إلى التصنيف بالأرباع: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وذهب الشافعية إلى أنها مثلثة: ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. ولا خلاف، بأنها في المخففة مخمسة، ومن الورق عشرة آلاف درهم، لدى الأحناف، واثنا عشر ألف درهم على القول القديم عند الشافعي. والجديد عنه: تجب
قيمة الإِبل بالغة ما بلغت يوم وجوب التسليم.
وهية اثنا عشر ألف درهم (١). دليلنا في المسألة؛ لأن قتل ذي رحم محرم، أو قتل أجنبي لا يختلف من حيث القتل، وكذلك القتل في أشهر الحرم أو في غير أشهر الحرم لا يختلف من حيث القتل؛ لأنه الحرام كله، فوجب أن لا يزايد على الدية بقتله، كما لو قتل في الحرم (٢). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن موجب الجناية يتغلظ بتغليظ الجناية؛ لأن الجناية قد تتغلظ من حيث الزمان والمكان، ألا ترى أن شرب الخمر حرام، فلو شرب في شهر رمضان، كانت جنايته أعظم، وإثمه أكبر، وكذلك الزنا في المسجد يكون أعظم إثما من موضع آخر، فدل على أن الجناية تتغلظ، فإذا تغلظت الجناية وجب أن يتغلظ موجبه؛ لأن قتل ذي رحم محرم ليس كقتل الأجنبي؛ لأن في قتل الأجنبي تفويت الروح، وفي المحرم هذا المعنى موجود وقطيعة الرحم، فتتغلظ الجناية من هذا الوجه (٣). مسألة:
٣٣٦ – ما يلزم بحلق اللحية وغيرها إذا حلق لحية إنسان، أو حلق شعره، ولم ينبت مكانه أخرى، أو حلق حاجبيه ولم ينبت، لزمه: كمال الدية عندنا (٤)، وعند الشافعي: تلزمه حكومة عدل (٥).
(١) وما ذكره المؤلف بأن المغلظة عند الشافعي بالورق: اثنا عشر ألف درهم غير مستقيم وإنما يستقيم إذا حملناه على الدية المخففة على القول القديم كما ذكرته. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٣٤؛ القدوري، ص ٩٠؛ الهداية ١٠/ ١٢٢، ١٢٤، مع البناية؛ الأم ٦/ ١١٣؛ المهذب ٢/ ١٩٧؛ الوجيز ٢/ ١٤٠؛ المنهاج، ص ١٢٦. (٢) انظر: البناية ١٠/ ١٢٥ وما بعدها. (٣) واستدل الشيرازي لتغليظ الدية: بقضاء عمر وعثمان وابن عباس رضبي الله عنهم بالتغليظ في مثل هذه الواقعات. انظر بالتفصيل: المهذب ٢/ ١٩٧. (٤) انظر: القدوري، ص ٩٠؛ المبسوط ٢٦/ ٧٠، ٧١؛ الهداية ١٠/ ١٤٣، مع البناية. (٥) انظر: الأم ٦/ ٨٢؛ المهذب ٢/ ٢٠٩؛ نهاية المحتاج ٧/ ٣٤٤.
دليلنا في المسألة، وهو: أنه لما حلق لحيته، فقد أزال الجمال على الكمال، فلزمه كمال الدية، كما لو أزال المنفعة على الكمال: بقطع اليدين والرجلين؛ لأن في نفس الآدمي شيئين: المنفعة، والزينة، واللحية: زينة الرجل، لقول النَّبِيّ – ﷺ -: «إن الله تعالى زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب» (١). احتج الشافعي، في المسألة: بأن اللحية لو كان فيها جمال، كان أهل الجنة باللحى؛ لأنه روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «أهل الجنة جرد مرد مكحلون»
(٢) عرفنا بهذا أن اللحية ليست بالكمال، فأوجبنا فيه الحكومة (٣). مسألة: ٣٣٧ – الوطء المؤدي إلى عد استمساك البول إذا وطئ امرأة، فأفضاها حتى لا يستمسك البول، تلزمه الدية عندنا، ولا يلزمه المهر (٤)، وعند الشافعي: تلزمه الدية والمهر جميعًا (٥).
(١) هذا النص لم أعثر عليه في كتب الأحاديث، وإنما ذكره السرخسي، وأسنده إلى النَّبِيّ – ﷺ -، وذكره العيني بلفظ: «وروي أن لله تعالى ملائكة يسبحون سبحان من زيّن الرجال باللحى والنساء بالذوائب»، ولم يذكر شيئًا عن هذه الرواية. انظر: المبسوط ٢٦/ ٧٢؛ البناية ١٠/ ١٤٣. (٢) الحديث أخرجه الترمذي عن معاذ بن جبل، أن النَّبِيّ – ﷺ -: قال: «يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة»: الترمذي، في صفة الجنة، باب ما جاء في سن أهل الجنة (٢٥٤٥)، وقال: «هذا حديث حسن غريب، ولعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلًا ولم يسندوه» ٤/ ٦٨٢. (٣) انظر بالتفصيل: المصادر السابقة للشافعية. (٤) انظر: المبسوط ٩/ ٧٥، ٢٦/ ٦٩. (٥) يستوي في دية الإفضاء، الزوج الواطئ بشبهة، «ويستقر المهر على الزوج بالوطء المتضمن للإفضاء ويجب مهر المثل على الواطئ بشبهه، وكذا على الزاني أن كانت مكرهة وعليه الحد». انظر: الأم ٦/ ١٥٥؛ المهذب ٢/
٢٠٩؛ الروضة ٩/ ٣٠٣.
دليلنا في المسألة: أنا أوجبنا الدية بدلًا عن جميع النفس، فلو أوجبنا عليه المهر، يكون في هذا اجتماع الضمانين في مقابلة نفس واحدة، وهذا لا يجوز (١). احتج الشافعي في المسألة: بأن وجوب الدية في مكان الجناية، وهو: الإفضاء، وإنما المهر يجب: بالوطء، فوجوب الدية لا يسقط عن وجوب المهر (٢)، كما نقول في الجلد مع النفي (٣). مسألة:
٣٣٨ – ما تحمل العاقلة من الدية دية الخطأ عندنا، إذا كانت أقل من دية الموضحة (٤)، لا تتحملها العاقلة (٥) وعند الشافعي: تجب على العاقلة، قليلة كانت أو كثيرة (٦). دليلنا في المسألة، وهو: أنا لو خلينا والقياس لكنا نقول: بأنه لا تجب الدية على العاقلة؛ لأن وجوب الضمان على غير الجاني، ما هو إلَّا بخلاف القياس، إلَّا أنا أوجبناها بالشرع؛ لأن الشرع أوجب الدية على العاقلة في النفس، وبقي ما دون النفس
(١) راجع: المصدر السابق للأحناف. (٢) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٣) الأم ٦/ ١٣٣؛ المهذب ٢/ ٢٦٨؛ المنهاج، ص ١٣٢. انظر: المسألة بالتفصيل في المسألة (٣٤٦)، ص ٤٨١. (٤) الموضحة: (هي [الشجة] التي توضح العظم أية تبينه”. الهداية ١٠/ ١٥٥، مع البناية.
(٥) انظر: القدوري، ص ٩٤؛ المبسوط ٢٦/ ٦٦، ٨٤؛ الهداية ١٠/ ٣٩٤، مع البناية. (٦) انظر: الأم ٦/ ١١٦؛ المهذب ٢/ ٢١٢؛ الوجيز ٢/ ١٥٥؛ المنهاج، ص ١٢٩.
على موافقة القياس (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن أرش الموضحة إنما يجب بدلًا عن النفس، والشرع أوجب بدلًا عن نفس الفائت بالخطأ على العاقلة، ولم يفصل بين القليل والكثير، فهو على العموم (٢). مسألة:
٣٣٩ – تحمل الجاني من الدية الجاني، عندنا: يتحمل من الدية (٣)، وعند الشافعي: لا يتحمل (٤) دليلنا [في المسألة]، وهو: أن الدية إنما تجب بدلًا، عن نفس الفائت بسبب الجناية، والقاتل هو الجاني، والعاقلة ليست بجانية، ثم إن العاقلة لما تحملت هذه الدية مع عدم الجناية، فالجاني أولى أن يتحمل (٥).
(١) و(٢) الأصل في تحمل العاقلة الدية ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما بألفاظ مختلفة: «ضربت امرأة ضرة لها بعمود فسطاط، فقضي رسول الله – ﷺ -: بديتها على عصبة القاتلة»: مسلم، في القسامة .. والديات، باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ ومشبه العمد على عاقلة الجاني (١٦٨١ – ١٦٨٢)، ٣/ ١٣٠٩ –
١٣١١. واستدل الأحناف لمذهبهم بنص حديث ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا ومرفوعًا إلى النبي – ﷺ -: «لا تعقل العواقل عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا، ولا ما دون أرش الموضحة». الحديث غريب مرفوعًا كما ذكره الزيلعى. وأخرجه البيهقي في سننه عن الشعبي عن عمر، وقال: هذا منقطع والمحفوظ أنه من قول الشعبي، ثم أخرجه عن الشعبي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، ولم يذكر اللفظ الأخير: «ولا ما دون أرش الموضحة»، وكذلك رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث كما ذكره الزيلعي، ولكن أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن إبراهيم النخعي قوله: «لا تعقل العاقلة ما دون الوضحة ..». انظر: مصنف عبد الرزاق ٩/ ٤١٠؛ السنن الكبرى ٨/ ١٠٤؛ نصب الراية ٤/ ٣٧٩. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٤؛ المبسوط ٢٦/ ٨٤؛ الهداية ١٠/ ٣٩٢، مع البناية. (٤) انظر: الأم ٦/ ١١٢؛ المهذب ٢/ ٢١٢؛ المنهاج، ص ١٢٩. (٥) راجع: المصادر السابقة للأحناف.
احتج الشافعي في المسألة، وقال: لو خلينا والقياس لكنا نقول: بأن الدية لا تجب في الخطأ؛ لأن الخطأ موضوع في الشريعة، إلَّا أن الشرع أوجب الدية في الخطأ بخلاف القياس، لحرمة الآدمي، كيلا يهدر دمه، فالشرع أوجب ها
هنا الدية على العاقلة، ولم يوجب على الجاني (١). مسألة: ٣٤٠ – دية أهل الكتاب دية اليهودي والنصراني كدية المسلم عندنا (٢)، وعند الشافعي: ديته كثلث دية المسلم (٣). دليلنا في المسألة: بما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: «إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا» (٤)، وعلي رضي الله عنه جعل دمهم كدم المسلم، ثم في دم المسلم يجب كمال الدية، فكذلك في دم الذمي. احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الضمان إنما يجب بالقتل لكونه معصومًا، والكافر ناقص في العصمة؛ لأنه عصم دمه بالجزية، والمسلم عصم دمه بالإِسلام، فكان ناقصًا من هذا الوجه، فلو أوجبنا عليه كمال الدية يكون في هذا تسوية الكافر مع المسلم، وهذا لا يجوز (٥).
(١) انظر: المهذب ٢/ ٢١٢. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٤٠؛ القدوري، ص ٩٠؛ المبسوط ٢٦/ ٨٤؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١٥٥. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٠٥؛ المهذب ٢/ ١٩٨؛ الوجيز ٢/ ١٤١؛ المنهاج، ص ١٢٦. (٤) انظر الأثر في نصب الراية ٤/ ٣٦٩؛ وراجع أدلتهم بالتفصيل: المبسوط ٢٦/ ٨٥؛ البناية ١٠/ ١٣٥، ١٣٦. (٥) واستدل الشافعي بقضاء عمر وعثمان رضي الله عنهما في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم. انظر: الأم ٦/ ١٠٥، ١٠٦؛ المهذب ٢/
١٩٨. وراجع ما ورد من الأحاديث والآثار في دية الذمي: مصنف عبد الرزاق ١٠/ ٩٢، ٩٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ٢٨٦؛ نصب الراية ٤/ ٣٦٨.
مسألة:
٣٤١ – دية الجنين بسبب ضرب بطن الأم وموتها معًا إذا ضرب على بطن امرأة حرة، فألقت جنينًا ميتًا، يلزمه: الضمان (١) إذا كانت الأم حية، فإن ماتت الأم معًا تلزمه: دية الأم، ولا تلزم دية الجنين عندنا (٢)، وعند الشافعي: تلزمه (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن الولد ما دام مجنيًا في البطن فهو تبع للأم، فصار كجزء من أجزائها، فإذا أوجبنا ضمان الأم دخل الولد تحته تبعًا (٤). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن ضمان الجناية إنما وجب في الجنين شرعًا؛ لأن النَّبِيّ – ﷺ -: «أوجب في الجنين غرة: عبدًا أوأمة، قيمته: خمسمائة» (٥) وها هنا لما سقط الجنين ميتًا، لا بد من إيجاب ضمان الجنين، فكذلك ها هنا (٦).
(١) الضمان: غرة، وهية «في الذكر نصف عشر دية الرجل، وفي الأنثى عشر دية المرأة، وكل منهما خمسمائة درهم». الهداية ١٠/ ١٩٠، مع البناية. (٢) وصورته: بأن ماتت الأم ثم ألقت الجنين ميتًا. انظر: القدوري، ص ٩٢؛ المبسوط ٢٦/
٨٩؛ الهداية ١٠/ ١٩٦، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٠٧؛ المهذب ٢/ ١٩٨، ١٩٩؛ الوجيز ٢/ ١٥٦؛ المنهاج، ص ١٢٩. (٤) راجع: المصادر السابقة للأحناف. (٥) قال الزيلعي عن هذا اللفظ: «غريب» وأورده الهيثمي في مجمعه بلفظ «أو خمسمائة» وقال: «رواه الطبراني والبزار باختصار كثير، والمنهال بن خليفة: وثقة أبو حاتم: وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات». انظر: مجمع الزوائد ٦/ ٣٠٠؛ نصب الراية ٤/ ٣٨١. (٦) راجع المصادر السابقة للشافعية.
كتاب الكفارات (١) [مسألة]:
٣٤٢ – كفارة قتل العمد لا خلاف: أن قتل الخطأ توجب الكفارة، وإنما اختلفنا: في قتل العمد، هل تجب الكفارة؟ عندنا: لا تجب (٢)، وعند الشافعي: تجب (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «خمسة لا كفارة فيهن: الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وقتل نفس بغير حق، واليمين الفاجرة التي يقتطع بها مال امرئ مسلم وعقوق الوالدين» (٤) وهذا نص.
(١) الكفارات، جمع كفارة، وهي مأخوذة من الستر، وسمي الزارع كافرًا؛ لأنه يستر البذر بالتراب، وكفر الله عنه الذنب. محاه، ومنه الكفارة؛ لأنها تكفر الذنب، يقال: كفر عن يمينه: إذا فعل الكفارة. انظر: مختار الصحاح؛ المصباح: مادة
(كفر). والمقصود بالكفارة في الشرع: أشياء مخصوصة، أوجبها الشارع عند ارتكاب مخالفات معينة، والأشياء التي أوجب الله تعالى الإتيان بها هي: العتق والإطعام والكسوة والصيام، وتختلف باختلاف الأسباب الموجبة لها. انظر: محمد أنيس عبادة، المبادئ التشريعية، ص ٧٤. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٨؛ المبسوط ٢٦/ ٦٧؛ البدائع ١٠/ ٤٦٥٧؛ الاختيار ٣/ ١٥٧. (٣) انظر: المهذب ٢/ ٢١٨؛ الوجيز ٢/ ١٥٨؛ المنهاج، ص ١٢٩. (٤) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة رضي الله عنه، من جزء حديث: «.. وخمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله عز وجل وقتل النفس بغير حق، أو نهب مؤمن، أو الفرار من الزحف، أو يمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق». ورواه أيضًا أبو الشيخ في التوبيخ، والديلمي، كما ذكره السيوطي والمناوي. انظر: مسند الإمام أحمد ٢/ ٣٦٢؛ فيض القدير ٣/ ٤٥٨.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أنا أجمعنا: على أن الكفارة تجب في قتل الخطأ، وإنما لم يجب [القود] (١) لرفع الِإثم، فلو أوجبنا الكفارة في قتل الخطأ مع أن الذنب فيه يسير، فالذنب في العمد أكثر، فإيجاب الكفارة فيه أولى (٢). مسألة:
٣٤٣ – كفارة القتل من مال الصبي والمجنون الصبي أو المجنون، إذا قتلا إنسانًا،
لا خلاف: أنه لا قصاص عليهما (٣)، وهل تلزمهما الكفارة في مالهما؟ عندنا: لا تلزمهما (٤)، وعند الشافعي: تلزمهما (٥). دليلنا في المسألة، وهو: أن الصبي والمجنون مرفوع القلم عنهما، فلو أوجبنا عليهما الكفارة، يكون في ذلك إجراء القلم عليهما، وهذا لا يجوز (٦). احتج الشافعي [في المسألة]، هو: أن الكفارة إنما تؤدي بالمال، فوجب أن تلزمها الصبي والمجنون كما قلنا: في العشر والخراج، وقيم المتلفات (٧).
(١) زيدت لاستقامة العبارة. انظر: المبسوط ٢٦/ ٦٧. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٢١٨. وكفارة القتل ككفارة الظهار، لكن لا إطعام فيها، عند الأحناف، وكذلك عند الشافعية على القول الأظهر، كما نص عليه النووي في المنهاج. ودليل كفارة القتل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا … فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ (النساء ٩٢)، وراجع المصادر السابقة. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٢٩؛ القدوري، ص ٩١؛ الدر المختار ٦/ ٥٣٢، مع حاشية ابن عابدين؛ الأم ٦/ ٥؛ المهذب ٢/ ١٧٤؛ المنهاج، ص ١٢٣. (٤) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٥٣. (٥) انظر: الوجيز ٢/ ١٥٨؛ المنهاج، ص ١٢٩؛ مغني المحتاج ٤/ ١٠٧. (٦) ويقصد
به حديث رفع القلم عن ثلاث، وقد سبق تخريجه، في المسألة (٤٦)، ص ١٤٠. (٧) انظر: الروضة ١٠/ ٢٠٢؛ المنهاج ٤/ ٢٠٥، مع مغني المحتاج.
كتاب قتال أهل البغي (١) مسألة:
٣٤٤ – إتلاف الباغي مال العادل أو قتله الباغي إذا أتلف مال العادل، أو قتله، عندنا: لا يلزمه الضمان ولا القود (٢) وعند الشافعي: يلزمه الضمان والقود (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «كل دم أو مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع» (٤) وهذا نص. احتج الشافعي في المسألة، وقال: مال العادل ونفسه معصوم محترم، فإذا فوّته الباغي يلزمه الضمان والقود؛ لأن التأويل تأويل فاسد، فلا يعتبر (٥).
(١) قد سبق تعريف البغي في كتاب الجنائز، مسألة: (٩٧)، (الصلاة على الباغي)، ص ١٩٧. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٥٨؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٣٧. (٣) ما حكاه المؤلف عن الشافعي، هو قول مرجوح – لدى الشافعية – من قولي الشافعي، والراجح: عدم الضمان والقود، ما دام الإتلاف قد وقع في أثناء القتال، كما نص في الأم. انظر: الأم ٤/ ٢١٨؛ المهذب ٢/ ٢٢١؛ المنهاج، ص ١٣١. (٤) ما ذكره
المؤلف بأن هذا النص من قول النَّبِيّ – ﷺ – غير صحيح، والصحيح: أنه أثر من قول الزهري رحمه الله تعالى، كا رواه البيهقي في السنن: «فإن الفتنة الأولى ثارت، وفي أصحاب النَّبِيّ – ﷺ – ممن شهد بدرًا، فرأوا أن يهدم أمر الفتنة: لا يقام فيها حد على أحد في فرج استحله بتأويل القرآن، ولا قصاص في دم استحله بتأويل القرآن، ولا مال استحله بتأويل القرآن، إلَّا أن يوجد شيء بعينه …». انظر: السنن الكبرى ٨/ ١٧٥. (٥) واستدل الشيرازي للقول الراجح بقول الزهري السابق ذكره، الذي هو دليل الأحناف. انظر: المهذب ٢/ ٢٢١؛ السنن الكبرى ٨/ ١٧٥.
مسألة:
٣٤٥ – قتل المرتدة المرتدة لا تقتل عندنا (١)، وعند الشافعي: تقتل (٢). دليلنا في المسألة، وهو: ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ – أنه لما دخل مكة يوم الفتح، فرأى امرأة مقتولة فقال: هذه ما كانت تقاتل، فأدرك خالدًا، فقل له: «لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا» (٣) والعسيف: [هو الأجير]. والذرية: هي: الصبيان. احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النَّبِيّ – ﷺ – أنه قال: «من بدل دينه فاقتلوه» (٤) فأوجب القتل بتبديل الدين، ولم يفصل بين الرجل والمرأة.
(١) سبق أن ذكر المؤلف هذه المسألة بعينها مع اختلاف في الألفاظ في كتاب السير مسألة (٢٤٠). المرتدة لا تقتل عند الأحناف، ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام، وتضرب في كل ثلاثة أيام إلى أن تسلم«. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٥٩؛ القدوري، ص ١١٧؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٣٠؛ الهداية ٥/ ٨٥٤، مع البناية. (٢) انظر: الأم ٦/ ١٥٦، ١٥٩؛ المهذب ٢/ ٢٢٣؛ المنهاج، ص ١٣٢. (٣) و(٤) الحديثان قد سبق تخريجهما في المسألة (٢٤٠). واستدل الشيرازي على قتل المرتدة بحديث صريح: ما رواه جابر رضي الله عنه أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النَّبِيّ – ﷺ -:»فأمر أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت”. أخرجه الدارقطني والبيهقي بإسناد ضعيف. انظر: سنن الدارقطني ٣/ ١١٨؛ والسنن الكبرى ٨/ ٢٠٣؛ التلخيص الحبير ٤/ ٤٦.
كتاب الحدود (١) [مسألة]:
٣٤٦ – نفي البكر الزاني ولا خلاف أن [البكر] (٢) إذا زنا بامرأة يجلد مائة، ولا ينفي (٣) عندنا (٤) وعند الشافعي: يجلد مائة، وينفى سنة (٥). دليلنا في المسألة: «ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه نفى رجلًا فارتّد ذلك الرجل، فقال: لا أنفى بعده أبدًا» (٦) وروي
عن علي رضي الله عنه أنه قال: «كفى بالنفي فتنة» (٧).
(١) الحدود جمع حد، وهو في اللغة: المنع، ومنه قيل الحداد للبواب، لمنعه الناس من الدخول، ومنه الحدود المقدرة في الشرع؛ لأنها تمنع من الإقدام، أو الفصل: ومنه قول الشاعر: (وجاعل الشمس حدًا لا خفاء به) أو التقدير «لأن الله تعالى قدره فلا تجوز الزيادة عليه». انظر: مختار الصحاح، المصباح، مادة: (حدد)، نهاية المحتاج ٧/ ٤٣٥. والحد في الشرع: «عقوبة مقدرة وجبت حقًا لله سبحانه وتعالى»، وحدود الشرع موانع وزواجر عن ارتكاب أسبابها«. انظر: الهداية ٥/ ٣٤٣، مع البناية؛ الاختيار ٣/ ٣٥. (٢) استبدلت ما بين القوسين لتصحيح الحكم كما هو معروف شرعًا، وفي الأصل (الثيب). (٣) النفي لغة: الإِبعاد، والمقصود هنا: هو إبعاد الحاكم الزاني البكر عن بلده وطرده إلى بلد آخر، لمدة سنة واحدة. انظر: الغرب؛ معجم الوسيط، مادة: (نفى). (٤) انظر: القدوري، ص ٩٥؛ المبسوط ٩/ ٤٤. (٥) انظر: الأم ٦/ ١٣٣؛ المهذب ٢/ ٢٦٨؛ المنهاج، ص ١٣٢. (٦) الأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن عبد الله بن عمر: (أن أبا بكر بن أمية بن خلف غرب في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل، قال: فتنصر. فقال عمر: لا أغرب مسلمًا بعده أبدًا). مصنف عبد الرزاق (١٣٣٢٠)، ٧/ ٣١٤. (٧) أخرجه
عبد الرزاق في مصنفه، عن إبراهيم أن عليًا قال:»حسبهما من الفتنة أن ينفيا” (١٣٢٢٦)، ٧/ ٣١٥.
احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النَّبِيّ – ﷺ – أنه قال: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة» (١)، فالنبي – ﷺ – أوجب النفي. مسألة:
٣٤٧ – الإقرار الذي يقام به الحد الزاني إذا أقر بين يدي القاضي، لا يقيم عليه الحد إلَّا أن يقرّ أربع مرات في مجالس مختلفة عندنا (٢)، وعند الشافعي: إذا أقر مرة واحدة، يقام عليه الحد (٣). دليلنا في المسألة: «ما روي أن ماعز بن مالك أقر بين يدي رسول الله – ﷺ – بالزنا، فقال: زنيت طهّرني يا رسول الله، فأعرض النَّبِيّ – ﷺ – بوجهه عنه:»أبك خبل؟ أبك جنون؟ «فقال: لا، ثم قال مرة: زنيت فطهرني يا رسول الله، فأعرض بوجهه عنه، فأعاد الِإقرار ثلاثًا، فلما أقر أربعًا، قال النَّبِيّ – ﷺ -:»ألآن أقررت أربعًا، فبمن زنيت؟ «فقال بفلانة، فأمر برجمه (٤). فالنبي – ﷺ – ما أمر بالرجم بإقراره مرة واحدة، فدل على أن الِإقرار أربع.
(١) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي
الله عنه؛ مسلم، في الحدود، باب حد الزاني (١٦٩٠)، ٣/ ١٣١٦. (٢) ويحد المقرّ إذا كان عاقلًا بالغًا، ويدرأ عنه الحد بالرجوع عن إقراره. انظر: القدوري، ص ٩٤، المبسوط ٩/ ٩١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٢١٧. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٣٣، ١٣٤؛ المهذب ٢/ ٣٣٣؛ المنهاج، ص ١٣٢. (٤) حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه أخرجه الشيخان عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، إلَّا الشطر الأخير:»الآن أقررت أربعًا … «، فإني لم أعثر عليه بلفظه إلَّا ما ذكر في رواية أبي داود: حتى قالها أربع مرار، قال – ﷺ -:»إنك قد قلتها أربع مرات، فبمن؟ ” قال بفلانة، فأمر به أن يرجم. انظر: البخاري، في الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة (٦٨١٥)، فتح الباري ١٢/ ١٢٠ مسلم، في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩١)، ٣/ ١٣١٨؛ أبي داود، في الحدود، باب رجم ماعز بن مالك (٤٤١٩)، ٤/ ١٤٥.
احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن سائر الحقوق تثبت بالإِقرار مرة واحدة، فلا يحتاج فيه إلى التكرار، كذلك حكم الزنا، وجب أن يثبت بمرة واحدة (١). مسألة:
٣٤٨ – إذا رجع أحد الشهود الأربع في قضية الزنا أربعة شهدوا على رجل بالزنا، ثم
رجع واحد منهم، وجب الحد على الجميع عندنا (٢)، وعند الشافعي: يجب على الراجع (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن أحد الشهود إذا رجع لم يثبت الزنا، فبقيت هذه الشهادة قذفًا محصنًا، فأوجبنا على الجميع الحد، لإِزالة الشين عن المقذوف (٤). احتج الشافعي، في المسألة؛ لأن حد القذف إنما يجب على القاذف، والقاذف ها هنا إنما هو الراجع، فأما الثلاثة فيحتمل أن تكون شهادتهم حسبة، فلم يظهر تعنتهم وقذفهم، فلا يجب عليهم الحد (٥).
(١) واستدل الشافعي بحديث العسيف الذي أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد رضي الله عنهما. وفيه: «… واغد، يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها»، قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله – ﷺ – فرجمت«وقال:»وبهذا قلنا، وفيه الحجة في أن يرجم من اعترف مرة إذا ثبت عليها” هكذا. انظر الحديث بطوله: البخاري، في الحدود، باب الاعتراف بالزنا (٦٨٢٧، ٦٨٢٨) ١٢/ ١٣٦؛ مسلم، في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩٧، ١٦٩٨)، ٣/ ١٣٢٤؛ الأم ٦/ ١٣٣. (٢) انظر: الهداية ٥/ ٤٥٠، مع البناية. (٣) انظر: مختصر المزني، ص ٢٧٠؛ المهذب ٢/ ٣٣٤. (٤) راجع المصدر السابق للأحناف ٥/ ٤٥١. (٥) راجع: المصادر السابقة للشافعية.
مسألة:
٣٤٩ – شبهة العقد إذا عقد العقد على ذوات المحارم مثل: الأخت، فإن عندنا: لا يلزمه الحد (١)، وعند الشافعي: يلزمه الحد (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن العقد وإن كان لا ينعقد على المحرم، ولكن وجد صورة العقد، فصار شبهة في سقوط الحد، والحد مما يدرأ بالشبهات (٣). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن العقد إنما ينعقد على المحل، إذا كان المحل قابلًا للعقد، والمحَرم في حقه ليس بمحل قابل للعقد، فكيف يصير هذا العقد شبهة (٤).
(١) تعرف هذه المسألة بشبهة العقد في كتب الأحناف، وصورتها: أن يتزوج الرجل امرأة ممن لا يحل له نكاحها، ويدخل بها، فلا يجب عليه الحد عند أبي حنيفة رحمه الله، سواء كان عالمًا بالتحريم أو غير عالم، لثبوت الشبهة بالعقد عنده، إلَّا أنه يضرب عقوبة إذا كان عالمًا بذلك. انظر: القدوري، ص ٩٥؛ المبسوط ٩/ ٨٥؛ الهداية ٥/ ٣٩٦، ٤٠٥، مع البناية. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٢٦٩؛ المنهاج، ص ١٣٢؛ مغني المحتاج ٤/ ١٤٦. (٣) واستدل السرخسي لقول أبي حنيفة بقوله – ﷺ -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها»، ثم قال مبينًا وجه الدلالة: «فمع الحكم ببطلان
النكاح أسقط الحد به، فهو دليل على أن صورة العقد مسقطة للحد وإن كان باطلًا شرعًا» وأدلة أخرى. الحديث أخرجه أصحاب السنن إلَّا النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها وكلهم في كتاب النكاح: أبو داود، في باب في الولي (٢٠٨٣)، ٢/ ٢٢٩؛ الترمذي، في باب ما جاء لا نكاح إلَّا بولي (١١٠٢)، وقال: «هذا حديث حسن»، ٣/ ٤٠٧، ٤٠٨؛ ابن ماجة، نحوه (١٨٧٩)، ١/ ٦٠٥. انظر: المبسوط ٩/ ٨٦. (٤) راجع المراجع السابقة للشافعية.
مسألة:
٣٥٠ – إقامة السيد الحد على مملوكه المولى هل يملك إقامة الحد على مملوكه؛ لا يملك: عندنا (١)، وعند الشافعي: يملك إقامة الحد عليه (٢). دليلنا في المسألة وهو: أن الحد حق الله تعالى، فوجب أن لا يستوفيه إلَّا من هو نائب عن الله تعالى، والسلطان هو النائب عن الله تعالى، فلا يملك المولى إقامته عليه، كما قلنا: في حد الأحرار (٣). احتج الشافعي، في المسألة: بأن الحد إنما يقام طهرة، والمولى يملك تطهير ملكه (٤)، ألا ترى أنه يملك الختان، ويملك التعزير، فكذلك ها هنا (٥).
(١) انظر: القدوري، ص ٩٤؛ المبسوط ٩/ ٨٠؛ البدائع ٩/ ٤٢٧٧. (٢) انظر: الأم ٦/ ١٣٥؛
المهذب ٢/ ٢٧١؛ المنهاج، ص ١٣٢. (٣) واستدل السرخسي رحمه الله تعالى للمنع، بقوله تعالى: ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ (النساء ٢٥)، ثم بين وجه الدلالة بقوله: «واستيفاء ما على المحصنات للِإمام خاصة، فكذلك ما على الإماء من نصف ما على المحصنات». وأدلة أخرى. انظر بالتفصيل: المبسوط ٩/ ٨١، ٨٢. (٤) أي: مملوكة. (٥) استدل الشافعي رحمه الله تعالى على الجواز بما روي عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رسول الله – ﷺ -: سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن فقال: «إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير». أخرجه البخاري، في البيوع، باب بيع العبد الزاني (٢١٥٣، ٢١٥٤)، ٤/ ٣٦٩؛ مسلم، في الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا (١٧٠٣)، ٣/ ١٣٢٩. انظر: الأم ٦/ ١٣٥، ١٣٦.
مسألة:
٣٥١ – عقوبة اللواط اللواطة عندنا: لا توجب الحد (١)، وعند الشافعي: توجب حد الزنا: إن كان بكرًا يجلد، وإن كان ثيبًا يرجم (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن الشرع أوجب الحد على الزاني، لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٣)، ولم يوجد، فلم يوجب الحد
في اللواطة، فلو أوجبنا عليه حد الزنا، لأوجبناه قياسًا أو استدلالًا، ولا يمكننا إيجاب الحد قياسًا؛ لأن المقادير لا تثبت قياسًا، وإنما أوجبنا استدلالًا، ومن شرط صحة الاستدلال: المساواة في الحكم، ولا مساواة بين الزنا واللواطة؛ لأن في الزنا: الداعي وجد من الجانبين: بالفاعل، والمفعول، فيكثر وجوده، والحد إنما شرع للزجر، وأما اللواطة ليست في معنى الزنا؛ لأن الداعي وجد من الجانبين: الواحد، وهو: الفاعل، وأما المفعول إنما يقع في هذا إما طعمًا أو زجرًا؛ لأن طبع الفحل ينفر عن ذلك، فإيجاب الحد بالموضع الذي كان الداعي من الجانبين لا يمكن إيجابه إذا كان الداعي من الجانب الواحد (٤).
(١) عمل قوم لوط لا يوجب الحد عند أبي حنيفة، ولكن يعزر كما يأتي خلافًا للصاحبين، والمذهب على قول الإِمام. انظر: القدوري، ص ٩٥؛ المبسوط ٩/ ٧٧؛ البدائع ٩/ ٤١٥١؛ اللباب ٣/ ١٩٢. (٢) هذا هو القول المشهور من قولي الشافعي. انظر: المهذب ٢/ ٢٦٩؛ المنهاج، ص ١٣٢. (٣) سورة النور: آية ٢. (٤) ووجه قول أبي حنيفة في عدم إقامة الحد «أنه ليس بزنا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في موجبه من الِإحراق، وهدم الجدار، والتنكيس من مكان مرتفع باتباع الأحجار وغير ذلك» .. انظر أدلتهم بالتفصيل: المبسوط ٩/ ٧٨، ٧٩؛ البدائع ٩/ ٤١٥١
الهداية ٥/ ٢٦٣، مع فتح القدير والعناية.
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الحد إنما يجب في الزنا، كونه حرامًا، والحرمة في اللواطة أكثر، فإيجاب الحد في باب الزنا دليل على إيجاب الحد في اللواطة (١)؛ لأن الخلاف وقع: في حد الزنا، هل يشرع في اللواطة؛ أما أبوحنيفة فيوجب القتل إذا رأى الإمام المصلحة (٢) فيه، وأما حد الزنا لا يقام، لتعذر الاستدلال. مسألة:
٣٥٢ – استأجر امرأة فزنا إذا استأجر امرأة ليزني بها، أو عقد عليها عقد إجارة، ليعمل عليها عملًا، فزنا بها. عندنا: لا يلزمه الحد (٣)، وعند الشافعي: يلزمه الحد (٤). دليلنا في المسألة: «ما روي أن امرأة استسقت من الراعي لبنًا، فأبى أن يسقيها ما لم تمكن من نفسها، فمكنت من نفسها، فرفع ذلك إلى عمر رضي الله عنه، فقال: ذلك مهرها» (٥)،
(١) واستدل الشيرازي من النقل بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النَّبِيّ – ﷺ – قال: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان …» أخرجه البيهقي في سننه، وفي المسند: محمد بن عبد الرحمن، «وهو متروك الحديث وكان يكذب ويفتعل الحديث»، كما نقل ابن التركماني عن ابن أبي حاتم. انظر:
السنن الكبرى، مع الجوهر النقي ٨/ ٢٣٣. (٢) ونقل البابرتي عن الزيادات بأن «الرأي فيه إلى الإمام إن شاء قتله، وإن اعتاد ذلك، وإن شاء ضربه وحبسه». العناية ٥/ ٢٦٣، مع فتح القدير. (٣) ذكر المؤلف هنا صورتين للمسألة، فالصورة الأولى صحيحة كا ذكرها عند أبي حنيفة رحمه الله، وأما الصورة الثانية فلا تصح بل يقام عليه الحد، كما قال السرخسي وغيره: «لو استأجر أمة لتخدمه أو استعارها، فزنى بها، فعليه الحد، في الوجهين من جميعًا، لانعدام شبهة الاشتباه، فإن ملك المنفعة لا يتعدى إلى ملك الحل بحال». انظر: المبسوط ٩/ ٥٨، ٦١؛ البدائع ٩/ ٤١٥٧؛ شرح فتح القدير ٥/ ٢٦٢. (٤) انظر: المهذب ٢/ ٢٦٩، ص ١٣٢. (٥) لم أجد في قول عمر رضي الله عنه الجزء الأخير: «فقال: ذلك مهرها»، وهو الشاهد من الأثر كما أراده المؤلف، واستدل به أيضًا السرخسي ولم يذكر اللفظ الأخير، والذي رواه عبد الرزاق =
فأسقط الحد عنها، وهذا دليل في هذه المسألة، فأبو حنيفة: أسقط الحد ها هنا، شبهة لعقد الِإجارة (١). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الحد إنما شرع للزجر، فلو قلنا إِنَّهُ لا يجب الحد ها هنا، يؤدي إلى المحال؛ لأن عادة الزناة أن
يعطوا شيئًا، ثم يفعلون ذلك الفعل، فلو قلنا: إِنَّهُ لا يجب الحد، يؤدي إلى سد باب الحدود (٢). مسألة: ٣٥٣ – الحد في تمكين العاقلة البالغة مجنونًا العاقلة البالغة إذا مكنت من المجنون، عندنا: لا حد عليها (٣)، وعند الشافعي: عليها الحد (٤).
= في مصنفه عن ابن المسيب: «أن عمر بن الخطاب أتى بامرأة لقيها راع بفلاة من الأرض وهي عطشى، فاستسقته، فأبى أن يسقيها إلا أن تتركه فيقع بها، فناشدته بالله فأبى، فلما بلغت جهدها أمكنته، فدرأ عنها عمر الحد بالضرورة»، وزاد البيهقي في سننه: «فشاور [عمر] الناس في رجمها، فقال عليّ رضي الله عنه: هذه مضطرة أرى أن تخلي سبيلها ففعل». انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٤٠٧؛ السنن الكبرى ٨/ ٢٣٦. (١) وشبهه عقد الإجارة كما ذكرها ابن الهمام: «أن المستوفى بالزنا المنفعة، وهي المعقود عليه في الإجارة، لكنه في حكم العين، فبالنظر إلى الحقيقة تكون محلًا لعقد الإجارة فأورث شبهة». وقال عبد الحكيم الأفغانية «لأن نص: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾
[النساء: ٢٤] (النساء ٢٤)، سمى المهر أجرة فأورث شبهة؛ لأن الشبهة ما يشبه الحقيقة». وقال ابن الهمام بعد ما ذكر صور عقد الإجارة للزنا، ووجهة الشبهة فيها: «والحق في هذا كله وجوب الحد، إذا المذكور معنى
يعارضه كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، فالمعنى الذي يفيد أن فعل الزنا مع قوله [أمهرتك كذا] لأزني بك، لا يجلد معه للفظة المهر، معارض له». فتح القدير ٥/ ٢٦٢. انظر: كشف الحقائق شرح كنز الدقائق ١/ ٢٨٣. (٢) وإنما يجب الحد، لانتفاء الملك والعقد. انظر: المهذب ٢/ ٢٦٩؛ مغني المحتاج ٤/ ١٤٦. (٣) انظر: المبسوط ٩/ ٥٤؛ البدائع ٩/ ٤١٥٠؛ فتح القدير ٥/ ٢٤٨. (٤) انظر: المهذب ٢/ ٢٦٧، ٢٦٩؛ المنهاج ٤/ ١٤٧، مع مغني المحتاج.
دليلنا في المسألة، وهو: أن فعل الزنا انما يكون من الرجال، والمرأة محل للفعل، فكان ينبغي أن لا يجب الحد عليها، إلَّا أنا أوجبنا الحد بالتمكين من فعل، وهو: الزنا؛ لأنه ليس في وسعها إلَّا التمكين، وهاهنا لم يوجد التمكين من فعل الزنا، وفعل المجنون لا يوصف بالزنا، فلهذا لا يجب الحد عليها (١). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن خلاف الشرع أوجب الحد على الزاني بفعل الزنا، وعلى المرأة بالتمكين من فعل وهو حرام، وقد وجدناها ها هنا تمكينًا من فعل حرام، فيكون زنا، فأوجبنا عليها الحد (٢). مسألة:
٣٥٤ – شروط إقامة حد الرجم الرجم إنما يقام على
الزاني بعد وجود أربعة شرائط: العقل، والبلوغ والحرية، والإصابة بنكاح صحيح، وأن تكون المرأة في مثل حال الرجل، والإِسلام هل هو شرط من شرائط الرجم أم لا؟ عندنا: هو شرط (٣)، وعند الشافعي: ليس بشرط (٤). بيانه: أن اليهودي والنصراني، إذا زنا وهو ثيب، لا يقام الرجم عليه [عندنا، وعند الشافعي: يقام] (٥). دليلنا في المسألة، وهو: أن الرجم نهاية في العقوبات، والنهاية في العقوبات إنما يقام على من كملت النعمة في حقه ولهذا شرطنا: العقل، والبلوغ والحرية، والإصابة بنكاح صحيح
(١) انظر بالتفصيل: المبسوط ٩/ ٥٥؛ البدائع ٩/ ٤١٥١. (٢) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٤؛ المبسوط ٩/ ٣٩؛ البدائع ٩/ ٤١٥٩. (٤) انظر: الأم ٦/ ١٣٩؛ المهذب ٢/ ٢٦٨؛ الوجيز ٢/ ١٦٧؛ المنهاج، ص ١٣٢. (٥) نقص بالأصل وإنما زيدت لاستكمال العبارة، على حسب طريقة المؤلف في بيان المسائل.
لإكمال النعمة، والإسلام رأس النعمة، فإذا لم يوجد الإِسلام لا تتم النعمة في حقه؛ لأن ازدياد النعمة لها تأثير في ازدياد العقوبة، ونعمة الإِسلام ها هنا لم توجد، فلا يقام عليه الحد (١). احتج الشافعي، في المسألة بدليل: «ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ – أنه رجم يهوديًا
ويهودية زنيا» (٢) وهذا نص في هذه المسألة.
(١) واستدل الأحناف، من النقل بقوله – ﷺ -: «من أشرك بالله فليس بمحصن»، أي: ليس بكامل الحال. الحديث أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما، رفعه مرة ووقفه أخرى، ومن طريق إسحاق بن راهويه رواه الدارقطني في سننه، وقال: «لم يرفعه غير إسحاق، والصواب أنه موقوف». انظر: سنن الدارقطني ٣/ ١٤٧؛ نصب الراية ٤/ ٣٢٧. انظر: المبسوط ٩/ ٤٠؛ البدائع ٩/ ٤١٦١. (٢) الحديث أخرجه الأئمة الستة عن ابن عمر رضي الله عنهما مختصرًا ومطولًا ولفظ مسلم: عن ابن عمر، أن رسول الله – ﷺ -: أتى بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله – ﷺ -: حتى جاء يهود، فقال: «ما تجدون في التوراة على من زنى؟» قالوا: نسوّد وجوههما ونحمّلهما، ونخالف بين وجوههما، ويطاف بهما، قال: “فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين، فجاؤا بها فقرأوها، حتى إذا مروا بآية الرجم، وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام – وهو مع رسول الله – ﷺ -: مره فليرفع يده، فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله – ﷺ -: فرجما. البخاري، في الحدود، باب إحكام أهل
الذمة وإحصانهم إذا زنوا (٦٨٤١)، ١٢/ ١٦٦؛ مسلم، في الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنا (١٦٩٩)، ٣/ ١٣٢٦.
كتاب السرقة (١) [مسألة]:
٣٥٥ – نصاب السرقة نصاب السرقة مقدر بعشرة دراهم عندنا (٢)، وعند الشافعي: إن كان قيمته ربع دينار، يلزمه القطع (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «لا مهر أقل من عشرة ولا قطع فيما دون العشر» (٤) وهذا نص.
(١) السرقة في اللغة، أخذ الشيء من الغير على سبيل الخفية والاستسرار، ومنه استراق السمع: في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾
[الحجر: ١٨]؛ وسمى المسروق سرقة، تسمية بالمصدر. انظر: المغرب؛ مختار الصحاح؛ المصباح، مادة: (سرق). وفي الشرع: كما عرفه الموصلي من الأحناف بأنها: «أخذ العاقل البالغ نصابًا محرزًا، أو ما قميته نصابًا، ملكًا للغير لا شبهة له فيه، على وجه الخفية»، مع اشتراط مراعاة المعنى اللغوي ابتداء. وانتهاء، وابتداء في بعض الصور. انظر: تحفة الفقهاء ٣/ ٢٣٣، وما بعدها؛ الهداية ٢٧/ ٥٢٧، مع البناية؛ الاختيار ٣/ ٨٥، ٨٦. وعرفها الشافعي: بأنها: «أخذ مال خفية ظلمًا من حرز مثله بشروط». مغني المحتاج ٤/ ١٥٨؛ نهاية
المحتاج ٧/ ٤٣٩. (٢) انظر: القدوري، ص ٩٦؛ المبسوط ٩/ ١٣٦؛ الهداية ٥/ ٥٢٩، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٣٠؛ المهذب ٢/ ٢٧٨؛ المنهاج، ص ١٣٣؛ الروضة ١٠/ ١١٠. (٤) لم أعثر على الحديث بهذا اللفظ، إلَّا ما رواه البيهقي عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لا تقطع اليد إلَّا في عشرة دراهم، ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم». وقال البيهقي في سنده: «هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء». انظر: السنن الكبرى ٨/ ٢٦١.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن شرط وجوب القطع في السرقة: إنما يكون بهتك الحرز، وإخراج المال، وقد وجد ها هنا؛ لأن الشيء إذا كان يساوي ربع دينار، يسمى ذلك: مالًا عند الناس، فيجب القطع، كما لو سرق شيئًا يساوي عشرة (١). مسألة:
٣٥٦ – القطع بسرقة الفواكه والأطعمة إذا سرق شيئًا من الفواكه والطعام من الحرز، لا يقطع عندنا (٢)، وعند الشافعي: يجب القطع (٣). دليلنا: ما روي عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر» (٤) (٥) وهذا نص.
