مختصر الكرخي

﷽

يسرُّ «مشروع أسفار» أن يقدِّمَ للقارئ الكريم الإصدارَ الثَّالث والأربعين من إصدارات المشروع: (شَرح مختصَر الكَرخيِّ) للفقيهِ أبي الحسين القُدُوريِّ (ت ٤٢٨)؛ يُنشر لأوَّل مرَّةٍ.

كتابُنا الفَخم من مدوَّناتِ الفقهِ المتقدِّمة، يشرح متنًا تعليميًّا أصيلًا في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ حبَّرَهُ قلمُ فقيهٍ من القرن الرَّابع الهجريِّ: هو «أبو الحسن الكرخيُّ» أحدُ مجتهدي طبقتهِ المذهبيَّة، ولقد اشتغلَ العلماءُ بمختصره الفقهيِّ شرحًا وتدريسًا، وكان من أهمِّ شروحهِ كتابُنا للشَّارِحِ القُدُوري، الذي «انتَهَت إليه رئاسةُ الحنفيَّة» في بغداد، وانتفع النَّاس بمؤلَّفاته، وكان فقهيًا من ذوي النَّجابة والذَّكاء، مشهودًا له بالصِّدق.

وتجلَّت إمامتهُ «مذهب الحنفيَّة» خلال شرحهِ المختصر: في استيعابهِ لفروع مذهبه، ومعرفتهِ بالرِّوايات والأوجه والخلافيَّات؛ ذلك لكونِ المتنِ المشروح من المختصَرات الشَّاملة الجامعة، وقد ذكر الشَّارح في مقدِّمته: «أَنَّ المختصر يجمَعُ من فروعِ الفقهِ ما لا يجمعهُ غيرهُ».

لذا ظَهَرت عنايةُ الشَّرح بالتَّعليل والتَّدليل للمسائل، وتوجيهِ مآخذِ الأقوال، ولم يخل الكتاب من مناقشةٍ للاستدلال، وبيان الخلاف العالي عند ورود مسائلهِ المتنازعة بين الحنفيَّة وسائر المدارس الفقهية: كـ (المالكية، والشَّافعية، وأهل الحديث).

ويزيدُ من أهميَّة الكتاب: أنَّ المتن الأصليَّ لأبي الحسن الكرخيِّ لم يصلنا إلا من خلال شروحه، فهو في حكم المفقود. وقد اكتسبَ هذا الشَّرح مكانته

الرفيعة ومنزلته الفُضلى عند فقهاء الحنفيَّة؛ لاستفادتهم من مادَّته في مصنَّفاتهم الفقهيَّة، واعتمادهم عليه في حكاية المذهب.

بل كان «شرحُ القُدوري» مصدرًا أصيلًا مرجوعًا إليه عند غير الحنفيَّة؛ فمن ذلك: أنَّ شيخي الإسلام ابنَ تيميَّة وابنَ قيِّمِ الجوزيَّة قد أفادا منه في كتبهم، ونقلا مذهبَ الإمام أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه في تقريرهم «توحيد العبادة» وقطع «ذرائع التَّوسل بالمخلوقين» (١).

وأبانَ القُدوريُّ عن منهاجه: أنه يبيِّن الفروع، والرِّوايات، والزَّوائد على المختصر التي لابد منها، وأوردَ في شرحه مسائل من الخلاف مما انفرد المختصرُ به، ولمَّا لاحظَ الاختلافَ في منهجِ المختصر – لأنه ابتدأهُ صغيرًا ثم زادَه بعد العبادات وبسَطَ عبارته؛ فاختلفَ حجمهُ – ألحقَ به من الفروع ما يعتدلُ به أوَّلهُ وآخرهُ، وزادَ عليه ما أغفلهُ من الكتب، ثم شَرَحَ جميع ذلك مع التَّرجيح والتَّصحيح، وربما استدرك عليه، واقتَضَت صنعتهُ ألا يتمايز المتنُ عن شرحهِ بشكلٍ واضح؛ فإِنَّ الشَّارح عَجَنه بقلمهِ وتصرَّفَ فيه؛ وصار الكتاب كأنَّه تصنيفٌ مستقلٌّ.