(١) وسبب الخلاف بين المذهبين في مقدار النصاب الذي يقام به حد السرقة: الاختلاف بين الصحابة
في تقدير قيمة المجنّ الذي قطع فيه النَّبِيّ – ﷺ -: يد سارق. فذهب الأحناف إلى الروايات التي ذهبت بأن قيمته عشرة دراهم، وبنوا مذهبهم على ذلك احتياطًا. منها ما أخرجه أبوداود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «قطع رسول الله – ﷺ -: يد رجل في مجنّ قيمته: دينار أو عشرة دراهم»: أبو داود، في الحدود، باب ما يقطع فيه السارق (٤٣٨٧)، ٤/ ١٣٦؛ النسائي، في قطع يد السارق، باب القدر الذي إذا سرق قطعت يده ٨/ ٨٣. وذهب الشافعية إلى الروايات التي جاءت بأن قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم. منها ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله – ﷺ -: قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم»، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما طال علي وما نسيت: القطع في ربع دينار فصاعدًا»: البخاري في الحدود، باب قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وفي كم يقطع (٦٧٨٩، ٦٧٩٧)، فتح الباري ١٢/ ٩٦، ٩٧؛ مسلم، في الحدود، باب حد السرقة ونصابها (١٦٨٤، ١٦٨٦)، ٣/ ١٣١٢. انظر: الأحاديث بالتفصيل: شرح معاني الآثار ٣/ ١٦٢ – ١٦٧؛ السنن الكبرى ٨/ ٢٥٤ – ٢٥٦. (٢) انظر: القدوري، ص ٩٦؛ المبسوط ٩/ ١٣٩، ١٥٣؛ الهداية ٥/ ٥٤٤، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٦/
١٣٣؛ المهذب ٢/ ٢٧٨؛ المنهاج، ص ١٣٣. (٤) الكثر، بفتحتين: جمار النخل، ويقال: الطلع، وسكون الثاء لغة. المصباح، مادة: (كثر). (٥) الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه، أبو داود، في الحدود، باب ما لا قطع فيه (٤٣٨٨)، ٤/ ١٣٦؛ الترمذي في الحدود، باب ما جاء لا قطع =
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الطعام والفواكه مال عند الناسِ، ويباع بالدراهم والدنانير، والقطع يجب بسرقة المال إذا كان نصابًا، وقد وجد هاهنا (١). مسألة:
٣٥٧ – قطع النباش النباش (٢) لا يقطع عندنا (٣)، وهو: سارق الكفن، وعند الشافعي: يقطع (٤). دليلنا في المسألة: لا خلاف: أن القطع يسقط بالشبهة، وقد تمكنت ها هنا الشبهة في المال، وفي الحرز، وفي الملك، والمالك، فلا يجب القطع، كما لو سرق من المفازة، وإنما قلنا: بتمكن الشبهة
= في ثمر ولا كثر (١٤٤٩)، ٣/ ٥٢؛ النسائي في السارق، باب ما لا قطع فيه ٨/ ٨٧؛ ابن ماجة، في الحدود، باب لا تقطع في ثمر ولا كثر (٢٥٩٣)، ٢/ ٨٦٥. وقال السرخسي في وجه الاستدلال بالحديث: «المراد بالثمار: الرطبة؛ لأنه يتسارع إليها الفساد، ولأن في
مالية هذه الأشياء نقصانًا؛ لأن المالية بالتمول، وذلك بالصيانة والادخار لوقت الحاجة، ولا يتأتى ذلك فيما يتسارع إليه الفساد، فيتمكن النقصان في ماليتها، وفي النقصان شبهة العدم …» المبسوط ٩/ ١٥٣. (١) واستدل الشافعية على القطع بسرقة الطعام الرطب بما روية أن سارقًا سرق في زمان عثمان رضي الله عنه أترجه، فقومت بثلاثة دراهم، فقطع عثمان رضي الله عنه يده. انظر: مختصر المزني، ص ١٢٦٣؛ السنن الكبرى، باب القطع في الطعام الرطب ٨/ ٢٦٢؛ المراجع السابق للشافعية. (٢) النباش، مأخوذ من نبش الأرض: استخرج الشيء المدفون، ومنه: نبش الرجل القبر، لأخذ ما على الميت من أكفان. انظر: المغرب، مختار الصحاح، المصباح، مادة: (نبش). (٣) انظر: القدوري، ص ٩٧؛ المبسوط ٩/ ١٥٩؛ الهداية ٥/ ٥٥٧، مع البناية. (٤) وللشافعية تفصيل بالنسبة لموقع القبر، فإن كان في برية فلا قطع؛ لأنه ليس بحرز للكفن، وإن كان في مقبرة تلي العمران قطع. انظر: مختصر المزني، ص ٢٦٤؛ المهذب ٢/ ٢٧٩؛ الوجيز ٢/ ١٧٤؛ المنهاج، ص ١٣٣؛ الروضة ١٠/ ١٢٩ – ١٣٣.
بالمال؛ لأن المال مما يدخر، والكفن إنما وضع للبلي والتلف، ولتمكن الشبهة في الحرز أيضًا؛ لأن القبر ليس بحرز للكفن، ألا ترى أنه لا يكون حرزًا لغير
الكفن [إذ] لو كان حرزًا للكفن كان حرزًا لغيره. وإنما قلنا: الشبهة تمكنت في الملك؛ لأن الكفن مصروف لحاجة الميت، والميت أيضًا لا يصلح أن يكون حافظًا، لأن القطع إنما يجب إذا سرق شيئًا من حافظ، والميت ليس بحافظ، وإذا وجد أحد هذه الشبهات، يسقط القطع، فكيف عند الاجتماع (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أنه لما سرق مالًا متقومًا من حرز مثله، فيجب القطع، كما لو سرق الحيوان من الاصطبل، وهذا لأن حرز كل شيء على حسب مايليق بحاله، وما يليق بحال الكفن، إنما هو القبر، فيجب القطع (٢). مسألة: ٣٥٨ – اجتماع القطع والضمان القطع والضمان، لا يجتمعان عندنا (٣)، وعند الشافعي: يجتمعان (٤).
(١) واستدل الأحناف من النقل: بقوله – ﷺ -: «لا قطع على المختفى»، قال الفيومي: «اختفيت الشيء: استخرجته، ومنه قيل لنباش القبور، المختفى؛ لأنه يستخرج الأكفان» المصباح، مادة: (خفي). قال العينية «هذا حديث غريب لا أصل له»، وروي عن ابن عباس نحوه في عدم القطع. انظر أدلتهم بالتفصيل: المبسوط ٩/ ١٥٩، ١٦٠؛ البناية ٥/ ٥٥٨. (٢) واستدل الشيرازي على قطع يد النباش من النقل بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أن النَّبِيّ – ﷺ -: قال: «من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه، ومن نبش قطعناه». سبق
تخريجه في المسألة (٣٣٢)، ص ٤٦٧. انظر: ما أورد البيهقي من الأحاديث والآثار في باب النباش يقطع إذا أخرج الكفن من جميع القبر، السنن الكبرى ٨/ ٢٦٩، ٢٧٠. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٧؛ المبسوط ٩/ ١٥٦؛ الهداية ٥/ ٦١١، مع البناية. (٤) انظر: الأم ٦/ ١٥١؛ المهذب ٢/ ٢٨٥؛ الروضة ١٠/ ١٤٩؛ المنهاج، ص ١٣٤.
بيانه: إذا هلك المسروق في يد السارق، فإنه تقطع يمينه، ولا يجب فيه المال عندنا، وعند الشافعي: تقطع ويغرم قيمة المال. دليلنا في المسألة، وهو: أن السارق لما قطعت يمينه إنما [قطعت] في مقابلة سرقة هذا المال، فصارت اليد مستوفاة في مقابلة هذا المال، فلو قلنا: بأنه يجب الضمان، يؤدي إلى اجتماع الضمانين بسبب عين واحدة، وهذا لا يجوز (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القطع إنما يجب جزاء على فعل السرقة حقًا لله تعالى، ألا ترى أنه إذا أسقط رب المال هذا القطع لم يسقط، عرفنا أنه حق الله تعالى على طريق الجزاء لفعل السرقة، والضمان إنما يجب بمقابلة المال، حتى يكون مراعاة للجانبين جميعًا (٢).
(١) واستدل الأحناف لعدم الجمع بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾
[المائدة: ٣٨]. ووجه الاستدلال من الآية كما قال السرخسي: فقد نص على أن القطع جميع موجب فعله؛ لأن في لفظ الجزاء إشارة إلى الكمال … وبما روى عبد الرحمن بن عوف، عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «لا غرم على السارق». الحديث رواه بلفظه الدارقطني، وروى نحوه النسائي والبيهقي. وقد تكلم المحدثون في إِسناده، قال النسائي: «هذا مرسل، وليس بثابت»، وقال الدارقطني: «والمسور بن إبراهيم لم يدرك عبد الرحمن بن عوف، فإن صح إسناده فهو مرسل»، وقيل فيه غير ذلك. انظر: سنن الدارقطني مع التعليق المغني ٣/ ١٨٢، ١٨٣؛ النسائي في آخر السرقة ٨/ ٩٣؛ السنن الكبرى ٨/ ٢٧٧. (٢) واستدل البيهقي لتغريم السارق، بما أخرجه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النَّبِيّ – ﷺ -: أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». انظر: السنن الكبرى، باب غرم السارق ٨/ ٢٧٦.
مسألة:
٣٥٩ – قطع الأطراف الأربع بتكرر السرقة السارق لا يؤتى على أطرافه الأربع عندنا (١)، وعند الشافعي: يؤتى (٢). بيان ذلك: إذا سرق مالًا تقطع يمينه، ولو عاد مرة أخرى تقطع رجله اليسرى، ولو عاد مرة أخرى لا تقطع يده اليسرى، عندنا، وعند الشافعي: تقطع اليسرى
في الثالث، وفي الرابع تقطع رجله اليمنى. دليلنا في المسألة، وهو:»ما روي أن هذه المسألة وقعت في زمان على بن أبي طالب رضي الله عنه: أخذ سارق مقطوع اليد والرجل، فرفع ذلك إلى على رضي الله عنه، فما أمر بقطعه، وقال: «أنا أستحي من الله عز وجل أن لا أدع له يدًا يبطش بها، ولا رجلًا يمشي عليها في حاجته» (٣). فكان المعنى فيه، وهو: إن القطع إنما شرع للزجر مع الِإبقاء، فلو قلنا: إنها تقطع [في] المرة الرابعة. فإنه يؤدي إلى الهلاك، وهذا غير مشروع (٤). احتج الشافعي في المسألة: بما روي أن سارقًا سرق حلي أسماء بنت أبي بكر (٥) رضي الله عنه، وهو مقطوع اليد والرجل،
(١) في المرة الثالثة لا تقطع عند الأحناف، ولكن يخلد في السجن حتى يتوب. انظر: القدوري، ص ٩٧؛ المبسوط ٩/ ١٤٠، ١٦٦؛ الهداية ٥/ ٥٨٦، مع البناية. (٢) انظر: الأم ٦/ ١٣٢؛ المهذب ٢/ ٢٨٤؛ المنهاج، ص ١٣٤. (٣) الأثر أخرجه الدارقطني في سننه على وجه الأخبار، وأخرجه البيهقي في سننه على هذا الوجه، وزاد في آخره: «ثم ضربه وخلده السجن». انظر: سنن الدارقطني ٣/ ١٠٣، ١٨٠؛ السنن الكبرى ٨/ ٢٧٥. (٤) راجع المصادر السابقة للأحناف. (٥) الصحيح أن الحلي كانت لأسماء بنت عميس زوجة أبي
بكر، وليست لأسماء بنت الصديق رضي الله عنهم، كما ذكره المؤلف.
فأمر أبو بكر رضي الله عنه، بقطع يده اليسرى، وهذا نص في هذه المسألة (١). مسألة:
٣٦٠ – القطع بسرقة أحد الزوجين من الآخر إذا سرق [الرجل] من مال زوجته، والمرأة [إذا] سرقت من مال زوجها، لا قطع عليهما عندنا (٢)، وعند الشافعي: يجب القطع (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن [للـ]ـزوج حقًا من مال المرأة، وله بسوطة في مالها؛ لأنه ينتفع بها، فصار كما لو سرق من ذي رحم محرم، ولو سرق من مال محارمه لايجب عليه القطع (٤)، فكذلك ها هنا. احتج الشافعي في المسألة، وقال: بأن ملك الزوجين مفارق عن صاحبه: لا حق للزوج في مال المرأة، ولا المرأة في مال الزوج، ولهذا نقول: بأنه تقبل شهادة كل واحد منهما على صاحبه
(١) والقصة بنصها كما رواها الإِمام مالك: «أن رجلًا من أهل اليمن، أقطع اليد والرجل، قدم فنزل على أبي بكر الصديق، فشكا إليه: أن عامل اليمن قد ظلمه، فكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر: وأبيك ماليلك بليل سارق، ثم أنهم فقدوا عقدًا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق، فجعل الرجل
يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح، فوجدوا الحلى عند صائغ، زعم أن الأقطع جاءه به، فاعترف به الأقطع، أو شهد عليه به، فأمر به أبو بكر الصديق، فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته». انظر الموطأ، في الحدود، باب جامع القطع ٢/ ٨٣٥؛ السنن الكبرى ٨/ ٢٧٣. (٢) انظر: القدوري، ص ٩٧؛ المبسوط ٩/ ١٩٠؛ الهداية ٥/ ٥٦٨، مع البناية. (٣) ما ذكره المؤلف هو القول الأظهر عند الشافعية من ثلاثة أقوال، كما نص عليه النووي في المنهاج. انظر: الأم ٦/ ١٦١؛ المهذب ٢/ ٢٨٢؛ المنهاج، ص ١٣٣. (٤) انظر: المبسوط ٩/ ١٥١؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٢٤٣؛ الهداية ٥/ ٥٦٧، مع البناية.
عندي (١)؛ لأن ملكها مميز، فيجب القطع بسرقته، كما لو سرق من الأجانب (٢). مسألة:
٣٦١ – القطع بسرقة المصحف إذا سرق المصحف، لا يجب عليه القطع عندنا (٣)، وعند الشافعي: يقطع إذا بلغ نصابًا (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن القطع إنما يجب بسرقة المال، والمكتوب في المصحف كلام الله تعالى لا يوصف بمال، فأورث الشبهة فيه، والقطع لا يستوفي مع الشبهة (٥). احتج الشافعي في المسألة،
وهو: أنه سرق مالًا متقومًا، فوجب عليه القطع؛ لأن المال: ما يتموله الناس، وهذا المصحف مما يتموله الناس، فيجب القطع بسرقته، كما لو سرق كتب العلم والأدب (٦).
(١) انظر المسألة بالتفصيل في (مسألة شهادة أحد الزوجين للآخر) (٣٩٠)، ص ٥٣٠. (٢) انظر: المهذب ٢/ ٢٨٢. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٦؛ المبسوط ٩/ ١٥٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٢٤٤؛ الهداية ٥/ ٥٤٧، مع البناية. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ٢٦٤؛ الروضة ١٠/ ١٢١. (٥) راجع: المصادر السابقة للأحناف. (٦) راجع: المصادر السابقة للشافعية.
كتاب قطاع الطريق (١) [مسألة]:
٣٦٢ – قطع الطريق بداخل البلدة إذا قطع الطريق في البلدة، فإن عندنا: لا يجب عليه أحكام قطاع الطريق (٢)، وعند الشافعي: يلزمه ما يلزمهم في السفر (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن الحد في قطاع الطريق إنما يجب لقطع الطريق؛ لأن السارق إذا قطع الطريق يسد ذلك الطريق، حتى لا يمر التجار، فلهذا يسمى: قاطع الطريق، وهذا المعنى: إذا
(١) قطاع الطريق: جمع قاطع، وهو مأخوذ من قطع، يقال: قطعته عن حقه: منعته عن حقه. انظر: المصباح، مادة: (قطع). واصطلاحًا عرفهم الكاساني بقوله: «هم الخارجون
على المارة، لأخذ المال عل سبيل المغالبة على وجه يمتنع المارة عن المرور وينقطع الطريق». وعرفهم الشافعي بقوله: «هم الذين يعترضون بالسلاح القوم، حتى يغصبوهم المال في الصحاري مجاهرة» وكذلك في المصر. ويسمى أيضًا بالسرقة الكبرى؛ لأن ضرر قطع الطريق على أصحاب الأموال [ضرر]، عل عامة المسلمين بانقطاع الطريق” وعقوبتهم تختلف بحسب اختلاف جرائمهم. انظر: مختصر المزني، ص ٢٦٥؛ البدائع ٩/ ٤٢٨٣؛ مجمع الأنهر ١/ ٦٢٩. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٧٦؛ المبسوط ٩/ ٢٠١؛ الهداية ٥/ ٦٤٠؛ الاختيار ٣/ ٧٢. (٣) قاطع الطريق بداخل البلدة يعد كقاطع الطريق في الصحاري على القول الأصح عند الشافعية. انظر: مختصر المزني، ص ٢٦٥؛ المهذب ٢/ ٢٨٥؛ الوجيز ١٧٩/ ٢؛ الروضة ١٠/ ١٥٥؛ المنهاج، ص ١٣٤.
كان في البلدة لا يحصل، فلا يشرع في حقه تغليظ العقوبة، كما لو سرق من البيت (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن تغليظ العقوبة إنما يجب بسبب أخذ المال، وقتل النفس، وها هنا لما أخذ المال وقتل، فقد تم قطع الطريق، فوجب أن يشرع في حقه تغليظ العقوبة، ليحصل معنى الزجر (٢). مسألة:
٣٦٣ – عقوبة المرأة إذا قطعت الطريق المرأة إذا قطعت الطريق، فإن عندنا: لا يلزمها ما
يلزم الرجل (٣)، وعند الشافعي: يلزمها (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن بنية المرأة غير صالحة للقتال، ألا ترى أنها لا تقتل في الكفر (٥)، لعدم صلاحيتها للمقاتلة؛ لأن جبلة المرأة ضعيفة، فلا يشرع في حقها ما يشرع في حق الرجل؛ لأن
(١) وذلك للحوقهم الغوث والنجدة بخلاف ما إذا وقع في خارج البلدة. انظر بالتفصيل: المصادر السابقة للأحناف. (٢) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٣) يروى – في عقوبة المرأة إذا قطعت الطريق – عن أبي حنيفة روايتان: الرواية المشهورة: أنها لا تعامل معاملة الرجال، وهذا هو الأصح لدى فقهاء الأحناف. وظاهر الرواية: أنها تعامل معاملة الرجال، واختاره الطحاوي، حيث يقول: «والنساء والعبيد في قطع الطريق كالرجال وكالأحرار» وقواها الكمال بن الهمام. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٧٧؛ المبسوط ٩/ ١٩٧؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٢٤٩؛ البدائع ٩/ ٤٢٨٤؛ فتح القدير ٥/ ٤٣٣. (٤) انظر: مختصر المزني، ص ٢٦٥؛ المهذب ٢/ ٢٨٥؛ الوجيز ٢/ ١٧٩؛ الروضة ١٠/ ١٥٥. (٥) راجع مسألة قتل المرتدة (٢٤٠)، ص ٣٦١.
قطع الطريق إنما يحصل من الرجال غالبًا، ولو وجد من المرأة يكون ذلك نادرًا، والنادر لا حكم له (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القطع والقتل متعلق
بالسرقة، فإذا وجدت من المرأة كما وجدت من الرجال، وجب أن يشرع القطع في حقها، كما لو سرق من البيت (٢). مسألة: ٣٦٤ – عقوبة الردء لقطاع الطريق الردء (٣)، يجب عليهم ما يجب على قطاع الطريق عندنا (٤)، وعند الشافعي: لا يجب (٥). دليلنا في المسألة، وهو: إن قاطع الطريق إنما يقطع بقوة الردء، فصاروا كلهم مشتركين؛ لأن عادة السراق هذا: أن يكون بعضهم مشتغلين بالقتال، وبعضهم بالقتل، وبعضهم بأخذ المال والحملة، فأوجبنا الحد على الكل تغليظًا عليهم، ليحصل معنى الزجر (٦).
(١) وقد ضعف الكمال بن الهمام أدلة الأحناف التي تذهب إلى التفرقة بين الرجل والمرأة في حكم قطع الطريق وقال ما معناه: أن الأوجه المذكورة في التفرقة بينهما مع ضعفها، تصادم إطلاق الكتاب في المحاربين. انظر بالتفصيل: المبسوط ٩/ ١٩٨؛ فتح القدير ٥/ ٤٣٣. (٢) ودليل الشافعية: عموم أدلة حد قطع الطريق بدون تفريق بين المرأة والرجل. راجع المصادر السابقة للشافعية. (٣) الردء: بالهمزة: المعين، يقال: ردأه: أعانه، وأردأته: أعنته. انظر: المغرب، المصباح، مادة: (ردوء). (٤) انظر: المبسوط ٩/ ١٩٨؛ البدائع ٩/ ٤٢٨٣ (٥) انظر: المهذب ٢/ ٢٨٦؛ الوجيز ٢/ ١٧٩؛ المنهاج، ص ١٣٤. (٦) راجع: المصادر السابقة للأحناف.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن القطع والقتل إنما يجب جزاء على فعل السرقة أو القتل، ولم يوجد هذا المعنى في حق الردء، فلا معنى لإِيجاب القطع والقتل في حقهم (١).
(١) واستدل الشيرازي لدرء الحد عنهم: بما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله – ﷺ -: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة». واللفظ للبخاري. البخاري، في الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (الآية) (٦٨٧٨)، ١٢/ ٢٠١؛ مسلم، في القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (١٦٧٦)، ٢/ ١٣٠٣. انظر: المهذب ٢/ ٢٨٦.
كتاب الأشربة (١) [مسألة]:
٣٦٥ – حكم الأنبذة ما يعصر من العنب والتمر، فحرام قليله وكثيره، وإذا كان غير العنب والتمر، مثل الشعير والحنطة والأرز [فحلال وإن لم يطبخ] (٢)، وإذا كان من العنب طبخ، فإن عندنا: عينه غير محرم، وإذا أسكر فحرام (٣). وعند الشافعي: حكم الأنبذة والمطبوخ من العنب، فالكل واحد في التحريم (٤). دليلنا في المسألة، وهو:»ما روي عن النبي – ﷺ
– أنه قال: «حرمت الخمر لعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب» (٥) وهذا نص.
(١) سبق ذكر تعريف الأشربة، في المسألة (١٩٥)، ص ٣٠٨، وسبق أن ذكر المؤلف كتاب الأشربة بعد كتاب الرهن، بمسألة (تخليل الخمر) وليس ثمة مناسبة لذكرها في ذلك الموضع، وموضعها السليم ضمن كتاب الطهارة، ثم ثنى بذكره هنا مرة أخرى، وأق بهذه المسألة، مع مسألة الختان، وهنا موقعه الطبيعي حيث جاء بعد الحدود. (٢) في الأصل نقص وزيدت لاستقامة العبارة. انظر: القدوري، ص ٩٨؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٦٢. (٣) ويحل عصير العنب المطبوخ بشرط أن يذهب ثلثاه، ويبقى الثلث ويغلى بعد ذلك. انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٨١؛ القدوري، ص ٩٨؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٥٩؛ الاختيار ٣/ ٥٦؛ تكملة فتح القدير ١٠/ ١٠٠، ١٠١. (٤) انظر: الأم ٦/ ١٤٤؛ المهذب ٢/ ٢٨٧؛ التنبيه، ص ١٥١؛ الوجيز ٢/ ١٨١؛ المنهاج، ص ١٣٥. (٥) الحديث أخرجه النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما بطرق وألفاظ مختلفة، وفي السند: عبد الله بن شداد، وقد تكلم المحدثون فيه.=
احتج الشافعي، في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «ما أسكر كثيره فالقليل منه حرام» (١)، وفي رواية أخرى: «فالجرعة
منه حرام»، وفي رواية أخرى: «ما أسكر كثيره فالبزقة منه حرام» (٢)، وهذا نص. مسألة: ٣٦٦ – حكم الختان الختان (٣) سنة في الرجال دون النساء، [عندنا] (٤)، وعند الشافعي: فرض في الرجال والنساء (٥). دليلنا في المسألة وهو: أن الختان إنما شرع في الرجال؛ لأنا
= قال ابن الأثير: وهو حديث حسن، وقال ابن حزم في المحلى، إنه صحيح. انظر: النسائي، في الأشربة، باب الأخبار التي اعتل بها من أيام شرب المسكر ٨/ ٣٢٠، ٣٢١؛ السنن الكبرى، مع الجوهر النقي ٨/ ٢٩٧؛ جامع الأصول ٥/ ١٠٤؛ المحلي ٧/ ٤٨١. (١) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب: وكلهم في كتاب الأشربة: أبو داود، باب النهي عن المسكر (٣٦٨١)، ٣/ ٣٢٧؛ الترمذي باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام (١٨٦٥)، وقال: «هذا حديث حسن غريب» ٤/ ٢٩٢؛ النسائي، باب تحريم كل شراب أسكر كثيره ٨/ ٣٠٥؛ وقال ابن الأثير: إسناده حسن، جامع الأصول ٤/ ٩٠. (٢) وفي رواية لأبي داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: «كل مسكر حرام، ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام»، وفي رواية للترمذي: «الحسوة منه حرام»، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن»، والفرق: بفتحتين مكيال. أبو
داود (٣٦٨٧)، ٣/ ٣٢٩؛ الترمذي (١٨٦٦)، ٤/ ٢٩٣؛ السنن الكبرى ٨/ ٢٩٦؛ المصباح، مادة: (فرق). (٣) الختان: بالكسر: موضع القطع من الفرج من الذكر والأنثى. والختان سنة مؤكدة للرجال، ومكرمة للنساء عند الأحناف، كما في كتب الفتاوي. انظر: المصباح، مادة: (ختن). (٤) انظر: الفتاوي الهندية ٥/ ٣٥٦، ٣٥٧؛ الفتاوي السراجية، ص ٢٨٩، ٢٩٠. (٥) انظر. المهذب ١/ ٢١؛ الروضة ١٠/ ١٨٠؛ المنهاج، ص ١٣٦.
إنما عرفناه لعرف الناس وعادتهم، والعرف جرى في الختان في الرجال دون النساء (١). احتج الشافعي، في المسألة وهو: أن الختان إنما شرع للتطهير ولما فيه من المنفعة التي أباحها الشرع، وهذا المعنى الرجل والمرأة يستويان فيه، كما في سائر الفرائض والسنن (٢).
(١) واستدل القائلون بالسنية في الرجال دون النساء، بما أخرجه أحمد من حديث أسامة الهذلي رضي الله عنه، قوله – ﷺ -: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء». مسند الإمام أحمد ٥/ ٧٥. انظر: تحفة المودود، ص ١٦٨. (٢) استدل الشافعية على الوجوب بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النحل ١٢٣)، «وروي أن إبراهيم عليه السلام اختتن بالقدوم» (آلة النجار). انظر أدلة الوجوب بالتفصيل: المهذب ١/ ٢١١؛ مغني المحتاج ٤/ ٢٠٣. انظر مسألة
الاختتان وأقوال العلماء فيها مع أدلتهم بالتفصيل: كتاب تحفة المودود في أحكام المولود، ص ١٦٢، وما بعدها. القاموس المحيط، المصباح، مادة: (قدم).
كتاب صئول (١) الفحل [مسألة]:
٣٦٧ – ضمان قتل الصئول الجمل إذا صال على إنسان، فقتله المصئول عليه دفعًا عن نفسه، يلزمه الضمان، عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يلزمه (٣). دليلنا في المسألة: أنه أتلف مال غيره بغير إذن مالكه، فيكون مضمونًا عليه، كما لو أتلفه قبل الصئول؛ لأنا لو قلنا: بأنه لا يضمن، إنما لا يضمن لأجل صياله، وصياله وفعله غير معتبر، لقول النبي – ﷺ – «العجماء جبار» (٤) أي هدر. احتج الشافعي، في المسألة: أنه قتله دافعًا شر القتل عن نفسه، فوجب أن لا يكون مضمونًا عليه، كما لو قتل عبد إنسان إذا أشهر سيفه، فقتله دافعًا عن نفسه لا يكون مضمونًا عليه، كذلك ها هنا (٥).
(١) صئول: من صال الفحل يصول صولًا وصالًا، «إذا وثب البعير على الإبل يقاتلها» ومن العرب من يقول: صئول، بالهمزة. المصباح، مادة: (صول). (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٥٨. (٣) انظر: الأم ٦/ ١٧٧؛ المهذب ٢/ ٢٢٦؛ المنهاج، ص ١٣٥. (٤) الحديث أخرجه الشيخان عن أبي
هريرة رضي الله عنه، وقد سبق تخريجه في المسألة (٢٣٥)، ص ٣٥١. (٥) راجع أدلتهم بالتفصيل: الأم ٦/ ١٧٧، وقد أطال الشافعي رحمه الله وأفاض في الاستدلال والمناقشة.
كتاب الجزية (١) [مسألة]:
٣٦٨ – سقوط الجزية الجزية عندنا: تسقط بالموت والإسلام (٢)، وعند الشافعي: لا تسقط (٣)، وكذلك الذمي إذا أسلم في آخر الحول سقطت عنه الجزية [عندنا]، وعند الشافعي: لا تسقط. دليلنا في المسألة وهو: أن الجزية إنما وجبت من طريق العقوبة بدلًا عن القتل، الدليل عليه: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤) دل على أنها إنما تجب من طريق [الذلة] (٥) والعقوبة، والعقوبات لا تستوفى بعد الموت وكذلك عقوبة الكفر لا تستوفى بعد الموت (٦).
(١) الجزية: مأخوذة من المجازاة، وقيل: من الجزاء، بمعنى القضاء، وجمعها: جزئ جِزي وجزاء. انظر: الصحاح، المصباح، القاموس، مادة: (جزى). واصطلاحًا: «هي اسم لما يؤخذ من أهل الذمة؛ لأنها تعصمهم من القتل»، كما ذكره الميداني. وقال الشربيني إنها «ليست مأخوذة في مقابلة الكفر ولا التقرير عليه، بل هي نوع إذلال لهم، ومعونة لنا، وربما يحملهم ذلك على الإسلام مع مخالطة المسلمين الداعية إلى معرفة محاسن
الإسلام». مغني المحتاج ٤/ ٢٤٢؛ اللباب ٤/ ١٤٣. (٢) انظر: القدوري، ص ١١٧؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٣٠؛ الهداية ٥/ ٨٢٨، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٤/ ١٨٣؛ المهذب ٢/ ٢٥٢؛ المنهاج، ص ١٣٨. (٤) سورة التوبة: آية ٢٩. (٥) في الأصل: (الملة). (٦) استدل الأحناف بما أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – ﷺ -: «ليس على المسلم جزية»: أبو داود، في الخراج والإمارة والفيء، باب في =
احتج الشافعي في المسألة وهو: أن الجزية هي حق مال ثبت في رقبته، فإذا لم يؤده ومضى عليه سنة، صار دينًا عليه، والديون تستوفى بعد الموت من تركته، كما في سائر الديون (١). مسألة:
٣٦٩ – أقل للجزية أقل الجزية ربع دينار [عندنا] ويختلف بين الغني والفقير (٢)، وعند الشافعي: أقلها دينار (٣). دليلنا [في المسألة] وهو: أن الجزية حق أوجبه الشرع باعتبار طاقة المؤدّى، فوجب أن تختلف بين الغني والفقير (٤)، كما في الزكاة.
= الذمي يسلم في بعض السنة هل عليه جزية؟ (٣٠٥٣)، ٣/ ١٧١؛ الترمذي، في الزكاة، باب ما جاء ليس على المسلمين جزية (٦٣٣)، ٣/ ٢٧. انظر: البناية
٥/ ٨٢٨. (١) وعلل الشيرازي لعدم السقوط بقوله: «لأنه عوض عن الحقن والمساكنة، وقد استوفى ذلك، فاستقر عليه العوض، كالأجرة بعد استيفاء المنفعة». المهذب ٢/ ٢٥٢. منشأ الخلاف بين الطرفين: تحديد سبب دفع الجزبة: هل الجزية عقوبة على الكفر وبدل عن النصرة، أم هي عوض عن الحقن والسكنى؟ . فذهب الأحناف إلى الرأي الأول وقالوا: «وعقوبة الكفر تسقط بالإسلام ولا تقام بعد الموت»، وكذلك النصرة بعد الإسلام. وذهب الشافعية إلى الرأي الثاني، وقالوا: «وقد استوفى ذلك فاستقر عليه العوض». انظر: الهداية ٥/ ٨٢٨ – ٨٣٠، مع البناية؛ المهذب ٢/ ٢٥٢. (٢) وتفصيله: «يكون على الغني الظاهر الغني في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا وعلى المتوسط الحال أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا». انظر: القدوري، ص ١١٦، ١١٧؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٥٢٧؛ الهداية ٦/ ٨١٥، مع البناية. (٣) ويستحب عند الشافعية أيضًا أن يجعل أهل الجزية على ثلاث طبقات كترتيب الأحناف كما ذكره الشيرازي. انظر: الأم ٤/ ١٧٩؛ المهذب ٢/ ٢٥٢؛ المنهاج، ص ١٣٨. (٤) واستدل الأحناف لمذهبهم بأقوال الصحابة، حيث نقل ذلك عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وقالوا: «ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين والأنصار». انظر: السنن الكبرى ٩/ ١٩٦؛ البناية ٥/ ٨١٩.
احتج الشافعي، في المسألة: «بما روي عن النبي – ﷺ – أنه أمر معاذًا بأن يأخذ من كل حالم دينارًا» (١)، ولم يفصل بين الغني والفقير (٢).
(١) الحديث في أصل المخطوط: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه أمره بأن يأخذ كل واحد دينارًا«، وإنما عدّل بحسب ما ورد في رواية معاذ رضي الله عنه الآتية:»عن معاذ أن النبي – ﷺ – لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا، أو عدله من المعافري: ثياب تكون باليمن«: رواه أبو داود، في الخراج والإِمارة، باب في أخذ الجزية (٣٠٣٨)، ٣/ ١٦٧؛ الترمذي، في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر (٦٢٣)، وقال:»حديث حسن” ٣/ ٢٠؛ النسائي، في الزكاة باب زكاة البقر ٥/ ٢٥، ٢٦. (٢) راجع: المراجع السابقة للشافعية.
كتاب الصيد والذبائح (١) [مسألة]:
٣٧٠ – ترك التسمية عمدًا إذا ذبح الشاة وترك التسمية عامدًا، يحرم أكله، ويصير كالميتة عندنا (٢)، وعند الشافعي: يحل أكله (٣). ولا خلاف: أنه لو ذبح الشاة وترك التسمية ناسيًا، حلّ أكله (٤). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ
(١) الصيد: مصدر: صاد يصيد صيدًا، ثم أطلق الصيد على المصيد، إما أنه فعل بمعنى مفعول، وإما تسمية بالمصدر، والجمع: صيود. وهو: «كل ممتنع متوحش طبعًا لا يمكن أخذه إلا بحيلة»، «وزيد عليه أحكام شرعًا». انظر: المغرب، المصباح، مادة: (صيد)، اللباب ٣/ ٢١٧. وعرفه الغزالي بأنه: «إماتة الصيد بآلة: وهو كل جرح مقصود حصل به الموت». الوجيز ٢/ ٢٠٧. والذبائح: جمع ذبيحة: وهي اسم ما يذبح من النعم، كالذبح بالكسر. انظر: المصباح: مادة (ذبح) والذبح في الشرع: «قطع الأوداج» بمعنى: «حرم حيوان من شأنه الذبح إذا لم يذبح». انظر: الدر المختار ٦/ ٢٩٣، مع حاشية ابن عابدين؛ مجمع الأنهر ٢/ ٥٠٧؛ مغني المحتاج ٤/ ٢٦٥. (٢) انظر: القدوري، ص ٩٩؛ المبسوط ١١/ ٢٣٦؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٩٢؛ الهداية ٩/ ١٦، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٢/ ٢٢٧، ٢٣٤؛ المهذب ١/ ٢٥٩؛ نهاية المحتاج ٨/ ١١٩. (٤) راجع: المصادر السابقة للمذهبين.
اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (١) فالله تعالى فهى عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وأخبر أنه فسق، وهذا نص في هذا الباب (٢). احتج الشافعي، في المسألة، بأن قال: إنا أجمعنا على أنه لو ترك التسمية ناسيًا حلّ أكله، فكذلك
إذا تركها عامدًا؛ لأن ذكر الله تعالى في قلب كل امرئ مسلم (٣)، فوجب أن يقام الذكر بالقلب مقام الذكر باللسان (٤). مسألة: ٣٧١ – ذكاة الجنين ذكاة أمه إذا ذبح شاة، وخرج من بطنها جنين ميت، عندنا: لا يحل أكله (٤)، وعند الشافعي: يحل أكله (٥)، هذا إذا أشعر الولد ودخل فيه الحياة، وأما إذا كان قطعة لحم فلا يؤكل بلا خلاف. دليلنا في المسألة، وهو: أن هذا حيوان على حدة، فوجب أن يشرع له ذكاة على حدة، كما لو وقع شاتان في بئر، فطعن العليا،
(١) سورة الأنعام: آية ١٢١. (٢) انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٥ وما بعدها؛ تفسير النسفي ٢/ ٣١؛ المبسوط ١١/ ٢٣٧، وما بعدها؛ البناية ٩/ ٢١ وما بعدها. (٣) ويقصد به ما روي عن البراء بن عازب: «أن اسم الله على قلب كل مؤمن سمي أو لم يسم». تفسير القرطبي ٧/ ٧٦. واستدل الرملي على حليّة المذبوح مع ترك التسمية عمدًا، بإباحة ذبائح أهل الكتاب، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (المائدة ٥)، «وهم لا يذكرونها [التسمية]». نهاية المحتاج ٨/ ١١٩. انظر المسألة مع أدلتها بالتفصيل في: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (الأنعام ١٢١)،
تفسير القرطبي ٧/ ٧٥، ٧٦، ٧٧؛ تفسير البيضاوي ١/ ٣٢٩. (٤) انظر: القدوري، ص ٩٩؛ المبسوط ١٢/ ٦؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٩٢؛ الهداية ٩/ ٥٦، مع البناية. (٥) انظر: الأم ٢/ ٢٣٣؛ المهذب ١/ ٢٦٢؛ المنهاج، ص ١٤٣.
وماتت السفلى باضطراب العليا، فإنه لا يحل أكله لهذا المعنى؛ لأنه لما ذبح الأم يقطع نَفَسها، فمات الجنين في بطنها خنقًا، والمنخنقة حرام في كتاب الله عز وجل (١). احتج الشافعي: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (٢) جعل الجنين مذكاة بذكاة أمه، فكان المعنى فيه: أن الجنين ما دام مجتنا في البطن، فحكمه كحكم الأجزاء والأطراف من الأم، وجب أن لا يشرع في حقه الذكاء؛ لأنه متعذر، فوجب أن يقام ذكاة الأم ذكاة له. مسألة:
٣٧٢ – أكل السمك الطافي السمك الطافي، لا يحل أكله عندنا (٣)، وعند الشافعي: يحل أكله (٤). والخلاف إنما وقع: إذا طفا ولم يعرف موته بسبب، وأما إذا عرف موته بسبب: بأن ألقاه البحر على الشط، أو عقره سمك آخر، فحل أكله بلا خلاف.
(١) ويقصد به قول الله عز وجل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ
وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ (المائدة ٣). راجع الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١٢/ ٦، ٧؛ البناية ٩/ ٥٩ وما بعدها. (٢) الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث جابر وأبي سعيد الخدري، رضي الله عنهم: أبو داود، في الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين (٢٨٢٨)، ٣/ ١٠٣؛ الترمذي، في الأطعمة؛ باب ما جاء في ذكاة الجنين (١٤٧٦)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح» ٤/ ٧٢؛ ابن ماجه، في الذبائح، باب ذكاة الجنين ذكاة أمه (٣١٩٩)، ٢/ ١٠٦٧. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٩؛ المبسوط ١١/ ٢٤٧. (٤) انظر: الأم ٢/ ٢٣٣؛ المهذب ١/ ٣٥٧؛ المنهاج، ص ١٤٣.
دليلنا في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – «أنه نهى عن أكل السمك الطافي» (١) وهذا نص. احتج الشافعي، في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه سئل عن البحر؟ فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (٢) وهذا نص. مسألة:
٣٧٣ – الذبح بالسن والظفر إذا ذبح الحيوان بالسن أو بالظفر إذا كان منزوعًا يحل أكله عندنا: وإذا كان متصلًا فذبحه، فإنه لا يحل (٣)، وعند الشافعي: لا يحل أكله منفصلًا كان أو متصلًا (٤). دليلنا في المسألة
وهو: أن من شرط استباحة الحيوان كونه مذبوحًا، لإِراقة الدم المسفوح، وهذا المعنى: قد وجد ها هنا،
(١) الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا: قال أبو داود: «روى هذا الحديث سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر، وقد أسند أيضًا من وجه ضعيف …». ونقل فؤاد عبد الباقي في تعليقه على ابن ماجه عن الدميري قوله: «هو حديث ضعيف باتفاق الحفّاظ، لا يجوز الاحتجاج به، فإنه من رواية يحيى بن سليم الطائفي». انظر: سنن أبي داود، في الأطعمة، باب لا أكل الطافي من السمك (٣٨١٥)، ٣/ ٣٥٨؛ ابن ماجه، في الصيد، باب الطافي من صيد البحر (٣٢٤٧)، ٢/ ١٠٨٢. وراجع المبسوط ١١/ ٢٤٧، ٢٤٨. (٢) الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. وكلهم في الطهارة، في باب الوضوء بماء البحر: أبو داود (٨٣)، ١/ ٢١؛ الترمذي (٦٩) وقال: «حديث حسن صحيح» ١/ ١٠٠؛ النسائي، في المياه (١/ ١٧٦؛ ابن ماجه (٣٨٦) ١/ ١٣٦. (٣) انظر: القدوري، ص ٩٩؛ المبسوط ٢/ ١٢؛ الهداية ٩/ ٤١، مع البناية. (٤) انظر: الأم ٢/ ٢٣٦؛ المهذب ١/ ٢٥٩؛ التنبيه، ص ٥٩؛ المنهاج، ص ٤١.
فوجب أن يحل، كما لو ذبحه بليطة القصب (١)، أو بحربة [حادة] (٢) فإنه يحل أكله، كذلك ها هنا (٣). احتج الشافعي، في المسألة:»بما روي عن النبي – ﷺ – أنه سئل عن هذا؟ فنهى عنه، وقال: «إنه مدي (٤)، الحبشة» (٥) وهذا نص.
(١) الليطة: قشرة القصبة، والقوس والقناة وكل شيء له متانة. انظر: مختار الصحاح، معجم الوسيط، مادة: (ليط). (٢) في الأصل: (حدة). (٣) انظر أدلتهم بالتفصيل: المبسوط ٢/ ١٢؛ البناية ٩/ ٤٣. (٤) المدى، ومفرده: المدية – بضم الميم – الشفرة، انظر: المصباح، مادة: (مدى). (٥) الحديث أخرجه الشيخان: عن رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله: إنا لاقوا العدو غدًا، وليست معنا مدي، قال – ﷺ -: «اعجل أو أرني ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل، ليس السن والظفر، وسأحدثك أما السن: فعظم، وأما الظفر: فمدي الحبشة …». البخاري، في الذبائح والصيد، باب لا يذكي بالسن والعظم والظفر (٥٥٠٦)، ٩/ ٦٣٣؛ مسلم، في الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، إلا السن والظفر وسائر العظام (١٩٦٨)، ٣/ ١٥٥٨.
كتاب الأضحية (١) [مسألة]:
٣٧٤ – حكم الأضحية
الأضحية واجبة عندنا (٢)، وعند الشافعي: سنة (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة» (٤). والعتيرة قد
(١) الأضحية: مشتقة من الضحوة، وسمي ذبح الأضحية بذلك؛ لأنها: تفعل في الضحى، من تسمية الشيء باسم وقته، وهذا أصله، ثم كثر استعمالها في هذا المعنى حتى قيل ضحى: في أي وقت كان في أيام الأضحى. وفيها لغات: بضم الهمزة في الأكثر، وكسرها اتباعًا لكسر الحاء، وجمعها: أضاحي، وضحية، وجمعها: ضحايا، وأضحاة بفتح الهمزة، وجمعها: أضحى. وشرعًا عرفها الأحناف بأنها: «ذبح حيوان مخصص بنية القربة في وقت مخصوص». انظر: الدر المختار ٦/ ٣١١، ٣١٢، مع حاشية ابن عابدين. وعرفها الشافعية بأنها: «ما يذبح من النعم تقربًا إلى الله تعالى من يوم العيد إلى آخر أيام التشريق». مغني المحتاج ٤/ ٢٨٢. (٢) تجب الأضحية عند الأحناف بشرط أن يكون المضحي: حرًا، مسلمًا، مقيمًا موسرًا، في يوم الأضحى. انظر: القدوري، ص ١٠٠؛ المبسوط ٨/ ١٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ١١٣. (٣) انظر: الأم ٢/ ٢٢١؛ المهذب ١/ ٢٤٤؛ المنهاج، ص ١٤٢. (٤) الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه: من حديث محنف بن سليم قال: كنا وقوفًا عند النبي – ﷺ – بعرفة فقال: «يا أيها الناس: إن
على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هي التي يسميها الناس الرجبية». النسائي، في الفرع والعتيرة ٧/ ١٦٧؛ ابن ماجه، في الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ (٣١٢٥) ٢/ ١٠٤٥.
نسخت (١)، فبقيت الأضحية واجبة. احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم» (٢) صلوات الله [تعالى عليه]. [مسألة]:
٣٧٥ – كيفية ذكاة الحيوان الذكاة في الحلق (٣) بين اللبة (٤) والودجين (٥) عندنا (٦)، وعند الشافعي: هو قطع الحلق واللبة (٧).
(١) والدليل على نسخ العتيرة ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا فرع ولا عتيرة». البخاري، في العقيقة، باب العتيرة (٥٤٧٤)، فح الباري ٩/ ٥٩٦؛ مسلم في الأضاحي باب الفرع والعتيرة (١٩٧٦)، ٣/ ١٥٦٤. (٢) لم يرد الحديث بهذا اللفظ، ولفظه: كما رواه ابن ماجه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال أصحاب رسول الله – ﷺ -: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم …» الحديث. ونقل عن الزوائد: «في إسناده أبو داود،
واسمه نفيع بن الحارث، وهو متروك، واتهم بوضع الحديث». ابن ماجه، في الأضاحي، باب ثواب الأضحية (٣١٢٧)، ٢/ ١٠٤٥. (٣) الحلق: وهو في الأصل الحلقوم كما في الصحاح، مادة: (حلق). (٤) اللبة: بالفتح والتشديد؛ المنحر: من العقدة إلى مبدأ المصدر. انظر: المغرب، المصباح مادة: (لبب). (٥) الودجان: «عرقان غليظان يكتنفان ثغرة المنحر، يمينًا ويسارًا»، المغرب، المصباح، مادة: (ودج). (٦) اختلفت روايات كتب الأحناف في: بيان محل الذبح، قال القدوري: «والذبح بين الحلق واللبة، والعروق التي تقطع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمرئ والودجان، وإن قطعها حل الأكل، وإن قطع أكرها [ثلاثة منها] فكذلك عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى»؛ القدوري، ص ٩٩. انظر بالتفصيل: المبسوط ٢/ ١٢، ٣؛ البناية في شرح الهداية ٩/ ٣٢ وما بعدها؛ اللباب ٣/ ٢٢٥، ٢٢٦. (٧) انظر الأم ٢/ ٢٣٦، ٢٣٧؛ المهذب ١/ ٢٥٩؛ المنهاج، ص ١٤٠؛ نهاية المحتاج ٨/ ١١١. والخلاف بين الطرفين ينحصر في الودجين؛ لأن المجزئ في الذكاة عند أبي حنيفة: قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين، وعند الشافعي: قطع الحلقوم والمريء فقط، ولا يجب قطع الودجين بل يستحب، كما سبق بيانه.
دليلنا في المسألة، وهو: أن المقصود من الذكاة: إنما هو إراقة دم، وهذا المعنى، لا يحصل إلا
بقطع الودجين (١). احتج الشافعي في المسألة: بدليل ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «الذكاة فيما بين اللبة واللحيين» (٢). [مسألة]: ٣٧٦ – أكل لحم الخيل لحم الخيل يكره أكله عندنا (٣)، وعند الشافعي: يحل أكله (٤). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (٥) ذكر الخيل مع البغال والحمير، وبين منفعتها للركوب والزينة، فلو كان مأكولًا لبين منفعة الأكل، وقرنها مع البغل والحمار في الذكر، ثم إن البغل والحمار لا يؤكل، فكذلك الخيل (٦).
(١) واستدل الأحناف من النقل، بقوله – ﷺ -: «أفر الأوداج بما شئت»، قال الزيلعي والعيني: «رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه». انظر: نصب الراية ٤/ ١٨٧؛ البناية ٩/ ٣٥، ٣٦. بالإِضافة إلى دليل الشافعي رحمه الله تعالى الآتي. (٢) الحديث أخرجه الدارقطني في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله – ﷺ -، بديل بن ورقاء الخزاعي، على جمل أورق يصبح في فجاج منى: «ألا إن الذكاة في الحلق واللبة …». وإسناده ضعيف كما قال البيهقي: «وقد روي هذا من وجه ضعيف مرفوعا وليس بشيء». وأخرجه البيهقي موقوفًا على عمر وابن عباس رضي الله عنهم. انظر: سنن الدارقطني
٤/ ٢٨٣؛ السنن الكبرى ٩/ ٢٧٨. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٩٩؛ القدوري، ص ٩٩؛ المبسوط ١١/ ٢٣٣؛ الهداية ٩/ ٨١، مع البناية. (٤) انظر: الأم ٢/ ٢٥١؛ المهذب ١/ ٢٥٣؛ التنبيه، ص ٦٠؛ الوجيز ٢/ ٢١٥؛ المنهاج، ص ١٤٣. (٥) سورة النحل: الآية ٨. (٦) انظر الأدلة بالتفصيل: المبسوط ١١/ ٣٣٤؛ البناية ٩/ ٨٢ وما بعدها.
احتج الشافعي في المسألة؛ لأن الخيل قد أكل في زمان رسول الله – ﷺ – (١) وفي زمان أصحابه، حتى أن عمر رضي الله عنه مر على قرية فرأى أنهم يأكلون المهر، فسأل عن ذلك فقالوا: إنا نأكل الفلوة (٢)؛ لأن الساعة قريب، قال عمر رضي الله عنه: لا تفعلوا فإن في الأمر تراخيًا، فهذا دليل على أنه حلال (٣). مسألة:
٣٧٧ – ما يحل للمضطر أن يأكل من الميتة المضطر يحل له أن يأكل من الميتة، قدر سد الرمق، وقدر الشبع لا يحل عندنا (٤)، وعند الشافعي: يحل (٥). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٦) أراد به أن يأكل عند الضرورة من غير شبع (٧).