وأخيرًا؛ نسألُ الله تعالى المغفرة والرَّحمة والرِّضوان لمؤلِّف الكتاب ومحقِّقه، ولمن تحمَّل تمويل الكتاب، أو ساهم في إخراجه، فجزاهم الله تعالى خيرًا، وأسبلَ عليهم بركته، ورفع درجتهم، وجعله لهم من العلم النافع المدخر الجاري ثوابه. والحمد لله ربِّ العالمين.

أسفار

لِنَشْرِ نَفيس الكُتُبِ والرَّسَائِل العلمية

دولة الكويت

(١) ينظر الفصل: ٢٩٠١.

﷽

المقَدِّمَة

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وصلوات الله تعالى وسلامه على سيد الأولين والآخرين (معلم الناس الخير) سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وصحبه الأبرار وكل من والاه إلى يوم الدين.

وبعد: فإن التفقه في دين الله عز وجل وشرعه أهم غاية يتمنى المرء المسلم أن يصل إليها في هذه الحياة الدنيا.

وقد حث المولى سبحانه وتعالى على ذلك مُرغبًا بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].

وقال النبي الكريم صلوات الله وسلامه مشجعًا على التفقه ومعرفًا بمكانة الفقيه وتقديره: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».

كما أن الفقه الإسلامي تراث فاخر لهذه الأمة، تستغني به عن الأحكام الوضعية في إصلاح شؤونها الدينية والدنيوية، ومن أعرض عنه ومال إلى القوانين الوضعية في تنظيم حياة الناس وفي تقويم الأود، وانتظر منها المدد،

فهو في سبيل القضاء على العزة الإسلامية ومقتضى الشرع بسعيه في الابتعاد عن الأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة.

وجزى الله عز وجل عنا أئمة الفقه المتبوعين رضي الله عنهم خير الجزاء على توافقهم في استنباط الأحكام العملية من الكتاب الكريم والسنةِ النبويةِ الشريفة، حيث مهدوا قواعد الاستنباط والفهم، وملؤوا العالم بدواوينهم في العلم، وخلفهم فقهاء أصفياء يسيرون على منهجهم الرشيد، وطريقهم السديد، فخلدوا كتبًا فاخرة، وعلومًا زاخرة، مشكورين في الدنيا مأجورين في الآخرة.

هذا وقد تفنن الفقهاء في توصيل هذا العلم إلى طبقات المجتمع الإسلامي كافة بطرق وأساليب شتى:

فوضعوا كتبًا خاصة لكل مذهب من المذاهب الأربعة المشهورة، تارة مقترنة بالأدلة والحجج المؤيدة لكل قول؛ ليدرك القارئ أصل قول ومذهب المجتهد، وتارة أخرى متونًا مختصرة، مجردة عن الأدلة والعلل، تيسيرًا وتسهيلًا للمبتدئين على الاستذكار، وتذكرة وعونًا للعلماء والمفتين، عِلْمًا بأن هذه المسائل الفقهية درست ونُقحت وصيغت صياغة علمية، وعلق عليها من أفاضل أئمة كل مذهب عبر القرون، كما أنها أُشبعت بحثًا من حيث الدليل والتعليل والبراهين والمناقشة والتخريج والترجيح، ومظانها معلومة ومعروفة.

وعلى المنوال الأخير وضع مؤلفنا (أبو الحسن الكرخي ٣٤٠ هـ)، كتابه المختصر (مختصر الكرخي) في فقه المذهب الحنفي، ومختصرُ الكرخي يعدُّ: (أهم متن في فروع المذهب) ومن المتون المعتمدة في المذهب الحنفي.

وقالوا في المتون: العبرة بما فيها عند تعارض ما فيها وما في غيرها؛ لما عرفوا من جلالة قدر مؤلفيها، والتزامهم إيراد مسائل ظاهر الرواية، والمسائل التي اعتمد عليها المشايخ (١).

وقد توارث فقهاء الأحناف الاهتمام بهذا المختصر اهتمامًا بالغًا؛ إذ لن نجد كتابًا كُتِبَ بعد مختصر الكرخي إلا وقد نقل منه، بل يؤيد المؤلِّفُ قولَه بما ذكره الكرخي في مختصره، وذلك لشدة اهتمام فقهاء المذهب بالمتون المعتبرة، وتقديم ما ورد فيها على ما في غيرها، إذ القاعدة المعروفة لدى فقهاء الأحناف في الترجيح بين الأقوال المعتمدة في المذهب، وفي تقديم نصوص بعض الكتب على البعض الآخر في الاعتبار عند التعارض، أنه: «إذا تعارض ما في المتون وما في غيرها من الشروح والفتاوى، فالعبرة لما في المتون، ثم للشروح المعتبرة، ثم للفتاوى؛ إلا إذا وجد التصحيح ونحو ذلك في بيان الشروح والفتاوى ولم يوجد ذلك في المتون، فحينئذٍ يُقدَّم ما في الطبقة الأدنى على ما في الطبقة الأعلى».

وتوضيح هذه القاعدة بَيَّنَه ابن عابدين في ردِّ المحتار بقوله: «صرحوا أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، لكن هذا عند التصريح بتصحيح كل من القولين، أو عدم التصريح أصلًا، أما لو ذكرت مسألة في المتون ولم يصرحوا بتصحيحها، بل صرحوا بتصحيح مقابلها، فقد أفاد العلامة قاسم ترجيح الثاني؛ لأنه تصحيح صريح، وما في المتون تصريح التزامي، والتصحيح الصريح مقدم على التصحيح الالتزامي، أي التزام المتون ذكر ما هو الصحيح».

(١) مقدمة الجامع الصغير، ص ٢٣.

ومن ذلك الاهتمام بهذا الكتاب المبارك: ما وضعه الإمام أبو الحسين القُدُوري (ت ٤٨٠ هـ) في شرحه النافع الواسع الجليل، الذي ذاع صيته في الآفاق وقدّمه أئمة المذهب على سائر الكتب حيث أبدع الشارح القدوري في تصنيف الشرح أيّما إبداع؛ فقد توسع رحمه الله في شرح المختصر توسعًا بالغًا فائقًا، وما ترك في شرح مسائل الكتاب أيَّ مسلك ومنحي يمكنه التطرق والتحدث فيه إلا سلكه وسار فيه، ولو كان الربط بإشارة بعيدة، فأفاض فيه وتحدث عن المسألة مفصِّلًا موضِّحًا لها من جميع جوانبها، ثم الاستدراك على المتن بمسائل لم يذكرها، حتى يتم الموضوع من كل جوانبه، إلا أن الشارح رحمه الله لم يفرق ويفصل بين المتن وشرحه، كعادة بعض الشراح، لمعرفة الأصل من الشرح، ولم أستطع أيضًا العثور على نسخة المتن مستقلًا حتى يتضح الفرق.

كما أنه إذا بدأ بالجانب اللغوي يستقصي مذاهب وأقوال اللغويين في الموضوع، ويذكره بإيجاز؛ مستشهدًا ببعض الشواهد المؤيدة لقوله، وهكذا إذا استدل بآية، نجده يتتبع أقوال المفسرين وآراءهم في الآية، وليس بالنقل والاقتباس فقط – مع كونه أمينًا في عزو الأقوال لأهلها -، بل نجده مناقشًا ناقدًا لأقوال المفسرين، ثم يرجح ما يراه مؤيدًا بأدلة وعلل وقرائن وأشباه ونظائر.

وأما الجانب الفقهي فهو أساس هذا الكتاب النافع الكبير، وقد تفنن المؤلف رحمه الله في شرح (مختصر الكرخي)، ففصل كل قول موجز بشرح مسهب مطول، مع بيان جميع جوانب المسألة، فيبدأ ببيان التعريف اللغوي، ثم يوضح أصل المسألة، ويثلث بذكر أركان المسألة وتوضيحها، مع الرد على الاعتراضات الواردة على بعض أجزائها إن كان ثَمَّة ذلك، ثم يتجه إلى بيان فصول الباب فصلًا

فصلًا مع الاعتناء والحرص على انفراد كل فصل بمسألة مستقلة، وعدم التداخل في المسائل، وهذه ميزة تميز بها هذا الكتاب عن سائر المطولات، ومقارَنةً ما يراه من الخلاف في المسألة بين أئمة المذهب، ثم بين أقوال أئمة المذاهب المعتبرة الأخرى، وبخاصة الشافعية، ثم المالكية، وأحيانًا يذكر مذهب الإمام أحمد بقوله: ذكر أهل الحديث، وهو في كل ذلك يبين أدلة المخالفين ويناقشهم فيها، ولا ينسى المؤلف التفريع على بعض المسائل، كما لا يفوته الاستدراك على صاحب المختصر في بعض المسائل، وغير ذلك من أساليب وطرق متنوعة شيّقة مبدعة، سلكها المؤلف في شرح الكتاب المبارك.