(١) ذلك بما أخرجه الشيخان عن جابر رضي الله
عنه قال: «نهى رسول – ﷺ – يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل»، ولفظ البخاري: «ورخص في لحوم الخيل». وكذلك ما روي في الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت: «نحرنا على عهد رسول الله فرسًا فأكلناه». البخاري، في الذبائح، باب لحوم الخيل (٥٥١٩، ٥٥٢٠)، ٩/ ٦٤٨؛ مسلم، في الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل (١٩٤١، ١٩٤٢)، ٣/ ١٥٤١؛ السنن الكبرى ٩/ ٣٢٦. (٢) الفلّو: المهر يفصل عن أمه، والجمع: أفلاء، والفلوة: الأنثى. انظر: المصباح، مادة: (فلو). (٣) لم أعثر على هذا الأثر ويغني ما ثبت في الصحيحين عن جواز أكل لحم الخيل عن هذا. (٤) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٢٨٠؛ أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣٠. (٥) ما ذكره المؤلف عن الشافعي هو قول مرجوح لدى الشافعية، والراجح: أنه لا يجوز له إلا قدر سد الرمق، إلا أن يخاف تلفًا إن اقتصر عليه، قال النووي في المنهاج: «وهو القول الأظهر». انظر: مختصر المزني، ص ٢٨٦؛ المهذب ١/ ٢٥٧؛ والتنبيه، ص ٦١؛ المنهاج، ص ١٤٣. (٦) سورة البقرة: آية ١٧٣. (٧) انظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ١٣٠.
احتج الشافعي في المسألة بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ
غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ (١) فالله تعالى قد أباح أكله عند المخمصة والمجاعة، ولم يبين الشبع وكيره (٢).
(١) سورة المائدة: آية ٣. (٢) انظر: أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤١.
كتاب الأيمان (١) [مسألة]:
٣٧٨ – الكفارة في يمين الغموس يمين الغموس، لا كفارة فيه [عندنا] (٢) وعند الشافعي: يجب فيه الكفارة (٣). وصورة يمين الغموس: إذا حلف على شيء أنه فعل وهو يعلم أنه [لم] (٤) يفعل، هذه صورة يمين الغموس، وأما اليمين في المستقبل (٥) فلا خلاف: أن فيه كفارة، وصورته: إذا قال: والله لا أفعل كذا، فإن فعل يحنث وتلزمه الكفارة. دليلنا في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «خمس لا كفارة فيهن: فذكر من جملتها يمين الغموس» (٦).
(١) سبق تعريف الأيمان في المسألة (٢٩٨)، ص ٤٢٧، كرر المؤلف هذا الكتاب مرتين، وسبب ذلك: حيث وضع الكتاب الأول بعد الطلاق والظهار فتحدث فيه عما يتعلق بالعتق في كفارة الظهار، وما يصلح للكفارة وما لا يصلح لها، وتحدث هنا عن اليمين: الذي هو القَسَم وأنواعه، وكذلك النذر، فناسب وضعه هنا حيث ذكر بعد الأضحية والذبائح. (٢)
وإنما فيه التوبة والاستغفار عند الأحناف. انظر: القدوري، ص ١٠٠؛ المبسوط ٨/ ١٢٧؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٤٣٦؛ الهداية ٥/ ١٥٨، مع البناية. (٣) نطر: الأم ٧/ ٦١؛ المهذب ٢/ ١٢٩؛ الوجيز ٣/ ٢٢٣؛ الروضة ١١/ ٣؛ المنهاج، ص ١٤٤. (٤) وفي الأصل: (لا). (٥) أي: اليمين المنعقدة. (٦) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بلفظ: «ويمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حق»، وقد سبق تخريجه في المسألة (٣٤٢)، ص ٤٧٧.
احتج الشافعي في المسألة، وقال: إن الكفارة إنما شر [عت] لرفع الإِثم ولمحو الذنب، لم أنا أجمعنا على أن الكفارة تجب في المستقبل، [وهذا] دليل على إيجاب الكفارة في يمين الماضي (١). مسألة:
٣٧٩ – انعقاد يمين الإكراه يمين الإِكراه عندنا: ينعقد (٢)، وعند الشافعي: لا ينعقد (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن هذا حر مخاطب، عقد يمينه بلسانه، فوجب أن تجب الكفارة، كيمين الطائع (٤). احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٥) فقد أخبر أن حكم الإِكراه مرفوع. مسألة:
٣٨٠ – انعقاد يمين الكافر يمين الكافر، عندنا: لا ينعد [و] لا تلزمه الكفارة (٦)، وعند الشافعي:
ينعقد وتلزمه الكفارة (٧). دليلنا في المسألة، وهو: أن حكم الكفارة تارة يكون بالمال، وتارة يكون بالصوم، والصوم عبادة، والكافر ليس من أهل
(١) واستدل الشافعي لمذهبه من النقل بأدلة كثيرة، منها قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (المجادلة ٢)، ثم جعل فيه الكفارة. انظر بالتفصيل: الأم ٧/ ٦١. (٢) انظر: القدوري، ص ١٠٠؛ المبسوط ٢٤/ ١٠٥؛ الهداية ٨/ ٢٠٤، مع البناية. (٣) انظر: المهذب ٢/ ١٢٩. (٤) راجع المبسوط ٢٤/ ١٠٦. (٥) الحديث قد سبق تخريجه في المسألة (٦٤)، ص ١٦٠. (٦) انظر: القدوري، ص ١٠١؛ المبسوط ٨/ ١٤٦. (٧) انظر: المهذب ٢/ ١٢٩؛ التنبيه، ص ١٢٢.
العبادة، فلهذا قلنا: بأنه لا ينعقد يمينه؛ لأنه ليس من أهل حكمه (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن اليمين تصرف في نفسه، فكان حكمه إيجاب الكفارة، والكافر من أهله، كما قلنا: في سائر الأيمان (٢). مسألة:
٣٨١ – نذر صوم أيام النحر والتشريق إذا نذر أن يصوم أيام النحر، وأيام التشريق، عندنا: ينعقد نذره (٣)، وعند الشافعي: لا ينعقد نذره (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن هذا الرجل نذر أن يصوم في يوم، وذلك
اليوم صالح للصوم في الجملة، من حيث إن بياض النهار من أن يكون محلا صالحًا للصوم، والنذر تصرف في نفسه، فوجب أن يصح، ويصوم في يوم آخر، ويخرج عن عهدة النذر (٥). احتج الشافعي في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «ألا لا تصوموا في هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وبعال» (٦)
(١) راجع: المبسوط ٨/ ١٤٦. (٢) أساس الخلاف في المسألة هي القاعدة الأصولية: (خطاب الكفار بفروع الشرع)، وقد سبق الكلام عنها بالتفصيل في المسألة (٧٠)، ص ١٦٧، ١٦٨. (٣) وعلى الناذر «أن يفطر ما أوجب على نفسه من ذلك، ويقضي مثله من الأيام التي يحل صومها، وعليه في قول أبي حنيفة كفارة يمين إن كان أراد يمينًا». انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٢٤، ٣٢٥؛ البدائع ٦/ ٢٨٦٥. (٤) انظر: الأم ٢/ ٢٥٥؛ المهذب ١/ ٢٤٩؛ المنهاج؛ ص ١٤٧؛ مغني المحتاج ٤/ ٣٥٦. (٥) انظر الأدلة بالتفصيل: البدائع ٦/ ٢٨٦٥. (٦) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث نبيشة، وقد سبق تخريجه في المسألة (١٤٨)، ص ٢٥٨.
فالنبي – ﷺ – نهى عن الصوم في هذه الأيام، ولو صام يكون: معصية، والنذر بالمعاصي لا يجوز (١). مسألة:
٣٨٢ – النذر بذبح الولد إذا نذر أن يذبح ولده، عندنا: ينعقد نذره، ويلزمه ذبح شاة (٢)، وعند الشافعي: لا يصح نذره ولا يلزمه شيء (٣). دليلنا في المسألة؛ لأن الناذر يخرج عن نذره حسب ما خرج المأمور عن أمره، . والدليل عليه: قصة إبراهيم [عليه السلام] أمر بذبح الولد، فخرج منه بالفداء (٤)، فكذلك الناذر، وجب أن يخرج عن نذره بذبح الشاة، استدلالًا بقصة إبراهيم عليه السلام (٥). احتج الشافعي في المسألة: أنه نذر في معصية؛ لأن ذبح الولد معصية، والنذر بالمعاصي لا ينعقد، كما لو نذر قتل ولده، فإنه لا يصح نذره، كذلك ها هنا (٦).
(١) استدلالًا بقوله – ﷺ -: «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» وقد سبق تخريجه في المسألة (٢٣٩)، ص ٣٦١. (٢) انظر: المبسوط ٨/ ١٣٩؛ الاختيار ٣/ ٣٥. (٣) انظر: الأم ٧/ ٦٨؛ مغني المحتاج ٤/ ٣٧١. (٤) وقصة إبراهيم كما ذكرها الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. انظر: القصة سورة في سورة الصافات: آية ١٠١ – ١٠٤. (٥) راجع: المبسوط ٨/ ١٤٠، ١٤١؛ الاختيار ٣/ ٣٥. (٦) واحتج الشافعي
على عدم انعقاد نذر المعصية بإبطال الله تعالى النذر في البحيرة والسائبة؛ لأنها معصية، وقال: «وكان فيه دلالة على أن من نذر معصية لله عز وجل أن لا يفي، ولا كفارة عليه وبذلك جاءت السنة». انظر بالتفصيل: الأم ٧/ ٦٨.
كتاب أدب القاضي (١) [مسألة]:
٣٨٣ – القضاء على الغائب القضاء على الغائب لا يجوز عندنا (٢)، وقال الشافعي: يجوز (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن القاضي إنما يقضي على الخصم، إما بالإِقرار أو بالنكول والغائب لا يدري إقراره ولا إنكاره ولا نكوله، فوجب أن لا يجوز القضاء عليه (٤). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الحجة إذا ثبتت عند
(١) أدب القاضي: وترجم له في أكثر الكتب بكتاب القضاء، والأدب: الخصال الحميدة. والقضاء في اللغة: إحكام الشيء وإمضاؤه. انظر: المصباح، مادة: (قضى). وقال ابن قتيبة: القضاء يجئ لمعان مختلفة، كلها تعود إلى واحد، أصله: الحتم والفراغ عن الأمر، وبه يجري ألفاظ القرآن. وفي الشرع عرفه الأحناف بأنه: فصل الخصومات، وقطع المنازعات على وجه خاص. انظر: البناية ٧/ ٣؛ الدر المختار ٥/ ٣٥٢، مع حاشية ابن عابدين. وعرفه الشافعية بأنه الحكم الذي يستفيده القاضي بالولاية، والحكم المترتب
عليها، أو إلزام من له، بحكم الشرع. «وسمي القضاء حكمًا، لما فيه من الحكمة التي توجب الشيء في محله، لكونه يكف الظالم عن ظلمه». انظر: مغني المحتاج ٤/ ٣٧٢؛ نهاية المحتاج ٨/ ٢٣٥. (٢) ولا يجوز القضاء على الغائب عند الأحناف «إلا أن يحضر من يقوم مقامه». انظر: القدوري، ص ١١٠؛ المبسوط ١٧/ ٣٩؛ الهداية ٧/ ٦٠، مع البناية. (٣) انظر: المهذب ٢/ ٣٠٤؛ المنهاج، ص ١٥٠؛ مغني المحتاج ٤/ ٤٠٦؛ نهاية المحتاج ٨/ ٢٦٨. (٤) راجع: المراجع السابقة للأحناف.
القاضي، وجب على القاضي إحياء ذلك الحق، والخصم إذا كان غائبًا، يقدر القاضي إحياء ذلك الحق بالإِلزام، فلا بد أن يكون كتابًا حكميًا، وينقل حكمه إلى القاضي الذي كان الخصم عنده، بإيصال هذا المستحق إلى حقه (١). مسألة:
٣٨٤ – القضاء في المساجد يجوز القضاء والحكومة في المساجد عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يجوز (٣). دليلنا في المسألة: «ما روي عن النبي – ﷺ – أنه كان يسمع الخصومة، وهو في المسجد الحرام، وكذلك الصحابة بعده (٤). احتج الشافعي: بقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ
(١) واستدل الشافعية لذلك: بعموم الأدلة، وبقضاء عمر وعثمان رضي الله عنهما على
الغائب مع عدم وجود مخالف لهما من الصحابة رضوان الله عليهم. انظر بالتفصيل: المهذب ٢/ ٣٠٤؛ مغني المحتاج ٤/ ٤٠٦. (٢) يجوز القضاء في المساجد عند الأحناف، مع عدم إقامة حد أو تعزير فيهما. انظر: القدوري، ص ١١٠؛ المبسوط ١٦/ ٨٠، ١٠٧؛ الهداية ٧/ ٢٢، مع البناية. (٣) المقصود بعدم الجواز: الكراهة على القول الأصح. انظر: الأم ٦/ ١٩٨؛ المهذب ٢/ ٢٩٤؛ الوجيز ٢/ ٢٤٠؛ الروضة ١١/ ١٣٨؛ المنهاج، ص ١٤٩. (٤) وثبت في فصل الخصومة في المسجد أحاديث، منها: ما أخرجه الشيخان عن سهل بن سعد في قصة اللعان:»أن رجلًا قال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا .. إلى أن قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد”. وكذلك ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه لاعن في المسجد عند منبر النبي – ﷺ – كما رواه البخاري. انظر: البخاري، في الطلاق، باب التلاعن في المسجد (٥٣٠٩)، ٩/ ٥٢٤؛ وفي كتاب الأحكام، باب من قضى ولاعن في المسجد ١٣/ ١٥٤؛ مسلم، في اللعان (١٤٩٢)، ٢/ ١١٣٠؛ وراجع الأدلة بالتفصيل: البناية ٧/ ٢٣.
فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) نهى أن يدعى في المسجد لغير الله تعالى (٢). مسألة:
٣٨٥ –
قضاء المرأة
المرأة يجوز أن تكون قاضية، فيما تقبل شهادتها عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا يجوز (٤). دليلنا في المسألة، وهو: أن المرأة صلحت أن تكون شاهدة، فصلحت أن تكون قاضية؛ لأن الشهادة تنفيذ القول على الغير، فكذلك القضاء تنفيذ القول على الغير، ثم رأينا أن تنفيذ القول على الغير لجهة الشهادة يجوز، فكذلك الحكم (٥). احتج الشافعي [في المسألة]، وهو: أن المرأة ناقصة الحال، فلا تصلح أن تكون قاضية؛ لأن النبي – ﷺ – قال: «إنكنّ ناقصات العقل والدين» (٦). فالنبي – ﷺ – بيّن نقصان حالهنّ، ألا ترى أن في
(١) سورة الجن: آية ١٨. (٢) وعلل الشربيني لعدم جواز القضاء في المساجد بقوله: «لأن مجلس القاضي لا يخلو عن اللغط، وارتفاع الأصوات، وقد يحتاج لإِحضار المجانين والصغار والحيض والكفار والدواب، والمسجد يصان عن ذلك». حيث روى مسلم: أنه – ﷺ – حين سمع من ينشد ضالته في المسجد: قال: «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له»: مسلم، في المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن نشد الضالة في المسجد (٥٦٩)، ١/ ٣٩٧. انظر بالتفصيل: المهذب ٢/ ٢٩٤؛ مغني المحتاج ٤/ ٣٩٠، ٣٩١. (٣) يجوز قضاؤها في كل شيء إلا الحدود والقصاص، باعتبار شهادتها. انظر: القدوري، ص ١١٠؛ الهداية ٧/ ٥٢، مع البناية. (٤)
انظر: المهذب ٢/ ٢٩١؛ الوجيز ٢/ ٢٣٧؛ الروضة ١١/ ٩٥؛ المنهاج، ص ١٤٨. (٥) المرأة أهل للشهادة في غير الحدود والقصاص، فصلحت أن تكون أهلًا للقضاء في غيرهما. انظر بالتفصيل: الهداية ٧/ ٤ – ٦، ٥٢، ٥٣، مع البناية. (٦) سبق تخريجه والكلام فيه في المسألة (٣٦)، ص ١٣٠.
الشهادة أقيمت امرأتان مقام رجل واحد، فما كان كذلك [إلا] (١) لنقصان حالها (٢). مسألة:
٣٨٦ – التفحص في عدالة الشهود التفحص في الشهادة، والبحث عن حقيقة العدالة، شرط في الحدود (٣) دون الأموال عندنا (٤)، وعند الشافعي: في الحدود والأموال جميعًا (٥). دليلنا في المسألة؛ لأنا لو شرطنا العدالة في جميع الخصومات، لتعذر على القاضي القضاء، خصوصًا في زماننا، فاكتفينا بظاهر العدالة في الأموال؛ لأن الأموال تثبت بالشبهة، وشرطنا العدالة في الحدود؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهة، فشرطنا العدالة احتياطًا (٦). احتج الشافعي في المسألة: بقول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٧) أمر بالشهادة بشرط العدالة، ولم يفصل بين الحدود والأموال، وهذا نص (٨).
(١) في الأصل: (أن). (٢) واستدل الشيرازي لعدم جواز تولية النساء القضاء بما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي بكرة قال: لقد نفعني الله بكلمة
أيام الجمل، لا بلغ النبي – ﷺ – أن فارسًا ملكوا ابنة كسرى قال: «لن يفلح قوم ولّو أمرهم امرأة»: البخاري، في الفتن (٧٠٩٩)، ١٣/ ٥٣؛ المهذب ٢/ ٢٩١. (٣) كذلك في القصاص. (٤) وإنما يسأل عن حال الشهود فيما عدا الحدود والقصاص إذا طعن الخصم في عدالتهم. انظر: القدوري، ص ١٠٧؛ المبسوط ١٦/ ٨٨؛ الهداية ٧/ ١٣٦، مع البناية. (٥) انظر: الأم ٦/ ٢٠٤، ٢٠٥؛ المهذب ٢/ ٢٩٦. (٦) انظر الأدلة بالتفصيل: البناية مع الهداية ٧/ ١٣٧، ١٣٨. (٧) سورة الطلاق: آية ٢. (٨) انظر: أحكام القرآن للشافعي ٢/ ١٤٣، ١٤٤؛ المهذب ٢/ ٢٩٦.
مسألة:
٣٨٧ – نفوذ قضاء القاضي ظاهرًا أو باطنًا قضاء القاضي ينفذ ظاهرًا وباطنًا عندنا (١)، وعند الشافعي: ينفذ ظاهرًا لا باطنًا (٢). بيان ذلك: أن المرأة إذا دعت الطلاق بين يدي القاضي، فجاءت بشاهدي زور، ففرق القاضي بشهادتهما، ثم تزوجها رجل آخر، يكون حلالًا له عندنا: ظاهرًا وباطنًا، وعند الشافعي: يحل له ظاهرًا، ويحل للأول باطنًا. دليلنا في المسألة: [ما] روي أن رجلًا ادّعى نكاح امرأة على عهد علي رضي الله عنه، وأقام شاهدين فقضى بالمرأة له، فقالت المرأة: يا أمير المؤمنين: إن كان لا بد فزوّجني
منه، ليس بيني وبينه نكاح، فقال علي رضي الله عنه: «شاهداك زوّجاك» (٣). فجعل حكمه بعد إقامة الشهادة بالنكاح ظاهرًا، وهذا في المذهب. احتج الشافعي في المسألة، وقال: بأن قضاء القاضي مبني على الشهادة، فشهادة [الشهود] (٤) ها هنا قامت في الظاهر، [فوجب] (٤) أن ينفذ حكمه في الظاهر على وفق الشهادة، حتى يكون حكم القاضي موافقًا للحجة (٥).
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٥٠؛ المبسوط ١٦/ ١٨٠. (٢) انظر: مختصر المزني، ص ٣٠٣؛ المنهاج، ص ١٤٩؛ الروضة ١١/ ١٥٢، ١٥٣. (٣) ذكر الرخسي الأثر في المبسوط ولكني لم أعز عليه في كتب الأحاديث والآثار؛ المبسوط ١٦/ ١٨٠. (٤) زيدت لاستقامة العبارة. (٥) واستدل الشافعي من النقل بقوله – ﷺ -: «من قضيت له من حق أخيه بشيء، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار». الحديث أخرجه الشيخان من حديث أم سلمة رضي الله عنهما، وقد سبق تخريجه في المسألة (٢١١)، ص ٣٣١.
مسألة:
٣٨٨ – شهادة القابلة وحدها شهادة القابلة، تقبل عندنا وحدها، ولا يشترط العدد (١)، وعند الشافعي: لا تقبل (٢). دليلنا في المسألة، وهو: أن الولادة أمر لا يطلع عليها الرجال، فلا بد أن
تقبل شهادة المرأة؛ وهي: القابلة وحدها؛ لأنا لو قلنا: إنه لا تقبل شهادتها، تتعذر على الناس إثبات الولادة إذا وقعت الخصومة (٣). احتج الشافعي في المسألة: بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٤) فجعل شهادة رجل بامرأتين في جميع الحكومات، ولم يفصل بين الأموال وغيرها (٥). مسألة: ٣٨٩ – شهادة أهل الذمة فيما بينهم شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، تقبل عندنا (٦)، وعند الشافعي: لا تقبل (٧).
(١) انظر: القدوري، ص ١٠٧، المبسوط ١٦/ ١٤٢؛ الهداية ٧/ ١٣٠، مع البناية. (٢) الأمور التي لا يطلع عليها الرجال، لا تقبل فيها إلا شهادة رجل وامرأتين، أو أربع نساء عدول، لدى الشافعية. انظر: مختصر المزني، ص ٣٠٤؛ المهذب ٢/ ٢٣٥؛ الوجيز ٢/ ٢٥٢؛ المنهاج، ص ١٥٣. (٣) استدل الأحناف لقبول شهادة القابلة وحدها بحديث حذيفة رضي الله عنه أن النبي – ﷺ -: «أجاز شهادة القابلة». أخرجه الدارقطني في سننه وقال: محمد بن عبد الملك لم يسمعه من الأعمش بينهما رجل مجهول، قال في التنقيح: «هو حديث باطل ولا أصل له». انظر: ما قيل في الحديث: سنن الدارقطني مع التعليق المغني ٤/ ٢٣٢، ٢٣٣؛ السنن الكبرى ١٠/ ١٥١؛ نصب الراية ٤/ ٨٠. انظر: المبسوط ١٦/ ١٤٣. (٤) سورة البقرة: آية ٢٨٢. (٥)
انظر الدليل بالتفصيل: مختصر المزني، ص ٣٠٤؛ المهذب ٢/ ٣٣٥. (٦) انظر: القدوري، ص ١٠٧؛ المبسوط ١٦/ ١٤٠؛ الهداية ٧/ ١٨٢، مع البناية. (٧) انظر: الأم ٦/ ٢٣٣؛ المهذب ٢/ ٣٢٥؛ الوجيز ٢/ ٣٤٩؛ المنهاج، ص ١٥٣.
دليلنا في المسألة، وهو: أن الكافر من أهل الولاية، فوجب أن يكون من أهل الشهادة، كالمسلم (١). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن الكافر فاسق، والفاسق ليس من أهل الشهادة، ألا ترى أن الفاسق المسلم لا تقبل شهادته، فالكفر رأس الفسق، أولى أن لا تقبل شهادته (٢). مسألة:
٣٩٠ – شهادة أحد الزوجين على الآخر شهادة أحد الزوجين، لا تقبل عندنا لصاحبه (٣)، وعند الشافعي: تقبل (٤). دليلنا في المسألة: أنا أجمعنا أن شهادة الوالد لولده، أو الولد لوالده لا تقبل (٥)، وإنما لا تقبل؛ لأن شهادته لولده،
(١) واستدل الأحناف لمذهبهم بما أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «أن رسول الله – ﷺ – أجاز شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض»، وفي الزوائد: «في إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف». ابن ماجه، في الأحكام، باب شهادة أهل الكتاب بعضهم على بعض (٢٣٧٤)، ٢/ ٧٩٤. انظر
بالتفصيل: البناية ٧/ ١٨٢، ١٨٣. (٢) واستدل الشافعية على عدم جواز شهادة أهل الذمة، بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي – ﷺ – قال: «لا تقبل شهادة أهل دين على أهل دين، إلا المسلمون، فإنهم عدول على أنفسهم وعلى غيرهم». رواه البيهقي، بلفظ آخر، وضعفه؛ لأنه عن عمر بن راشد، وهو ضعيف، «وقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما من أئمة أهل النقل». انظر: السنن الكبرى (باب من رد شهادة أهل الذمة) ١٠/ ١٦٢، ١٦٣؛ تلخيص الحبير ٤/ ١٩٨. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٣٥؛ القدوري، ص ١٠٧؛ المبسوط ١٦/ ١٢٢؛ تحفة الفقهاء ٣/ ٦٢٥؛ الهداية ٧/ ١٦٨، مع البناية. (٤) تقبل شهادة أحد الزوجين على الآخر في أظهر قولي الشافعي. انظر: مختصر المزني، ص ٣١٠؛ المهذب ٢/ ٣٣١؛ الوجيز ٢/ ٢٥٠؛ الروضة ١١/ ٢٣٧؛ المنهاج، ص ١٥٢. (٥) راجع: المصادر السابقة للمذهبين.