وهو في كل ما يذكر في الكتاب يعزو الأقوال لأصحابها بأمانة وصدق: بذكر أسماء قائليها ومصادر منقولاته من الكتب والمراجع في بيان ذلك.

وفي الحقيقة فإن هذا الشرح كتاب مستقل بكيانه وشموله وجمعه لجميع فروع المسألة وملاحقها، ثم استيعابه لجُلّ ما ذكر في المسألة من أقوال أئمة الفقهاء الحنفية بخاصة، وتوجيه أقوالهم فيما لو اختلفوا.

وكذا المذاهب الأخرى المعروفة – كما ذكرت – وغيرها من مذاهب أئمة الفقه المجتهدين الذين لم تُدَوّن أقوالهم واجتهاداتهم الفقهية، ولم تدون مذاهبهم مستقلةً مرتبةً في المصنفات. كأمثال الإمام: الحسن بن حي، والشعبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم.

وإذا أردنا معرفة مكانة هذا الكتاب وقدره بين الكتب الفقهية، فلا بد من النظر في الكتب المؤلفة في الفن نفسه في عصر المؤلف أو قبل عصره، ثم

المقارنة بين هذه المؤلفات، فبالتتبع والتقصي لا نجد كتابًا يشابه هذا المؤلَّف في حجمه الكبير، واحتوائه واشتماله لهذه المسائل الكثيرة، إضافة إلى سهولة أسلوبه في عرضه للمسائل، وتسهيله وتيسيره للقضايا الفقهية لكتاب (مختصر الكرخي).

فهو فريد في بابه (ولذلك كانت قلوب العلماء والفقهاء وبخاصة الحنفية منهم تهفو لظهور هذا الشرح مطبوعًا).

وباجتماع كل ما ذكرته آنفًا من مميزات هذا الكتاب وتقدمه على سائر كتب المذهب، ومما لم أذكرها، يمكنني تسمية هذا المصنف بـ: (الموسوعة الفقهية المقارنة)، ويمكن للباحثين في الدراسات الفقهية أن يجعلوا الكتاب إمامًا لاستخراج علوم وفنون فقهية متنوعة، بإذن الله عز وجل.

ومن قبل ذلك فهو كتاب معتمد مقدم على سائر الكتب الفقهية في المذهب الحنفي. ولا غرو بأن يكون هذا الشرح أساس وعمدة المتأخرين الذين أتوا بعده؛ لما للمؤلِّفَين الجليلين لهذا السفر المبارك من المكانة الرفيعة؛ حيث بلغ المصنِّفان الرئاسة في مذهب الحنفية في عصرهما بالعراق كما يأتي في ترجمتهما مفصلًا، هذا إذا كان كل منهما منفردًا، فكيف إذا اجتمع هذان الإمامان الجليلان في تصنيف كتاب واحد.

فجزاهما الله تعالى خير الجزاء على ما قَدَّما وَبَذَلا من جهود مشكورة، يستمر لهما ذكرهما والدعاء لهما من أهل العلم والفضل إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، فرحمهما الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنهما فسيح جنانه.

وقد اعتمدت في تحقيق وإخراج الكتاب على نسخٍ خطيةٍ للكتاب؛ أهمها:

* النسخة الأولى:

نسخة (داماد إبراهيم (٥٦٣) تركيا، إستانبول)، وهي النسخة الكاملة من النسخ المعتمدة في التحقيق ما عدا بعض السقطات القليلة، وعدد أوراقها (٥٦٣) ورقة، ورمزت لها بـ: (أ).

* النسخة الثانية:

نسخة (مراد ملا (٨٨١) تركيا إستانبول)، وعدد أوراقها: (٨٩٥ ورقة)، ورمزت لها بـ: (ب).

وتتميز هذه النسخة بوضع العناوين لفصول أكثر الكتاب، وكُتِبت بالمداد الأحمر تمييزًا عن بقية المسائل، وفيها سقطات لبعض الأبواب.

* النسخة الثالثة:

نسخة لالي (١٠٠٠) والنسخة هذه مبتورة، فبدايتُها من (كتاب البيوع) وتنتهى (بكتاب الرهن) وعدد أوراقها (٤١١)، وقد أفدت كثيرًا من هذه النسخة، وبخاصة في تكملة السقطات في نسخة أ، ب، كما أن خط النسخة واضح.

* النسخة الرابعة:

نسخة (مراد ملا) (٨٨٢٠) وعدد أوراقها (٣٦١) وهي تحتوي على جزء من الجزء الثالث فقط من الكتاب (ابتداء من كتاب العتاق، وانتهاء بالأضاحي)

وكانت الاستفادة منها قليلة إلا في بعض المواضع؛ لانتشار السواد والرطوبة على أكثر صفحاتها.

* النسخة الخامسة:

نسخة (مكتبة رضا برامفور – الهند) وعدد أوراقها (٤٠٨) مصورة بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتبدأ من الجزء الثالث إلى نهاية الكتاب، وقد أفدت منها كثيرًا؛ حيث وجدت السقطات في سائر النسخ، ولم أجد ذلك موجودًا إلا في هذه النسخة، وأتممت منها. فلله تعالى الحمد.

هذا، وكان أكثر اعتمادي على نسختين غالبًا، أو ثلاث في بعض الأحيان؛ لكون نسخة (لالي ومراد، ورامفور) مبتورة، أو بعضها غير مقروءة في بعض اللوحات؛ بسبب تأثير الرطوبة والسواد، وإنما استفيد منها في موقعها بحسب المستطاع.

* منهجي في تحقيق الكتاب:

مهمة المحقق في مثل كتاب (شرح القدوري على مختصر الكرخي): تقويم النص، وتحريره، وتصفيته من شوائب التصحيف، ورجعه إلى الأصل الذي حرَّره المصنف، أو قريب منه بما في الوسع، وتيسير فهمه على القارئين، غير مثقل بالشروح والآراء الخاصة.

وقد اقتصر عملي في الكتاب على ما يأتي، بإيجاز:

* تصحيح الكتاب ونسخه على قواعد الإملاء المعروفة حديثًا.

* مقابلة سائر النسخ على الأصل المعتمد منها، إذ اعتمدت في المقابلة غالبًا على نسختين وأحيانًا على ثلاث نسخ، مع ذكر ما يوجد من الفروق المهمة في الهامش، (وكان العمل على طريقة اعتماد النسخة الأم ثم المقابلة على بقية النسخ وذكر الصحيح في أصل المتن بين [] معقوفتين، والإشارة في الهامش لذلك)، وهذه الطريقة تعرف في اصطلاح المحققين (بالنص المختار).

وحاولت أن لا أذكر الفروق الكثيرة بين النسختين أو النسخ إلا ما دعت الضرورة لذكرها، حتى لا يكبر حجم الكتاب الكبير بذكر ما لا طائل تحته، ولا فائدة زائدة لأكثر القراء، ومن ثم لم أشر إلى السقطات في النسخة، فإن وجد سقط في نسخة الأصل، أتممته من نسخة أخرى وجعلته بين معقوفتين من غير إشارة إلى النسخة الساقط منها، أو المثبت منها؛ لمعرفة ذلك بوضوح؛ ولئلا تكثر الهوامش التي لا تفيد القارئ، وتزيد في صفحات الكتاب.

* تفقير الكتاب، واستعمال العلامات الإملائية في ذلك، وهذا أهم عمل أرى وجوب التزامه في إخراج الكتب التراثية، ولا يدرك ذلك إلا المتخصصون.

* وضع العناوين الناقصة لسائر مسائل الكتاب تيسيرًا وتسهيلًا على القارئ، علمًا بأن المؤلف عَنْوَنَ لبعض الموضوعات بـ (فصل) هكذا، وهي مسائل قليلة جدًا، ولم يعنون للبعض الآخر وترك فراغًا، وبخاصة في نسخة (ب)؛ ولذلك وضعت لبقية هذه المسائل عناوين وجعلتها بين معقوفتين []، وهي كثيرة جدًا.

* التأكد من صحة الأقوال الواردة في الكتاب بالرجوع إلى الكتب

المعتمدة في المذهب الحنفي، من المؤلفات السابقة عن عصر المؤلف، أو من المؤلفين المعاصرين له غالبًا، وكذا المذاهب الأخرى – بقدر المستطاع – من الكتب المؤلفة من أئمة مذاهبهم، أو اقترانها مع بعض مؤلفات المتأخرين غالبًا، وأحيانًا أذكر أحد الطرفين.