كشهادته لنفسه؛ لأن مال كل واحد منهما مضاف إلى صاحبه، فصار متهمًا في الشهادة، وهذا المعنى موجود في الزوجين؛ لأن مال كل واحد منهما مضاف إلى صاحبه، ألا ترى أن الزوج يسمى غنيًا بمال المرأة، لقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (١)، أي: أغناك بمال خديجة [رضي
الله عنها] (٢) فإذا ثبت هذا، فنقول: بأن شهادته لصاحبه، كشهادته لنفسه، لما فيه من حد المنفعة، فأشبه الوالد، والولد، والشريكين (٣). احتج الشافعي في المسألة، وقال: إن مال كل واحد من الزوجين مميز، فوجب أن تقبل الشهادة، كشهادة الأخ للأخ (٤). مسألة: ٣٩١ – شهادة لاعب النرد والشطرنج لا خلاف (٥) بين العلماء: أن اللعب بالنرد (٦)، يوجب رد
(١) سورة الضحى: آية ٨. (٢) انظر: كتاب مجموعة التفاسير: تفسير النسفي، الخازن، تنوير المقباس ٦/ ٥٢٩. (٣) استدل الأحناف من النقل بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «لا تقبل شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الوالد لولده، ولا المرأة لزوجها، ولا الزوج لامرأته …». قال الزيلعي: «غريب لم يثبت عن النبي – ﷺ -». ورواه الخصاف في أدب القاضي، بإسناده عن النبي – ﷺ -، كما ذكره الزيلعي، وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفهما من قول شريح. انظر: مصنف عبد الرزاق ٨/ ٣٤٤؛ مصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٢٠٤؛ نصب الراية ٤/ ٨٢؛ البناية ٧/ ١٦٦، ١٦٧. (٤) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٥) نقل العيني الإِجماع على تحريم النرد. انظر: البناية ٧/ ١٧٨، وكتب المذهبين الآتية. (٦) النرد: بفتح النون وسكون الراء – لعبة ذات صندوق وحجارة وفصين،
وتعرف عند العامة: بالطاولة، وهو معرب من الفارسية. انظر: المصباح، معجم الوسيط، مادة: (نرد).
الشهادة، ويأثم به. وأما اللعب بالشطرنج (١) فيوجب رد الشهادة عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا ترد ولكن يأثم به إذا كان فيه ثلاثة شرائط: أحدها: أن [لا] يجاوز الصلاة عن وقتها، والثاني: أن [لا] يجري بينهما فحش، والثالث: [أن لا يكون] على مراهنة (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن علي رضي الله عنه، أنه مرّ على قوم يلعبون بالشطرنج، فأعلى بالدرة، وقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (٤) وهذا نص.
(١) الشطرنج – بالفتح، وقيل بالكسر، وهو المختار – وهو معرب من الهندية: لعبة تلعب على رقعة ذات أربعة وستين مربعًا، وثمل دولتين متحاربتين. انظر: المصباح، معجم الوسيط، مادة: (الشطرنج). (٢) انظر: القدوري، ص ١٠٧؛ الهداية ٧/ ١٧٧، مع البناية. (٣) لا يصح ما حكاه المؤلف عن الشافعية، إن تركت العبارة كما هي: بدون إضافة لا، في الشروط الثلاثة، وكذلك لا يطابق المدلول مع الدليل الذي ذكره المؤلف للشافعية؛ لأنه إن اقترنت هذه الشروط في لاعب الشطرنج، فلا تقبل شهادته ويفسق، بلا خلاف بين الشافعية، خلافًا لما ذكره المؤلف. قال الشيرازي في المهذب:
«ويكره اللعب بالشطرنج». ثم ذكر بعض من كان يلعب بالشطرنج وقال: «ومن لعب به من غير عوض، ولم يترك فرضًا، ولا مروءة لم ترد شهادته». وأوضح منه ما ذكره النووي في الروضة: «اللعب بالشطرنج مكروه … فإن اقترن به قمار، أو فحش، أو إخراج صلاة عن وقتها عمدًا ردت شهادته بذلك المقارن». وإنما تصح عبارة المؤلف، مع ما ذكرت، ومع دليله، بإضافة [لا] في الشروط الثلاثة، كما أثبتّ ذلك، ولعله سقط سهوًا من الناسخ، والله أعلم. انظر بالتفصيل: الأم ٦/ ٢٠٨؛ المهذب ٢/ ٣٢٦؛ الروضة ١١/ ٢٢٥، ٢٢٦. ونص المخطوط: (وعند الشافعي: لا ترد، ولكن يأثم به، إذا كان فيه ثلاثة شرائط: أحدهما: أن يجاوز الصلاة عن وقتها. والثاني: أن يجري بينهما فحش، والثالث: على مراهنة). (٤) سورة الأنبياء: آية ٥٢. روى البيهقي هذا الأثر بألفاظ مختلفة، ولم يورد فيه: (فأعلى بالدرة) وإنما ذكر من قول علي رضي الله عنه: «لأن يمس جمرًا حتى يطفأ خير له من أن يمسها». انظر: السنن الكبرى ١٠/ ٢١٢؛ تفسير ابن كثير ٥/ ٣٤٢.
احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن النرد إنما صار حرامًا، لما فيه من القمار، كما جرت العادة، وأما الشطرنج إذا لم يكن فيه قمار، ويكون
مع ثلاثة شرائط التي ذكرنا، فوجب أن لا ترد شهادته، ولا يفسق (١). وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يلعب بالشطرنج، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم (٢).
(١) ودليله هذا يطابق مع المدلول، إذا أثبتنا النفي في جميع الشروط. (٢) ذكر الشيرازي في المهذب: سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، من ضمن الذين روى اللعب عنهم بالشطرنج، بيد أن البيهقي روى عن صالح بن أبي يزيد، قال: سألت ابن المسيب عن الشطرنج، فقال: «هي باطل ولا يحب الله الباطل» وروى المزني عن الشافعي: «بأن سعيد بن جبير كان يلعب بالشطرنج استدبارًا». انظر: مختصر المزني، ص ٣١١؛ المهذب ٢/ ٣٢٦؛ السنن الكبرى ١٠/ ٢١٢. انظر أحكام اللعب بالنرد والشطرنج بالتفصيل: في كتاب تحريم النرد والشطرنج والملاهي، لأبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق: محمد سعيد عمر إدريس، الطبعة الأولى ١٤٠٢، الرياض: إدارات البحوث العلمية والإِفتاء والدعوة والإِرشاد.
كتاب الدعوى (١) [مسألة]:
٣٩٢ – المقدم من بينة ذي اليد والخارج الخارج وذو اليد إذا أقاما البينة في دعوى دار، فإن البينة بينة الخارج عندنا (٢)، وعند الشافعي: بينة ذي اليد أولى (٣). دليلنا
في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (٤)، فالنبي – ﷺ – جعل البينة: بينة المدعي، والخارج هو المدعي، وأما ذو اليد فلا يحتاج إلى
(١) كان الأولى أن يعنون: بكتاب الدعوى والبينات، لاشتماله على بعض قضايا الشهود، كما يأتي، الدعوى لغة: الطلب والتمني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ (يس ٥٧)، وألفها للتأنيث، وتجمع على دعاوي، بفتح الواو وكسرها. انظر: المغرب، المصباح، مادة: (دعا). وشرعًا عرفها الأحناف والشافعية، بأنها: «أخبار بحق له على غيره عند حاكم». (٢) انظر: مغني المحتاج ٤/ ٤٦١؛ نهاية المحتاج ٨/ ٣٣٣؛ مجمع الأنهر ٢/ ٢٤٩. (٣) انظر: المبسوط ١٧/ ٣٢؛ الهداية ٧/ ٤٠٣، مع البناية. (٤) انظر: الأم ٦/ ٢٣٥؛ التنبيه، ص ١٥٨؛ المنهاج، ص ١٥٦؛ نهاية المحتاج ٨/ ٣٦٢. الحديث أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظه، وهو في الصحيحين عنه بلفظ: «لكن اليمين على المدعى عليه». انظر: البخاري، في تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٤٥٥٢)، ٨/ ٢١٣؛ مسلم، في الأقضية، باب اليمين على المدعى عليه (١٧١١)، ٣/ ١٣٣٦؛ السنن الكبرى ١٠/ ٢٥٢.
الحجة؛ لأن الظاهر يشهد له، وهوكون الدار في يده؛ لأن اليد دليل الملك في الظاهر (١). احتج الشافعي، في المسألة: أنهما لما أقاما البينة فقد استويا في الحجة، فاحتجنا إلى الترجيح، والترجيح في جانب ذي اليد؛ لأنه ترجح حجته، بكون الدار في يده، فقبول بينة ذي اليد أولى من بينة الخارج (٢). مسألة:
٣٩٣ – القضاء بشاهد ويمين لا يجوز القضاء بشاهد ويمين عندنا (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤). دليلنا في المسألة:»ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال للمدعي: «ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه» (٥) جعل اليمين للمدعي على المدعى عليه، وهذا نص في المذهب. احتج الشافعي في المسألة: «بما روي عن النبي – ﷺ -[أنه] قضى بشاهد ويمين» (٦).
(١) انظر: المبسوط ١٧/ ٣٤؛ الهداية ٧/ ٤٠٤، مع البناية. (٢) راجع: الأم ٦/ ٢٣٥؛ نهاية المحتاج ٨/ ٣٦٢. (٣) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٣٣. (٤) انظر: الأم ٦/ ٢٥٦، ٧/ ٨٦؛ المهذب ٢/ ٣٣٥؛ المنهاج، ص ١٥٤. (٥) الحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه. انظر الحديث بطوله: مسلم، في الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فأجره بالنار (١٣٩)، ١/ ١٢٣. (٦) حديث القضاء باليمين مع
الشاهد، أخرجه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: مسلم، في الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد (١٧١٢)، ٣/ ١٣٣٧.
مسألة:
٣٩٤ – شهادة المحدود في القذف المحدود في القذف إذا تاب، لا تقبل شهادته عندنا (١)، وعند الشافعي: تقبل (٢). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣) فالله تعالى رد شهادته بلفظ التأبيد (٤). احتج الشافعي، في المسألة: بقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥) فاستثنى التوبة، وهذا أدليل، على أنه [إن] (٦) تاب تقبل.
(١) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٣٢، القدوري، ص ١٠٧؛ المبسوط ١٦/ ١٢٥؛ الهداية ٧/ ١٦٤، مع البناية. (٢) انظر: الأم ٧/ ٨٩؛ المهذب ٢/ ٣٣١؛ المنهاج، ص ١٥٣. (٣) سورة النور: آية ٤. (٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢٧٣. (٥) سورة النور: آية ٤، ٥. (٦) زيدت في الموضعين لاستقامة سياق العبارة، في الأصل: «وهذا على أنه تاب تقبل». منشأ الخلاف بين المذهبين، مسألة أصولية، وهي: أن الاستثناء إذا تعاقب جملًا معطوفة، فهل يعود إلى جميعها، أم إلى الأخيرة فقط؟ فذهب الأحناف
إلى أن الاستثناء يرجع إلى أقرب مذكور وهو: (الفسق) في الآية، ولهذا لا تقبل شهادته، وقال المرغيناني: «إنه استثناء منقطع بمعنى لكن» وذهب الشافعية: بأنه يعود إلى جميعها. انظر بالتفصيل: تفسير القرطبي ١٢/ ١٨٠، ١٨١؛ تفسير الكشاف ٣/ ٦٢؛ غرائب القرآن ١٨/ ٦١؛ الهداية ٧/ ١٦٥، مع البناية.
مسألة:
٣٩٥ – القضاء بالنكول القضاء بالنكول، لا يجوز في الدماء والحدود بلا خلاف (١)، وأما في غير الحدود [يقضى] (٢) بالنكول، عندنا (٣)، وعند الشافعي: لا يقضى (٤). دليلنا في المسألة وهو: أنه لما نكل عن اليمين ثلاث مرات، فقد ظهر تعنته؛ لأن اليمين حق المدعى، والنكول منع حقه، فيصير ظلمًا، فوجب على القاضي إزالة الظلم (٥)، ولا يمكن إلا أن يقضى عليه بالمال عند النكول (٦). احتج الشافعي؛ في المسألة، وقال: بأن النكول أمر متردد؛ لأنه يحتمل إنما نكل عن اليمين تورعًا، أو للتأنّي، فصار النكول حجة محتملة، فلا يجوز القضاء به، كما لو سكت عند الدعوى ولم يجب، فإنه لا يقضي عليه بالسكوت، كذلك ها هنا (٧). مسألة:
٣٩٦ – الحكم بالقافة الحكم بالقافة، [بالشبه] (٨) عندنا: باطل (٩)، وعند الشافعي: جائز (١٠).
(١) انظر: المراجع
الآتية للمذهبين. (٢) زيدت ما بين القوسين، لاستقامة سياق العبارة، مع ما بعدها. (٣) انظر: القدوري، ص ١١١؛ المبسوط ١٧/ ٣٤؛ الهداية ٧/ ٤٠٥، مع البناية. (٤) وعند الشافعية: لا يقضي بالنكول لمجرده، بل اليمين ترد على المدعي، فإذا خلف قضي به. انظر: الأم ٧/ ٣٨، ٣٩؛ المهذب ٢/ ٣١٩؛ المنهاج ٨/ ٣٤٧، مع نهاية المحتاج. (٥) انظر بالتفصيل: المبسوط ١٧/ ٣٤؛ الهداية مع البناية ٧/ ٤٠٥ وما بعدها. (٦) وذلك لأن المال مبذول، ولا يجري البذل في الحدود والدماء. (٧) انظر بالتفصيل: الأم ٧/ ٣٨، ٣٩. (٨) في الأصل: (بالشبهة). (٩) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٥٨. (١٠) انظر: الأم ٦/ ٢٤٧.
دليلنا في المسألة، وهو: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (١) فالنبي – ﷺ – جعل الحجة شيئين: البينة، واليمين، فمن جعل الشبه حجة، فقد جعل بينهما ثالثًا، وهذا لا يجوز. احتج الشافعي في المسألة: «بما روي عن النبي – ﷺ – أنه حكم بقول القافة» (٢).
(١) الحديث: قد سبق تخريجه في مسألة (٣٩٢)، ص ٥٣٥. (٢) حديث القافة، أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت:
دخل عليّ رسول الله – ﷺ – مسرورًا تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أن مجزّرًا المدلجي نظر إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد قد غطيا رؤوسهما بقطيفة وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض»، وهذا تقرير منه – ﷺ – يفيد حكمًا شرعيًا. وهو ما استدل له الشافعي. البخاري، في الفرائض، باب القائف (٦٧٧٠، ٦٧٧١)، ١٢/ ٥٦؛ مسلم، في الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف الولد (١٤٥٩)، ٢/ ١٠٨٢.
كتاب العتق (١) [مسألة]:
٣٩٧ – عتق الأخ إذا ملكه أخاه الأخ إذا ملك أخاه، يعتق عليه عندنا (٢)، وعند الشافعي: لا يعتق (٣). دليلنا في المسألة:»بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من ملك ذا رحم منه فهو حر» (٤) وهذا نص.
(١) العتق بمعنى الإعتاق، وهو لغة: مأخوذ من قولهم: عتق الفرس: إذا سبق وعتق الفرخ إذا طار واستقل. انظر: الصحاح، مادة: (عتق). وشرعًا هو: «إثبات الفعل المفضي إلى حصول العتق» وفصله الميداني بقوله: «هو عبارة عن إسقاط المولى حقه عن مملوكه بوجه يصير المملوك به من الأحرار». مجمع الأنهر ١/ ٥٠٦؛ اللباب ٣/ ١١١. وعرفه الشربيني من الشافعية نحوه وهو:
«إزالة الرق عن الآدمي». مغني المحتاج ٤/ ٤٩١. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٤؛ الهداية ٥/ ٣١، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٨/ ١٤؛ المهذب ٢/ ٥؛ الوجيز ٢/ ٢٧٥ – ٢٧٦؛ المنهاج ٨/ ٣٨٨، مع نهاية المحتاج. (٤) الحديث أخرجه أصحاب السنن من حديث سمرة رضي الله عنه: أبو داود، في العتق، باب فيمن ملك ذا رحم محرم (٣٩٤٩)، وقال أبو داود: «ولم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه ١١، ٤/ ٢٦؛ الترمذي، في الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم (١٣٦٥)، وقال:»هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة ٣١/ ٦٤٦؛ ابن ماجه، في العتق، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر (٢٥٢٤)، ٢/ ٨٤٣. وللحديث طرق أخرى متكلم فيها. انظر: نصب الراية ٣/ ٢٧٨، ٢٨٠؛ التلخيص الحبير ٤/ ٢١٢.
احتج الشافعي، في المسألة، وهو: أن قرابة الأخوة تشبه القرابة البعيدة؛ لأن القرابة القريبة، كالوالدين إذا ملكهما يعتق عليه، والقرابة البعيدة إذا ملكها لا تعتق، فبينا أن ننظر أن الأخ هل يشبه القرابة القريبة أو البعيدة، لا شك أنه يشبه القرابة البعيدة، بدليل أنه تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه، كالأجنبي فإذا ملك صاحبه،
وجب أن لا يعتق عليه، كالقرابة البعيدة (١). مسألة: ٣٩٨ – عتق العبد المشترك إذا كان عبد بين شريكين، فأعتق أحدهما نصيبه، عندنا: لا يسري إلى نصيب صاحبه في الحال، ولكن يستسعى العبد، فيؤدي قيمته لصاحبه (٢)، وقال الشافعي: ينفذ عتقه في نصيبه ونصيب صاحبه في الرق (٣). دليلنا في المسألة: ما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من أعتق شقصا له من عبد، ضمن نصيب شريكه إن كان موسرًا، ويستسعيه إن كان معسرًا (٤).
(١) راجع: المصادر السابقة للشافعية. (٢) ذكر المؤلف المسألة بإجمال، وفيها تفصيل عند كلا المذهبين عل حسب عسر ويسر الشريك المعتق، فعند الأحناف إن كان المعتق موسرًا، شريكه بالخيار بين ثلاثة أشياء وهي: إن شاء أعتق، وإن شاء ضمّن شريكه قيمة نصيبه، وإن شاء استسعى العبد، وإن كان المعتق معسرًا فالشريك بالخيار بين شيئين: إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد. انظر: القدوري، ص ٨٤، ٨٥؛ الهداية ٥/ ٤٩ – ٥١، مع البناية. (٣) وكذلك التفصيل عند الشافعية: فإن كان الشريك المعتق معسرًا بقي الباقي لشريكه، وإن كان موسرًا سرى إليه، وقوم عليه نصيب شريكه وعتق. انظر: الأم ٧/ ١٩٧؛ المهذب ٢/ ٤؛ المنهاج، ص ١٥٨. (٤) الحديث: أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه، عن النبي – ﷺ – أنه قال:»من أعتق شقصًا له في عبد، فخلاصه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، استسعى العبد غير مشقوق عليه”. البخاري، في العتق، باب من أعتق نصيبًا من عبد وليس له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه (٢٥٢٧)، ٥/ ١٥٦؛ مسلم، في العتق، باب ذكر سعاية البد (١٥٠٣)، ٢/ ١١٤٠.
احتج الشافعي في المسألة: بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «من أعتق شقصًا من عبد بينه وبين شريكه، عتق ما عتق ورق ما رق» (١) وهذا نص. مسألة:
٣٩٩ – إعتاق عبيد من لا مال له سواهم في مرض موته رجل له ستة أعبد، ولا مال له غيره، وأعتق الكل في مرض موته، عندنا: يعتق من كل عبد ثلثه ويسعى في ثلثي قيمته (٢)، وعند الشافعي: يقرع بينهم، فمن خرجت قرعته فهو حرّ (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أن تصرف المريض إنما يصح في ثلث المال، فلما أعتق الكل فقد صح عتقه في ثلث كل واحد منهم؛ لأنه أثبت الحر [ية] لكل واحد منهم، فلابد أن العتق إذا ثبت في البعض، فإنه لا يتجزأ، فوجب أن يخرج الكل إلى الحرية
بالسعاية، حتى لا يبطل حق الورثة في ثلثي العبد (٤). احتج الشافعي في المسألة: بأن قال: إن القرعة مستعملة، بدليل ما روي عن النبي – ﷺ – «أنه كان يقرع بين نسائه إذا
(١) الحديث كما رواه الشافعي في الأم، والبخاري ومسلم في صحيحهما، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – ﷺ -:»من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوّم عليه قيمة العدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق«، وزاد الدارقطني:»ورق ما بقي”. انظر: البخاري، في الشركة، باب الشركة في الرقيق (٢٥٠٣)، ٥/ ١٣٧؛ مسلم، في العتق (١٥٠١)، ٢/ ١١٣٩؛ الدارقطني ٤/ ١١٢٤؛ الأم ٧/ ١٩٧. (٢) انظر: المبسوط ٢٩/ ٧١؛ الهداية ١٠/ ٤٨٧، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٨/ ٥، ٦؛ المهذب ٢/ ٧؛ الوجيز ٢/ ٢٧٣؛ المنهاج، ص ١٥٨؛ الروضة ١٢/ ١٤٠ وما بعدها. (٤) راجع: المراجع السابقة للأحناف.
سافر» (١)، وهكذا العرف والعادة قد جرت بأن يستعملوا القرعة في قسمة الأموال، فكذلك في العتق، وجب أن يستعمل (٢). مسألة:
٤٠٠ – علق العتق بالولادة فأتت بولد ميت إذا قال
لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر، فأتت بولد ميت، ثم أتت بولد حي، عندنا: يعتق هذا الثاني (٣)، وعند الشافعي: لا يعتق، وينحلّ اليمين بالولد الأول وهو الولد الميت (٤). دليلنا في المسألة وهو: أن هذا الرجل لما قال أوّل ولد تلدينه فهو حر، أثبت الحرية في الولد، والميت لا يصح لإثبات الحرية فيه، فأثبتنا الحرية في الحيّ، بل في التقدير، كأنه قال: أول ولد تلدينه حيًا فهو حر (٥). احتج الشافعي [في المسألة]: بأن هذا الرجل علق إثبات الحرية بشرط أن يكون أولًا، وقد ولدت أولًا وإن كان ميتًا يسمى ولدًا، فينحل اليمين بالولد الميت (٦).
(١) الحديث أخرجه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها: انظر: البخاري، في النكاح، باب القرعة بين النساء إذا أراد سفرًا (٥٢١١)، ٩/ ٣١٠؛ مسلم، في فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة رضي الله عنها (٢٤٤٥)، ٤/ ١٨٩٤. (٢) انظر بالتفصيل: الأم ٨/ ٦ وما بعدها. (٣) انظر: المبسوط ٧/ ١٣٤. (٤) النكت (مخطوط)، ورقة (١٩١/ أ). (٥) انظر بالتفصيل: المبسوط ٧/ ١٣٥. (٦) راجع: المرجع السابق للشافعية.
كتاب المدبر (١) [مسألة]:
٤٠١ – بيع المدبر المطلق لا خلاف أن بيع
المدبر المقيد يجوز (٢)، واختلفنا في المدبر المطلق، هل يجوز بيعه؟ عندنا: لا يجوز (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤). وصورة المدبر المطلق: إذا قال لعبده: إن مت فأنت حر، أو أنت حر بعد موتي، ثم احتاج إلى بيعه وهو حي، لا يجوز عندنا (٣)، وعند الشافعي: يجوز (٤). دليلنا في المسألة، [وهو]: إن قول المولى لعبده: أنت حر بعد
(١) المدبر: اسم مفعول، من دبر تدبيرًا، والدبر بضمتين: خلاف القبل في كل شيء ويقال لآخر الأمر: دبر، ومنه دبر الرجل عبده تدبيرًا، إذا أعتقه بعد موته؛ لأن الموت دبر الحياة، وكذلك التدبير في الأمر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته. انظر: مختار الصحاح، المصباح، مادة: (دبر). وشرعًا عرفه الفقهاء بأنه: «تعليق العتق بمطلق الموت». انظر: مجمع الأنهر ١/ ٥٣١؛ مغني المحتاج ٤/ ٥٠٩. (٢) صورة المدبر المقيد: كان يقول المولى لعبده: «إن قتلت أو متّ من مرضي هذا، أو في سفري هذا، فأنت حر». الروضة ١٢/ ٨٧٢؛ البناية ٥/ ١٢٤. (٣) انظر: القدوري، ص ٨٥؛ المبسوط ٧/ ١٧٩؛ الهداية ٥/ ١٢٤ مع البناية. (٤) انظر: المهذب ٢/ ٩؛ الروضة ١٢/ ١٩٤.