* قمت بشرح المصطلحات العلمية، والتعاريف الفقهية، وبعض الكلمات الغريبة التي قد يصعب فهمها على بعض القراء، وهي كثيرة، وتركت البعض الآخر لوضوحها.

* ولم أعلق على المسائل الخلافية بين فقهاء المذهب الحنفي، إلا وقد بيَّنَه المؤلف بإسهاب؛ إذ الكتاب في الفقه المذهبي فيذكر فيه أقوال أئمة المذهب، فلا أرى الحاجة تقتضي وتستدعي ذكر أقوال الآخرين، كما أنه في شرحه هذا لا يترك شاردة ولا واردة في المسألة إلا ويذكرها من خلال مذهبه وأقوال أئمته غالبًا، ومن ثَمَّ لا حاجة لإضافة شرح آخر على شرحه. وقد يجد بعض القراء شيئًا من الغموض والاشتباه في بعض المواقع، إلا أنه قليل؛ لكون القارئ لهذا الكتاب ممن يظن به الإلمام والإدراك بتلك الجوانب العلمية، وإلا فمظان الشرح والتوضيح معلومة لمن ابتغى الزيادة في التوثق والتأكد.

* كما أنني لم أذكر القول الراجح في المذهب؛ لأن هذا الكتاب أُلِّف لذكر الأقوال المختلفة في المسائل الفقهية في المذهب، وليس كتاب فتوى، إذ كل صنف في التصنيف له طريقته وخصائصه، والتآليف الفقهية وتنوعها وأسلوب كل نوع في التأليف بالمنهجية والمرجعية مشهور ومعروف، ثم إن قواعد الترجيح، وطبقات فقهاء المذهب في الاجتهاد والترجيح والاختيار في المسائل

أيضًا واضح بينة ومسطورة في مظانها، ومن ثَمَّ لا داعي لذكر أمور مَظِنَّة الخطأ فيها أكثر من الصواب، كما أن القراء لا يهتمون كثيرًا بذلك – وبخاصة الحنفية منهم – علمًا بأني ذكرت جزءًا قليلًا من ذلك في ترجمة المؤلف.

* وضعت فهرسة مفصلة لجميع عناوين مسائل الكتاب.

* أضفت أمورًا مهمة متممة لما ذكر في الكتب التراثية مثل المقاييس والموازين والمكاييل المعروفة قديمًا، وما يقابل كل هذه الأشياء في زماننا حديثًا؛ إذ يحتاجها المسلم، وتنبني عليها أموره في حياته اليومية.

* وقمت بتخريج الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب، وهي كثيرة جدًا.

ومسلكي في تخريج الأحاديث: أن أبحث عن الحديث في مظانه من كتب السنن والمسانيد والمعاجم والمصنفات، فإن وجدت الحديث في الصحيحين أو في أحدهما اكتفيت، وإلا بحثت عنه في كتب السنن الأربعة المعتمدة (١)، وأذكر في ذلك رقم الحديث فقط.

فإن لم أجده في الكتب الستة بحثت عنه في تتمة الكتب التسعة المعتمدة أيضًا: في موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، وسنن الدارمي، فإن لم أجده، بحثت عنه في الصحاح الثلاثة: صحيح ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان في صحيحه، وتلميذ ابن حبان الحاكم في مستدركه، فإن لم أجده عندهم بحثت عنه في بقية كتب الحديث ومدوناتها من السنن والمسانيد والمعاجم وكتب

(١) إذا المعروف لدى أهل العلم قبول روايات الكتب الستة، كما يقول الزين العراقي: (وإن لم يكن في واحد من الصحيحين عزوته إلى من خرَّجه من أصحاب السنن الأربعة وغيرهم ممن التزم الصحة، كابن حبان والحاكم) طرح التثريب ١/ ١٨.