موتي، فقد انعقد سبب الحرية، فلا يجوز بيعه كما
قلنا: في أم الولد (١). احتج الشافعي في المسألة: بأن قال: المعلق بالشرط قبل وجود الشرط بمنزلة العدم، ألا ترى أنه لو قال لعبده: إن دخلت دارًا فلان فأنت حر، فقبل أن يدخل الدار باعه، فإنه يجوز، ولا يقال إنه انعقد له سبب الحرية؛ لأنه معلق بالشرط فجعلناه كالعدم (٢).
(١) واستدل الأحناف لمذهبهم من النقل بما أخرجه الدارقطني في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي – ﷺ – قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث». قال الدارقطني: «لم يسنده غير عبيدة بن حسان، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر موقوف من قوله». سنن الدارقطني ٤/ ١٣٨. انظر بالتفصيل: المبسوط ٧/ ١٧٩؛ البناية ٥/ ١٢٤ وما بعدها. (٢) واحتج الشافعي على جواز بيع المدبر المطلق، بما أخرجه الشيخان: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: (أن رجلًا من الأنصار دبر مملوكًا له، ولم يكن له مال غيره فبلغ النبي – ﷺ -، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم، فدفعها إليه): البخاري، في كفارات الأيمان، باب عتق المدبر .. (٦٧١٦)، ١١/ ٦٠٠؛ مسلم، في الأيمان، باب جواز بيع المدبر (٩٩٧)، ٣/ ١٢٨٩.
كتاب المكاتب (١) [مسألة]:
٤٠٢ – كتابة العبد في الحال كتابة الحال، عندنا: جائزة (٢)، وعند الشافعي: بالمؤجل (٣). دليلنا في المسألة: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (٤) فالله تعالى جوز الكتابة ولم يفصل، بين الحال والمؤجل، فهو على العموم (٥). احتج الشافعي في المسألة: بقول الله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (٦) أي: لا يملك شيئًا؛ لأن العبد لا يملك وإن
(١) المكاتب: اسم مفعول، من كاتب مكاتبة، والكتابة: بكسر الكاف على الأشهر وقيل: بفتحها، وهي لغة: الضم والجمع؛ لأن فيها ضم نجم إلى نجم، والكاتب: «هو العبد يكاتب على نفسه بثمنه، فإذا سعى وأداه عتق». انظر: المغرب، مختار الصحاح، الصباح، مادة: (كتب). وشرعًا: عرفه الأحناف بأنه: «تحرير المملوك يدًا حالًا، ورقبة مآلا». وعرفه الشافعية بأنه: «عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمتين فأكثر». الدر المختار ٦/ ٩٨؛ مغني المحتاج ٤/ ٥١٦. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٦؛ المبسوط ٨/ ٣؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٤١٦؛ الهداية ٥/ ١٠٨، مع البناية. (٣) انظر: الأم ٨/ ٤٣، ٤٧؛ المهذب ٢/ ١١؛ الوجيز ٢/ ٢٨٤؛ الروضة ١٢/ ٢١١؛ المنهاج، ص ١٦٠. (٤) سورة النور: آية ٣٣. (٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٣٢٤؛ تفسير الكشاف ٣/ ٧٥؛
المبسوط ٨/ ٣. (٦) سورة النحل: آية ٧٥.
ملك؛ لأن العبد ما في يده لمولاه، فلو قلنا: إنه تجوز كتابة الحال، يكون العبد مشتريًا نفسه بمال السيد، وهذا لا يجوز (١). وصورة المكاتب: أن يقول لعبده: كاتبتك على أن تؤدي إليّ عشرة دنانير، أو قال: إذا أديت إليّ ألفًا فأنت حر. مسألة:
٤٠٣ – إذا مات المكاتب وترك مالا يوفى به بدل الكتابة إذا مات المكاتب وعنده مال وفاء لبدل الكتابة، فإنه يحكم بحريته في آخر جزء من أجزاء حياته، ويؤدي بدل الكتابة من تركته، ويحكم بحريته وحرية أولاده، [عندنا] (٢)، وعند الشافعي: لا يحكم بحريته، ويموت رقيقًا، والمال للسيد (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أنه إذا كان عنده وفاء، يؤدي هذا المال ويحكم بحريته ليحصل مقصوده بالكتابة؛ لأن فائدة عقد الكتابة بعد أداء البدل حريته وحرية أولاده، فحكمنا: بأنه حرّ في آخر جزء من أجزاء حياته، ليعتق أولاده، فيحصل المقصود للمولى ببدل الكتابة، حتى يكون مراعى من الجانبين (٤).
(١) انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للكيا الهراسي ٣/ ٢٤٤؛ تفسير القرطبي ١٠/ ١٤٧؛ تفسير البيضاوي ١/ ٥٦٤. (٢) انظر: القدوري، ص ٨٧؛ المبسوط ٧/ ٢١٦؛ تحفة الفقهاء ٢/ ٤١٩.
(٣) انظر: الأم ٨/ ٨٤؛ المهذب ٢/ ١٦؛ المنهاج ٨/ ٤٢٠، مع نهاية المحتاج. (٤) راجع: المصادر السابقة للأحناف. لم يذكر المؤلف دليل الشافعي كعادته، ودليله من أقوال الصحابة، كما ذكره في الأم: «بأن المكاتب إذا مات موسرًا فماله لسيده»، وقال: هذا قول: زيد بن ثابت رضي الله عنه وعمرو بن دينار رحمه الله تعالى، وبه نأخذ. انظر بالتفصيل: الأم ٨/ ٨٤.
مسألة:
٤٠٤ – الإيتاء من مال الكتابة الإِيتاء (١)، من مال الكتابة، عندنا: غير واجب (٢)، وعند الشافعي: واجب (٣). دليلنا في المسألة، أن نقول: إن الكتابة عقد معاوضة، وجب أن لا يجب الإِيتاء، دليله: البيع، أو نقول: إنا إذا أوجبنا الإيتاء في مال الكتابة يؤدي إلى التناقض؛ لأن السيد يكون مطالبًا من وجه ومطالبًا من وجه: مطالبًا في حق العبد لأجل الإيتاء، ومطالبًا في حق نفسه من العبد (٤). احتج الشافعي في المسألة، وهو: أن المولى لما قال له: لو أديت إلىّ ألف فأنت حر، علق عتقه بالأداء، والأداء هو الإيتاء، وجب أن يكون الإيتاء شرطًا، كما لو علق عتقه بفعل آخر: نحو الدخول وغيره، فإنه لا يتعلق ما لم يوجد ذلك الشرط، كذلك ها هنا (٥). تمت رءوس المسائل بحمد
الله، وحسن توفيقه.
(١) الإيتاء: “وهو أن يضع [المكاتب] جزءًا من المال أو يدفع إليه جزءًا من المال لقوله عز وجل: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور ٣٣). المهذب ٢/ ١٥. (٢) انظر: مختصر الطحاوي، ص ٣٨٤؛ المبسوط ٧/ ٢٠٦. (٣) انظر: الأم ٨/ ٣٣؛ المهذب ٢/ ١٥؛ الروضة ١٢/ ٢٤٨. (٤) واستدل الأحناف لعدم وجوب الإِيتاء بقولهم: بأن المراد من الأمر في الآية: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ للندب. انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٣٢٢؛ المبسوط ٧/ ٢٠٦، ٢٠٧. (٥) واحتج الشافعية على الوجوب: بأن الأمر في الآية، للوجوب، وأيدوا ذلك بتفسير بعض الصحابة. انظر بالتفصيل: الأم ٨/ ٣٣، ٣٤؛ المهذب ٢/ ٥.
وقع الفراغ في شهر الله الأصم رجب في آخر الظهر، في سنة ست وسبعين وخمسمائة من هجرة النبي – ﷺ -. صاحبه شبلي بن عبد الرحمن بن جندر بن أيوب غفر الله لهم أجمعين. وصلى الله على محمد وآله
(١) [مسألة ملحقة في آخر النسخة] (١):
٤٠٥ – اختلاف الزوجين في متاع البيت إذا اختلف الزوجان في متاع البيت، يقضى
بالصلاح: إن كان من آلة الرجال فيقضى له، وإن كان من آلة النساء فيقضى لها بغير بينة، [عندنا] (٢)، وقال الشافعي: لا يقضى إلا بشهادة عدل (٣). دليلنا في المسألة، وهو: أنا لو شرطنا الشهادة لتعذر على الناس؛ لأن كل إنسان إذا اشترى شيئًا من متاع البيت لا يقدر أن يشهد على ذلك شاهدين، وكذلك المرأة، فجعلنا الصلاحية تحكم بينهما بالعرف (٤). احتج الشافعي في المسألة بما روي عن النبي – ﷺ – أنه قال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (٥) فجعل الحجة شيئين:
(١) هاتان المسألتان ذكرتا بعد إشعار الناسخ بانتهائه من نسخ الكتاب، ثم أن المسألة الثانية منهما تختلف وأسلوب المؤلف، وكذلك لم يعنون لهما ب (مسألة) كما جرت عادته في الكتاب، مما يشعر على أن المسألتين مقحمتان في الكتاب، والله أعلم. فلذا استحسنت إبقاءهما في المكان الذي وضعهما لناسخ. (٢) «وما يصلح لهما، كالآنية فهو للرجل؛ لأن المرأة وما في يدها من يد الزوج». مختصر الطحاوي، ص ٢٢٨؛ الهداية ٧/ ٤٦٣، ٤٦٤، مع البناية. (٣) فإن لم يكن لهما بينة حلفًا وجعل الجميع بينها نصفين، كما ذكره الشيرازي في المهذب. انظر: الأم ٧/ ١٥؛ المهذب ٢/ ٣١٨. (٤) جعل الحكم بالصلاحية، “لأن الظاهر شاهد له، وفي الدعاوي القول: قول من
يشهد له الظاهر. انظر: الهداية ٧/ ٤٦٤، مع البناية. (٥) قد سبق تخريجه في المسألة (٣٩٢)، ص ٥٣٥.
البينة واليمين، فمن جعل الصلاحية حجة، فقد جعل بينهما ثالثًا، وهذا لا يجوز (١). [مسألة ملحقة] (٢):
٤٠٦ – الرجوع في الهبة قال أبو حنيفة إذا وهب الرجل لأجنبي هبة، فإنه يثبت له حق الرجوع (٢)، وقال الشافعي: لا يثبت له حق الرجوع (٣). وعلى عكسه: إذا وهب الوالد لولده هبة، فإنه لا يثبت له حق الرجوع عندنا (٤)، وعند الشافعي: يثبت له حق الرجوع (٥). إن الموهوب له إذا عوضه، فإنه لا يثبت له حق الرجوع، وكذلك إذا وهب لذي رحم محرم، فإنه لا يثبت له حق الرجوع؛ وكذلك إذا وهب أحد الزوجين لصاحبه، فإنه لايثبت له حق الرجوع (٦). [تمّت]
(١) وعلل الشيرازي التقسيم بينهما نصفين، لكونه «في يدهما فجعل بينهما، كما لو تداعيا الدار التي يسكنان فيها». المهذب ٢/ ٣١٨. (٢) انظر: القدوري، ص ٦٥؛ المبسوط ١٢/ ٥٣؛ الهداية ٧/ ٨٢٧، مع البناية. (٣) الأم ٤/ ٦١؛ مختصر المزني، ص ١٣٤؛ المهذب ١/ ٤٥٤؛ المنهاج، ص ٨٢. (٤) المبسوط ١٢/ ٥٤، ٥٥. (٥) ونقل ابن قدامة «الاتفاق على
أن ما وهبه الإنسان لذوي رحمه المحرم غير ولد ولا رجوع فيه وكذلك ما وهب الزوج لامرأته». انظر: المغني ٦/ ٢٩٧ وما بعدها، مع الشرح الكبير، الحرشي على مختصر سيدي خليل ٧/ ١١٤ وما بعدها. مع كتب المذهبين السابقة. (٦) والمسألة مجردة عن الأدلة، واستدل الأحناف لجواز الرجوع في هبة الأجنبي بما رواه ابن ماجه، وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – ﷺ -: «الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها». وقال صاحب الزوائد: «في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف». ابن ماجه، =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= في الهبات، باب من وهب هبة رجاء ثوابها (٢٣٨٧)، ٢/ ٧٩٨. انظر بالتفصيل: نصب الراية ٤/ ١٢٥؛ البناية ٧/ ٨٢٩. واستدل الشافعية لعدم جواز الرجوع في الهبة إلَّا الوالد لولده، بقوله – ﷺ – «لا يحل لرجل أن يعطى عطية، أو يهب هبة فيرجع فيها، إلَّا الوالد فيما يعطي ولده …». أخرجه أصحاب السنن الأربعة عن
ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم. أبو داود، في البيوع، باب الرجوع في الهبة (٣٥٣٩)، ١/ ٢٩٣؛ الترمذي في البيوع، باب ما جاء في الرجوع في الهبة (١٢٩٨)، ٣/ ٥٩٢؛ النسائي، في الهبة، باب رجوع الوالد فيما يعطي ولده ٤/ ٢٦٦؛ ابن ماجة، في الهبات، باب من أعطي ولده ثم رجع فيه (٢٣٧٧)، ٢/ ٧٩٥.
فهرس مصادر التحقيق – إبراهيم مصطفى، وآخرون: معجم الوسيط، ٢ ج، مصر: مطبعة مصر، ١٣٨٠ هـ. – ابن أبي شيبة، عبد الله بن عمد بن إبراهيم الكوفي العبسي (م ٢٥٣ هـ): الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، ١٥ ج، تحقيق: عامر العمري الأعظمي، بومباي: الدار السلفية. – ابن الأثير، أبو الحسن على بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني الجزري (م ٦٣٥ هـ): (أ) الكامل في التاريخ، ٩ ج، الطبعة الثانية، ١٣٨٧ هـ، تصوير بيروت: دار الكتاب العربي. (ب) اللباب في تهذيب الأنساب، ٣ ج، بيروت: دار صادر، ١٤٠٠ هـ. – ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (م ٦٠٦ هـ): جامع الأصول في أحاديث الرسول، ١١ ج، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، بيروت: دار البيان، ١٣٨٩ هـ. – ابن الأنباري، أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن
بن محمد (م ٥٧٧ هـ): نزهة الألباء في طبقات الأدباء، الطبعة الثانية، تحقيق: د. إبراهيم السامرائي، بغداد: مكتبة الأندلس، ١٩٧٠ م. – ابن بدران، عبد القادر بن أحمد بن مصطفى الحنبلي الدمشقي (م ١٣٤٦ هـ): المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، مصر: إدارة الطباعة المنيرية. – ابن جزي، محمد بن أحمد الغرناطي (م ٧٤١ هـ): (أ) كتاب التسهيل لعلوم التنزيل، ٤ ج، تحقيق: محمد عبد المنعم، إبراهيم عطوة، القاهرة: دار الكتب الحديثة. (ب) القوانين الفقهية، طبعة جديدة، بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٧٤ م. – ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي (م ٥٩٧ هـ): المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ١٠ ج، الطبعة الأولى. حيدر آباد دكن: دائرة المعارف العثمانية، ١٣٥٩ هـ.
– ابن حزم، أبو محمد على بن أحمد بن سعيد الأندلسي الظاهري (٤٥٦ هـ): (أ) الفصل في الملل والأهواء والنحل، (وبهامشه، كتاب الملل للشهرستاني) ٥ ج، مصورة. بغداد: مكتبة المثنى. (ب) المحلى، ١١ ج، طبعة مصححة ومقابلة، بيروت: المكتب التجاري. – ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق السلمي النيسابوري (م ٣١١ هـ): صحيح ابن خزيمة، ٤ ج، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، بيروت: المكتب الإِسلامي. – ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين
أحمد بن محمد (م ٦٨١ هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ٨ ج، تحقيق: د. إحسان عباس، بيروت: دار صادر، ١٣٩٨ هـ. – ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد القرطبي (م ٥٩٥ هـ): بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ٢ ج، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٩ هـ. – ابن الرفعة، أبو العباس نجم الدين الأنصاري (م ٧١٠ هـ): الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان، تحقيق: د. محمد أحمد إسماعيل الخاروف، دمشق: دار الفكر، ١٤٠٠ هـ. – ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (م ٦٤٢ هـ): مقدمة ابن الصلاح، في علوم الحديث، دمشق: دار الحكمة، ١٣٩٢ هـ. – ابن عابدين، محمد أمين، (م ١٢٥٨ هـ): حاشية رد المحتار على الدر المختار، شرح تنوير الأبصار، ٦ ج، الطبعة الثانية، مصر: شركة مصطفى الحلبي، ١٣٨٦ هـ. – ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، (م ٤٦٣ هـ): جامع بيان العلم وفضله، الطبعة الثانية، المدينة المنورة: مكتبة السلفية، ١٣٨٨ هـ. – ابن العربي، أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي، (م ٥٤٢ هـ): أحكام القرآن، ٤ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: على محمد البجاوي، الطبعة الأولى، مصر: شركة عيسى الحلبي، ١٣٧٦ هـ. – ابن فارس، أبو الحسين أحمد، (م ٣٩٥ هـ): معجم مقاييس اللغة، ٦ ج، الطبعة
الثانية، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٩ هـ. – ابن قدامة، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد، (م ٦٢٠ هـ): الغني على مختصر الخرقي، ١٠ ج، تحقيق: محمود عبد الوهاب فايد وغيره، القاهرة: مكتبة القاهرة.
– ابن قطلوبغا، أبو العدل زين الدين قاسم، (م ٨٧٩ هـ): تاج الراجم في طبقات الحنفية، بغداد: مكتبة المثنى، ١٩٦٢ م. – ابن القنفذ، أحمد، (م ٨٠٩ هـ): شرف الطالب في أسنى المطالب، مع مجموعة (ألف سنة من الوفيات)، تحقيق: محمد حجي، الرباط: دار المغرب، ١٣٩٦ هـ. – ابن قيم الجوزية، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، (م ٧٥١ هـ): (أ) زاد المعاد في هدي خير العباد، ٤ ج، مصر: شركة مصطفى الحلبي، ١٣٩٠ هـ. (ب) أعلام الموقعين عن رب العالمين، ٤ ج، طبعة جديدة، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨٨ هـ. – ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر (م ٧٧٤ هـ): (أ) تفسير القرآن العظيم، ٨ ج، تحقيق: عبد العزيز غنيم وآخرون، مصر: دار الشعب، ١٣٩٧ هـ. (ب) السيرة النبوية، ٤ ج، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، مصر: عيسى الحلبي، ١٣٨٤ هـ. – ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، (م
٢٧٥ هـ): سنن ابن ماجة، ٢ ج، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مصر: عيسى الحلبي، ١٣٧٢ هـ. – ابن المنذر، أبو بكر بن عمد بن إبراهيم النيسابوري، (م ٣١٨ هـ): الإِجماع، الطبعة الأولى، تحقيق: أبو حماد صغير أحمد، الرياض: دار طيبة، ١٤٠٢ هـ. – ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (م ٧١١ هـ): لسان العرب، ١٥ ج، تصوير بيروت: دار صادر، دار بيروت، ١٣٨٨ هـ. – ابن النجار، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي (م ٩٧٢ هـ): شرح الكوكب المنير، ٤ ج، تحقيق: د. محمد الزحيلي، د. نزيه حماد، مكة المكرمة: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، دمشق: دار الفكر، ١٤٠٠ هـ. – ابن نجيم، زين بن إبراهيم بن محمد بن محمد، (م ١٢٥٢ هـ): (أ) الأشباه والنظائر، مصر: مطبعة وادي النيل، ١٢٩٨ هـ. (ب) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ١٠ ج، الطبعة الثانية، تصوير بيروت: دار المعرفة. – ابن هبيرة، عون الدين أبو المظفر يحيى بن محمد، (م ٥٦٠ هـ): الإِفصاح عن معاني الصحاح، ٢ ج، الرياض: المؤسسة السعودية.
– ابن هشام، أبو محمد عبد الملك، (م ٢١٨ هـ): السيرة النبوية، ٤ ج، الطبعة الثانية، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، مصر:
مصطفى الحلبي، ١٣٧٥ هـ. – ابن هشام الأنصاري، أبو محمد عبد جمال الدين (م ٧٦١ هـ): قطر الندى وبل الصدى، الطبعة الحادية عشرة، تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد، مصر: السعادة، ١٣٨٣ هـ. – ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد السيواسي السكندري، (م ٨٦١ هـ): (أ) التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية. (مع شرح تيسير التحرير، لأمير بادشاه) مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٠ هـ. (ب) شرح فتح القدير، (مع شرح العناية، للبابرتي)، ١٠ ج، الطبعة الأولى، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٩ هـ. – أبو داود الطيالسي، سليمان بن داود، (٢٠٤ هـ): مسند الطيالسي، (منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود)، الطبعة الأولى، تعليق أحمد عبد الرحمن البنا، القاهرة: المطبعة المنيرية، ١٣٧٢ هـ. – أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث الأزدي (٢٧٥): سنن أبي داود، ٤ ج، تعليق: محمد محيى الدين عبد الحميد، القاهرة: دار إحياء السنة النبوية. – أبو زهرة، محمد: محاضرات في تاريخ المذاهب الفقهية، جمعية الدراسات الإسلامية، ١٩٦١ م. – أبو سليمان، د. عبد الوهاب إبراهيم: كتابة البحث العلمي، الطبعة الأولى، جدة: دار الشروق، ١٤٠٠ هـ. – أبو غدة، عبد الفتاح: العلماء العزّاب، الطبعة الثانية، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، ١٤٠٣ هـ. – أبو الفداء، الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء إسماعيل، (م ٧٣٢ هـ): تاريخ
أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر)، مصورة بيروت: دار المعرفة. – أبو الوفاء، محيي الدين أبو محمد عبد القادر القرشي، (م ٧٧٥ هـ): الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية، الطبعة الأولى، حيدر آباد دكن: دائرة المعارف العثمانية، ١٣٣٢ هـ.
– أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، (م ١٨٢ هـ): (أ) اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، الطبعة الأولى، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، مصر: مطبعة الوفاء، ٣٥٧ اهـ. (ب) كتاب الآثار، تعليق: أبي الوفاء الأفغاني، بيروت: دار الكتب العلمية. (ج) كتاب الخراج، الطبعة الرابعة، القاهرة: المطبعة السلفية، ١٣٩٢ هـ. أحمد أمين: ظهر الإِسلام، ٣ ج، الطبعة الثانية، القاهرة: لجنة التأليف والترجمة، ١٣٦٥ هـ. أحمد بن حنبل: مسند الإِمام أحمد بن حنبل، ٦ ج، تصوير بيروت: المكتب الإِسلامي، دار صادر. – أحمد على، محمد إبراهيم: (أ) المذهب عند الشافعية، مجلة جامعة الملك عبد العزيز، العدد الثاني، عام ١٣٩٨ هـ. (ب) المذهب عند الحنفية: مكة المكرمة، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإِسلامي، جامعة أم القرى. – الأسنوي، جمال الدين عبد الرحمن، (م ٧٧٢ هـ): نهاية السول (مع شرح البدخشي)، ٣ ج، مصر: محمد على صبح. – الأصفهاني، عماد الدين محمد بن محمد بن حامد، (م ٥٩٧ هـ): كتاب تاريخ دولة
آل سلجوق. (اختصار البنداري الأصفهاني)، مصر: مطبعة الموسوعات، ١٣١٨ هـ. – الأفغاني، عبد الحكيم: كشف الحقائق شرح كنز الدقائق، (بهامشه شرح متن الوقاية)، ٢ ج، الطبعة الأولى، مصر: المطبعة الأدبية، ١٣١٨ هـ ـ. – الآمدي، سيف الدين أبو الحسن على بن أبي على، (م ٦٣١ هـ): الأحكام في أصول الأحكام، ٣ ج، الفبعة الأولى، بيروت: دار الفكر، ١٤٠١ هـ. – أمير بادشاه، محمد أمين بن محمود البخاري (حوالي م ٩٨٧ هـ): تيسير التحرير على كتاب التحرير، ٤ ج، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٠ هـ. – الأنصاري، عبد العلي محمد نظام الدين: فواتح الرحموت شرح مسلّم الثبوت، (مع المستصفى للغزالي)، الطبعة الأولى، مصر: الأميرية بولاق، ١٣٢٢ هـ.
– البابرتي، أكمل الدين محمد بن محمود؛ (م ٧٨٦ هـ): شرح العناية على الهداية، (مع شرح فح القدير)، الطبعة الأولى، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٩ هـ. – البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجحفي، (م ٢٥٦ هـ): الجامع الصحيح البخاري، (مع شرح فتح الباري)، القاهرة: المكتبة السلفية. – البخاري، علاء الدين عبد العزيز أحمد، (م ٧٣٠ هـ): كشف الأسرار عن أصول البزدوي، تصوير، بيروت: دار الكتاب العربي، ١٣٩٤ هـ. – بروكلمان، كارل: تاريخ الأدب العربي، ٥ ج، تقريب: د. رمضان عبد
التواب، وآخر، مصر: دار المعارف، – البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء، (م ٥١٦ هـ): شرح السنة، ١٦ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، محمد زهير الشاويش، بيروت: الكتب الإِسلامي، ١٣٩٠ هـ. – البناني، عبد الرحمن بن جاد الله المالكي، (م ١١٩٨ هـ): حاشية البناني على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، ٢ ج، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ. – البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس، (م ١٠٤٦ هـ): كشاف القناع عن متن الإِقناع، ٦ ج، الرياض: مكتبة النصر الحديثة. – البيانوني، محمد أبو الفتح: دراسات في الاختلافات الفقهية، الطبعة الأولى، حلب: مكتبة الهدى، ١٣٩٥ هـ. – اليضاوي، أبو سعيد عبد الله بن عمر الشافعي، (م ٦٨٥ هـ): (أ) أنوار التنزيل – وأسرار التأويل، (مع مجموعة التفاسير)، ٦ ج، الطبعة الأولى، مصر: دار الطباعة العامرة، ١٣١٩ هـ. (ب) منهاج الوصول في علم الأصول، (مع شرح الأسنوي والبدخشي)، ٣ ج. – البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي، (م ٤٥٨ هـ): (أ) السنن الكبرى، ١٠ ج، الطبعة الأولى، حيدر آباد دكن: دائرة المعارف النظامية، ١٣٤٤ هـ. (ب) معرفة السنن والآثار، ١ ج، تحقيق: السيد أحمد صقر، مصر: المجلس الأعلى للشؤون الإِسلامية.
(ج) مختصر
الخلافيات (ميكروفلم)، مركز البحث العلمي، بكلية الشريعة، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، (فقه مقارن – ٣٢١)، مصورة من مكتبة شستربتي (٣١٨٩). – التركي، د. عبد الله عبد المحسن: أسباب اختلاف الفقهاء، الطبعة الثانية، الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، ١٣٩٧ هـ. – الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، (م ٢٧٩ هـ): الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، ٥ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: أحمد محمد شاكر، وآخرون، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ. – الثعالبي، أبو منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل، (م ٤٢٩ هـ): يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، ٤ ج، تحقيق: عمد محيي الدين عبد الحميد، مصر: مطبعة السعادة، ١٣٧٧ هـ. – الجرجاني، الشريف على بن محمد بن علي، (م ٨١٦ هـ): التعريفات، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٧ هـ. – الجصاص، أبو بكر أحمد بن علي الرازي، (م ٣٧٠ هـ): أحكام القرآن، ٣ ج، مصورة بيروت: دار الكتاب العربي. – الجوهري، إسماعيل بن حماد الفارابي، (م ٣٩٣ هـ): الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، ٦ ج، الطبعة الثانية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، ١٤٠٢ هـ. – الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، (م ٤٧٨ هـ): البرهان في أصول الفقه، ٢ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، قطر: مطابع الدوحة الحديثة، ١٣٩٩ هـ. – حاجي خليفة،
مصطفى بن عبد الله القسطنطيني، (م ١٠٦٧ هـ): كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ٢ ج، استانبول: المطبعة البهية، ١٣٦٠ هـ. – الحاكم، أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، (م ٤٠٥ هـ): المستدرك على الصحيحين في الحديث، ٤ ج، الرياض: مكتبة النصر الحديثة. – الحجوي، محمد بن الحسن الثعالبي الفاسي، (م ١٣٧٦ هـ): الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، ٢ ج، الطبعة الأولى، تعليق: عبد العزيز القاري، المدينة المنورة: المكتبة العلمية، ١٣٩٦ هـ. – حسن، حسن إبراهيم: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ٤ ج، الطبعة الأولى، مصر: النهضة المصرية، ١٩٦٧ م.
– الحسيني، أبو بكر بن هداية الله، (م ١٠١٤ هـ): طبقات الشافعية، الطبعة الأولى، بيروت: دار الآفاق الجديدة، ١٩٧١ م. – الحصكفي، محمد علاء الدين بن علي، (م ١٠٨٨ هـ): (أ) الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ٢ ج، مصر: دار الطباعة العامرة، ١٢٧٧ هـ. (ب) الدر المنتقى في شرح الملتقى (مع مجمع الأنهر في شرح الملتقى)، ٢ ج، تركيا: معارف نظارات جليلة، ١٣١٩ هـ. – الحطاب، أبو عبد الله محمد بن محمد الرعيني، (م ٩٥٤ هـ): مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، ليبيا: طرابلس، مكتبة النجاح. – الحوفي، د. أحمد محمد: الزمخشري، الطبعة
الأولى، مصر: دار الفكر العربي، ١٩٦٦ م. – الخازن، علاء الدين على بن محمد بن إبراهيم البغدادي، (م ٧٢٥ هـ): لباب التأويل في معاني التنزيل، (مع مجموعة التفاسير)، ٦ ج، الطبعة الأولى، مصر: دار الطباعة العامرة، ١٣١٩ هـ. – الخرشي، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن علي، (م ١١٠١ هـ): حاشية الخرشي على مختصر خليل (مع حاشية العدوي)، ٨ ج، تصوير بيروت: دار صادر. – الخزرجي، صفيِّ الدين أحمد بن عبد الله الأنصاري، (م ٩٢٣ هـ): خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، حلب: مكتبة المطبوعات الإِسلامية. – الخضري، محمد الخضري بك: (أ) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية (الدولة العباسية)، الطبعة الرابعة، القاهرة: مكتبة التجارية الكبرى، ١٣٥٣ هـ. (ب) تاريخ التشريع الإِسلامي، الطبعة التاسعة، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٩٠ هـ. – الخطابي، حمد بن محمد بن إبراهيم، (م ٣٨٨ هـ): معالم السنن، (مع مختصر سنن أبي داود)، ٨ ج، تحقيق: محمد حامد الفقي، القاهرة: مكتبة أنصار السنة المحمدية. – الدارقطني، على بن عمر، (م ٣٨٥ هـ): سنن الدارقطني (مع التعليق المغني على الدارقطني) ٤ ج، تصحيح وترقيم: السيد عبد الله هاشم اليماني، القاهرة: دار المحاسن للطباعة.
– داماد أفندي، عبد الرحمن بن محمد بن سليمان:
مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، ٢ ج، تركيا: معارف نظارات جليلة، ١٣١٨ هـ. – الدبوسي، عبيد الله بن عمر الحنفي، (م ٤٣٠ هـ): تأسيس النظر، مصر: زكريا على يوسف. – الدردير، أحمد بن محمد بن أحمد، (م ١٢٠١ هـ): الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك، ٥ ج، مصر: المعاهد الأزهرية، ١٣٨٦ هـ. – الدهلوي، شاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي، (م ١١٧٦ هـ): الإِنصاف في بيان سبب الاختلاف في الأحكام الفقهية، الطبعة الثانية، القاهرة: المطبعة السلفية، ١٣٩٨ هـ. – الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، (م ٦٦٠ هـ): مختار الصحاح، القاهرة: الأميرية بولاق، ١٣٥٧ هـ. – الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة (م ١٠٠٤ هـ): نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ٨ ج، الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٦ هـ. – الزركلي، خير الدين، (م ١٣٩٦ هـ): الأعلام، (قاموس تراجم)، ٨ ج، الطبعة الخامسة، بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٠ م. – الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمود بن عمر، (م ٥٣٨ هـ): (أ) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ٤ ج، الطبعة الأولى، مصر: مكتبة التجارية الكبرى، ١٣٥٤ هـ. (ب) شرح مقامات الزمخشري. (ج) أساس البلاغة، مصر: دار الكتب، ١٩٧٢ م. – الزنجاني، أبو المناقب
شهاب الدين محمود بن أحمد، (م ٦٥٦ هـ): تخريج الفروع على الأصول، تحقيق: د. محمد أديب الصالح، دمشق: جامعة دمشق، ١٣٨٢ هـ. – الزيلعي: جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الحنفي، (م ٧٦٢ هـ): نصب الراية لأحاديث الهداية، ٤ ج، الطبعة الأولى، مصر: دار المأمون، ١٣٥٧ هـ. – الزيلعي، فخر الدين عثمان بن علي الحنفي، (م ٧٤٣ هـ): تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ٦ ج، تصوير الطبعة الأولى، بيروت: دار المعرفة، ١٣١٣ هـ.
– السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن علي، (م ٧٧١ هـ): (أ) طبقات الشافعية الكبرى، ١٠ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: محمود الطناحي، عبد الفتاح محمد الحلو، مصر: عيسى الحلبي، ١٣٨٣ هـ. (ب) متن جمع الجوامع (مع حاشية البناني على شرح المحلي)، ٢ ج، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ. – السخاوي، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن: المقاصد الحسنة، مصر، بغداد: الخانجي، المثنى، ١٣٧٥ هـ. – السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، (م ٤٩٠ هـ)، وقيل غير ذلك: (أ) أصول السرخسي، ٣ ج، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، مصر: دار الكتاب العربي، ١٣٧٢ هـ. (ب) شرح كتاب السير الكبير (للشيباني)، ٥ ج، تحقيق: د. صلاح الدين
المنجد. (ج) المبسوط، ٣٠ ج، تصوير الطبعة الثانية، بيروت: دار المعرفة. – السمرقندي، أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، (م ٣٧٣ هـ): خزانة الفقه وعيون المسائل، ٢ ج، تحقيق: د. صلاح الدين الناهي، بغداد: شركة الطبع، ١٣٨٥ هـ. – السمرقندي، علاء الدين، (م ٥٥٢ هـ): تحفة الفقهاء، ٣ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد زكي عبد البر، دمشق: جامعة دمشق، ١٣٧٧ هـ. – السمعاني، أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي، (م ٥٦٢ هـ): الأنساب، الطبعة الأولى، حيد أباد دكن: دائرة المعارف العثمانية، ١٣٨٦ هـ. – السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، (م ٩١١ هـ): الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٨ هـ. (أ) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ٢ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد أبو الفضل، مصر: عيسى الحلبي، ١٣٨٤ هـ. (ب) تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، ٢ ج، الطبعة الثانية؛ تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، مصر: دار الكتب الحديثة، ١٣٨٥ هـ. (ج) الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير، الطبعة الرابعة، مصر: مصطفى الحلبي. (د) طبقات المفسرين، طهران: ١٩٦٠ م.
– الشاشي، سيف الدين أبو بكر محمد بن أحمد القفال، (م
٥٠٧ هـ): حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، الطبعة الأولى، تحقيق: د. ياسين أحمد إبراهيم دراكة، بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٤٠٠ هـ. – الشافعي، الإِمام محمد بن إدريس، (م ٢٠٤ هـ): (أ) أحكام القرآن، ٢ ج، (جمع الإمام البيهقي)، تقديم الكوثري، تحقيق: عبد الغني عبد الخالق، تصوير بيروت: دار الكتب العلمية، ١٣٩٥ هـ. (ب) الأم، ٨ ج، تصوير بيروت: دار المعرفة. – الشربيني، محمد بن أحمد الخطيب، (م ٩٧٧ هـ): مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ٤ ج، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٧ هـ. – الشرنبلالي، حسن بن عمار على، (م ١٠٦٩ هـ): مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٦٦ هـ. – الشرواني، عبد الحميد: حاشية على تحفة المحتاج بشرح المنهاج، (لابن حجر الهيثمي)، ١٠ ج، تصوير بيروت: دار صادر. – الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، (م ١٢٥٠ هـ): نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، ٨ ج، الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي. – الشيباني، أبو عبد الله محمد بن الحسن (م ١٨٩ هـ): (أ) كتاب الأصل، ٤ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، حيدر أباد دكن: دائرة المعارف العثمانية، ١٣٨٦ هـ. (ب) الجامع الكبير، الطبعة الأولى، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، مصر: مطبعة الاستقامة، ١٣٥٦ هـ. (ج) كتاب الحجة عل أهل المدينة، ٤ ج، تحقيق: السيد مهدي
حسن الكيلاني، تصوير بيروت: عالم الكتب. – الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي، (م ٤٧٦ هـ): (أ) التبصرة في أصول الفقه، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، دمشق: دار الفكر، ١٤٠٠ هـ. (ب) التنبيه: الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٠ هـ. (ج) اللمع، مصر: مصطفى الحلبي. (د) المهذب في فقه الإمام الشافعي، ٢ ج، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٩ هـ. (هـ) كتاب النكت (ميكروفلم)، مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، (فقه عام ١٤٣)، مصورة عن مكتبة أحمد الثالث، بتركيا، ١١٥٤.
– الشيرازي، مرتضى آية الله زادة: الزمخثشي لغويًا ومفسرًا، القاهرة: دار الثقافة، ١٩٧٧ م. – الصاوي، مصطفى الجويني: منهج الزمخشري في تفسير القرآن، مصر. – الصنعاني، محمد بن إسماعيل الكحلاني، (م ١١٨٢ هـ): سبل السلام شرح بلوغ المرام، ٤ ج، الطبعة الرابعة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٩ هـ. – طاش كبري زادة، أحمد بن مصطفى، (م ٩٦٨ هـ): مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، ٣ ج، تحقيق: كامل بكري، عبد الوهاب أبو النور، مصر: دار الكتب الحديثة. – الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، (م ٣١٠ هـ): (أ) كتاب اختلاف الفقهاء، الطبعة الثانية، تصحيح: د. دريدريك، تصوير بيروت: دار
الكتب العلمية. (ب) تاريخ الرسل والملوك (تاريخ الطبري)، ١٠ ج، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر: دار المعارف. (ج) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (تفسير الطبري)، ٣ ج، الطبعة الثالثة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٨ هـ. – الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الحنفي، (م ٣٢١ هـ): (أ) اختلاف الفقهاء، تحقيق: د. محمد صغير المعصومي، إسلام أباد: معهد البحوث الإسلامية، ١٣٩١ هـ. (ب) شرح معاني الآثار، ٤ ج، تحقيق: محمد زهري النجار، تصوير بيروت: دار الكتب العلمية. (ج) مختصر الطحاوي، تحقيق: أبي الوفاء الأفغاني، القاهرة: دار الكتاب العربي، ١٣٧٠ هـ. – الطحطاوي، السيد أحمد، (م ٣١ هـ): حاشية الطحطاوي على الدر المختار، ٤ ج، تصوير بيروت: دار المعرفة، ١٣٩٥ هـ. – الطرابلسي، علاء الدين أبو الحسن على بن خليل الحنفي، (م ٨٤٤ هـ): معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٩٣ هـ. – عبد الباقي، محمد فؤاد: مفتاح كنوز السنة، لاهور: سهيل أكيديمي، ١٣٩١ هـ.
– عبد الرزاق، أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، (م ٢١١ هـ): المصنف، ١١ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت: دار القلم، ١٣٩٢ هـ. – العثماني، أبو عبد
الله محمد بن عبد الرحمن الدمشقي: رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٦ هـ. – العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي، (م ٨٥٢ هـ): (أ) بلوغ المرام، لاهور: سهيل أكيديمي. (ب) الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ٢ ج، المدينة المنورة، السيد عبد الله هاشم اليماني. (ج) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١٤ ج، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، مصر: المكتبة السلفية. (د) التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ٤ ج، المدينة المنورة: السيد عبد الله هاشم اليماني، ١٣٨٤ هـ. – العطار، حسن بن محمد بن محمود، (م ١٢٥٠ هـ): حاشية العطار على شرح الجلال الحلي على جمع الجوامع، ٢ ج، الطبعة الأولى، مصر: المطبعة العلمية، ١٣١٦ هـ. – العيني، بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد (م ٨٥٥ هـ): (أ) البناية في شرح الهداية، ١٠ ج، الطبعة الأولى، بيروت: دار الفكر، ١٤٠٠ هـ. (ب) كشف القناع المزني عن مبهمات الأسامي والكنى، (ميكروفلم)، بمركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، بمكة المكرمة (٩٦٥). – الغزالي، محمد بن محمد، (م ٥٠٥ هـ): (أ) شفاء الغليل، تحقيق: د. حمد الكبيسي، بغداد: مطبعة الإرشاد، ١٣٩٠ هـ. (ب) المستصفى من علم الأصول، (مع فواتح الرحموت)، ٢ ج، الطبعة الأولى، مصر: الأميرية بولاق، ١٣٢٢ هـ. (ج) الوجيز في فقه المذهب
الإِمام الشافعي، ٢ ج، مصر: مطبعة الآداب، ١٣١٧ هـ. – الفاسي، تقي الدين محمد بن أحمد الحسني المكي، (م ٨٣٢ هـ): العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، تحقيق: فؤاد سيد، القاهرة، ١٣٨٧ هـ. – الفيروز آبادي، أبو طاهر محمد بن يعقوب، (م ٨١٧ هـ): (أ) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (بهامش مجموعة من التفاسير)، الطبعة الأولى، مصر: دار الطباعة العامرة، ١٣١٩ هـ. (ب) القاموس المحيط، ٤ ج، الطبعة الثانية، مصر: المكتبة الحسينية، ١٣٤٤ هـ.
– الفيومي، أحمد بن محمد بن علي المقري، (م ٧٧٠ هـ): المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، مصر: مصطفى الحلبي. – القاري، نور الدين على بن محمد بن سلطان، الشهور (بالملا) (م ١٠١٤ هـ): (أ) الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، المعروف (بالموضوعات الكبرى)، تحقيق: محمد الصباغ: بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٣٩١ هـ. (ب) فتح باب العناية بشرح كتاب النقاية، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب: مكتب المطبوعات الإِسلامية. (ج) المسلك المتقسط في المنسك المتوسط على كتاب المناسك، (مع حاشية إرشاد الساري، لحسين بن محمد سعيد المكي الحنفي)، تصوير بيروت: دار الفكر. – القاضي، عبد الجبار بن أحمد، (م ٤١٥ هـ): شرح الأصول الخمسة، تعليق: أحمد بن الحسين بن أبي هاشم؛ الطبعة
الأولى، تحقيق: د. عبد الكريم عثمان، مصر: مكتبة وهبة، ١٣٨٤ هـ. – القدوري، أبو الحسين أحمد بن محمد البغدادي، (م ٤٢٨ هـ): متن القدوري، في الفقه على مذهب الإِمام أبي حنيفة، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٧٧ هـ. – القرافي، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، الطبعة الأولى. تحقيق: طه عبد الرؤوف، مصر: مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٩٣ هـ. – القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، (م ٦٧١ هـ): الجامع لأحكام القرآن، ٢٠ ج، الطبعة الثالثة، القاهرة: دار القلم، ١٣٨٦ هـ. – القفطي، جمال الدين أبو الحسن على بن يوسف، (م ٦٤٦ هـ): إنباه الرواة على أنباء النحاة، المطبعة الأولى، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار الكتب المصرية، ١٣٧٤ هـ. – قليوبي، شهاب الدين: حاشية قليوبي على شرح المحلي على المنهاج، ٢ ج، مصر: عيسى الحلبي. – القيرواني، أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، (٣٨٦ هـ): رسالة ابن أبي زيد القبراوني، (مع الثمر الداني في تقريب المعاني)، مصر: عيسى الحلبي. – الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود، (م ٥٨٧ هـ): بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ١٠ ج، مصر: زكريا على يوسف.
–
كحالة، عمر رضا: معجم المؤلفين، بيروت: دار إحياء التراث العربي. – الكناني، أبو الحسن على بن محمد (م ٩٦٣ هـ): تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، ٢ ج، تحقيق: عبد الله بن الصديق الغماري، بيروت: دار الكتب العلمية. – الكيا الهراسي، عماد الدين محمد الطبراني، (م ٥٠٤ هـ): أحكام القرآن، ٤ ج، بيروت: دار الكتب العلمية. – اللكنوي، أبو الحسنات محمد عبد الحي الهندي، (م ١٣٠٤ هـ): الفوائد البهية في تراجم الحنفية، بيروت: دار المعرفة. – لويس، الأب لويس معلوف اليسوعي: المنجد، الطبعة التاسعة، بيروت: مطبعة الكاثوليكية، ١٩٣٧ م. – مالك بن أنس، (١٧٩ هـ): (أ) المدَّونة الكبرى، ٦ ج، بيروت: دار صادر. (ب) الموطأ، ٢ ج، تخريج وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، مصر: عيسى الحلبي. – المحلي، جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد، (م ٨٦٤ هـ): (أ) شرح المحلي على متن جمع الجوامع (مع حاشية العطار)، الطبعة الثانية، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ. (ب) شرح المحلي على منهاج الطالبين، (مع حاشيتي قليوبي وعميرة)، ٤ ج، مصر: عيسى الحلبي. – المرتضى، أحمد بن يحيى بن المرتضى: كتاب المنية والأمل في شرح كتاب الملل والنحل، حيدر آباد دكن: دائرة المعارف النظامية، ١٣١٦ هـ. – المرغيناني: أبو الحسن على بن أبي بكر بن عبد الجليل الراشداني، (م ٥٩٣ هـ): الهداية
شرح بداية المبتدي، ٤ ج، الطبعة الأخيرة، مصر: مصطفى الحلبي. – المزني، أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى، (٦٤ هـ): مختصر المزني، (ملحق بالأم)، تصوير: بيروت، دار المعرفة. – مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (م ٢٦١ هـ): صحيح مسلم، ٥ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، مصر: عيسى الحلبي، ١٣٧٤ هـ. – المطرّزي، أبو الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي، (م ٦١٠ هـ): المغرّب في ترتيب المعرّب، بيروت: دار الكتاب العربي.
– المقدسي، أبو عبد الله محمد بن أحمد البشاري، (م ٣٧٥ هـ): أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ليدن: مطبعة بريل، ١٩٠٦ م. – المناوي، محمد عبد الرؤوف بن تاج الدين، (م ١٠٣١ هـ): فيض القدير، شرح الجامع الصغير، ٦ ج، الطبعة الأولى، مصر: المكتبة التجارية الكبرى، ١٣٥٦ هـ. – المنذري، عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله، (م ٦٥٦ هـ): مختصر سنن أبي داود، (مع معالم السنن). تحقيق: محمد حامد الفقي، القاهرة: مكتبة السنة الحمدية. – الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود الحنفي، (م ٦٨٣ هـ): الاختيار شرح المختار، الطبعة الأولى، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٥٥ هـ. – الميداني، عبد الغني الغنيمي الدمشقي، (م ١٢٩٨ هـ): اللباب في شرح
الكتاب، ٤ ج، تحقيق: محمود أمين النواوي، بيروت: دار الحديث. – النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي، (م ٣٠٣ هـ). سنن النسائي، (مع شرح السيوطي، وحاشية السندي)، ٨ ج، تصوير بيروت: دار الكتاب العربي. – النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود، (م ٧٠١ هـ): مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ٤ ج، مصر: عيسى الحلبي. – النسفي، نجم الدين بن حفص، (م ٥٣٧ هـ): طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية، تصوير، بغداد: مكتبة المثنى. – نظام، الشيخ نظام، وجماعة من علماء الهند: الفتاوي الهندية في مذهب الإِمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، ٦ ج، صورة الطبعة الثالثة، تركيا: المكتبة الإسلامية، ١٣٩٣ هـ. – النووي، أبو زكريا يحيى بن شرف الشافعي، (م ٦٧٦ هـ): (أ) تهذيب الأسماء واللغات، ٤ ج، تصوير بيروت: دار الكتب العلمية. (ب) روضة الطالبين، ١٢ ج، بيروت: المكتب الإسلامي. (ج) الجموع شرح المهذب، ٩ ج، مصر: زكريا على يوسف. (د) منهاج الطالبين وعمدة المفتين، (بهامشه) منهج الطلاب للأنصاري، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨٨ هـ.
– النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين القمي، (م ٧٢٧ هـ): غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ٣ ج، الطبعة الأولى، تحقيق: إبراهيم عطوة عوض، مصر: مصطفى الحلبي، ١٣٨١
هـ. – الهندي، علاء الدين على بن المتقي بن حسام الدين البرهان فوري، (م ٩٧٥ هـ): كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، ١٦ ج، بيروت: مؤسسة الرسالة، ١٣٩٩ هـ. – الهيثمي، نور الدين على بن أبي بكر، (م ٨٠٧ هـ): (أ) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، ١٠ ج، الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتاب، ١٩٦٧ م. (ب) موارد الظمآن إلى زوائد – ابن حبان، تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة، بيروت: دار الكتب العلمية. – الواقدي، محمد بن عمر، (م ٢٠٧ هـ): كتاب المغازي، ٣ ج، تحقيق: د. مارسدن جونس، بيروت: عالم الكتب. – ياقوت الحمويّ، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي البغدادي، (م ٦٢٦ هـ): (أ) معجم البلدان، بيروت: دار الكتاب العربي. (ب) معجم الأدباء، ٢٠ ج، مصر: مطبعة دار المأمون.