الرجال ونحوها، وأذكر ما قِيْلَ ونُقِلَ عن المحدثين في سند الحديث والحكم عليه باختصار إن كان ثمة ذلك، وإلا أكتفي بذكر المرجع أو المراجع التي ذَكَرَتْ ذلك، مثل: نصب الراية للزيلعي، والتلخيص الحبير، والدراية كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، ونحوها من المراجع التي عنيت بالحديث ودراسته: رواية ودراية، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن روايات الإمام الكرخي للحديث تختلف عن سائر مؤلفي الكتب الفقهية، إذ الإمام يُعَدُّ من الفقهاء المحدثين، فقد روي جل أحاديثه بالسند المتصل بسنده إلى النبي ﷺ، قال ابن قطلوبغا في ترجمته: «صنف المختصر، والجامع الكبير، والجامع الصغير، وأودعهم الفقه والحديث والآثار المخرجة بأسانيده» (١).

وأنقل هنا سندين فقط من روايات الكرخي – على سبيل المثال – كما أوردها ابن قطلوبغا في (التعريف والإخبار):

قال في لوحة: (أخرج الكرخي في «المختصر»: حدثنا الحضرمي، حدثنا الفضل بن الحسين أبو كامل، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا فرقد السَّبْخي، عن جابر بن زيد، عن مسروق، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ: «ألا وإني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم آخرتكم، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي».

حدثنا الحضرمي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا معروف ابن واصل، حدثنا محارب بن دثار، عن أبي بردة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: “نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن

(١) تاج التراجم، لابن قطلوبغا ص ٢٠١.

تشربوا إلا في ظرف الأديم، فاشربوا في كل وعاء غير ألا تسكروا».

وقال في موضع آخر لوحة: وأخرج الكرخي في «المختصر»: حدثنا ابن راهويه، حدثنا علي بن شعيب، قال: قرئ على أبي سمرة وأنا أسمع: أن أسامة حدثه عن مكحول الباهلي قال: أسهم رسول الله ﷺ للفارس سهمين، وللراجل سهمًا.

حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن يعقوب بن شيبة، حدثنا علي بن حرب، عن القاسم الجري، حدثنا سليمان بن معاذ، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله قالوا: كان رسول الله ﷺ يُسهم للفرس سهمين، وللراجل سهمًا.

ويتضح من هاتين الروايتين جليًّا مكانة رواياته، وهو بذلك لا يقل شأنًا ومكانة وقدرًا في الرواية عن سائر المحدثين المعاصرين له في القرن الرابع الهجري (القرن الذهبي لتدوين الحديث).

ومن ثَمّ: تأتي رواياته في مصاف روايات المحدثين الأجلاء الكبار، كأصحاب السنن الأربعة ونحوهم؛ وبالتالي لا داعي لتخريجها من كتب معاصريه، إلا لزيادة التوثق والتأكد، وقد لا نجدها في كتب السنن الأخرى؛ وذلك لاحتمال أن تكون روايته متميزة ومنفردة عن سائر المحدثين، وبعد ذلك لا تستغرب إذا لم تجد بعض الأحاديث إلا في كتب الفقه؛ لأنهم نقلوه عن الكرخي فقط، وكفى به محدثًا وفقيهًا.

* وترجمت لجُلّ العلماء الوارد ذكرهم في الكتاب.

* كما وضعت فهرسة لكتب وأبواب المؤلف بترتيب المؤلِّف أولًا، وثانيًا فهرسة الكتب والأبواب مرتبة على الحروف الهجائية؛ لما في ترتيب المؤلِّف من تشويش على المطلع؛ لعدم اتباعه وسيره على الترتيب المألوف التي يخالف ترتيب كتب اللاحقين بعده في المذهب.

* ووضعت فهرسة مفصَّلة لجميع عناوين الكتاب.

* كما وضعت الفهارس الفنية المتنوعة المعروفة عن الكتاب؛ للتسهيل على القارئ.

وهناك أمور يقتضيها إخراج الكتب التراثية للقراء لا يعرفها إلا المحققون.

هذا وصَدّرت الكتاب بذكر ترجمة موجزة للمؤلِّفَين الجليلين الفاضلين رحمهما الله تعالى.

وأخيرًا: فإني حاولت بقدر مكنتي إخراج الكتاب قريبًا مما أراده المؤلف، وبذلت فيه جهدًا مضنيًا متواصلًا لسنوات من عمري لإخراجه بصورة علمية تتناسب ومكانته، وباعتبار كون الكتاب مؤَلَّفًا موسوعيًا في سعته وحجمه ومعلوماته الغزيرة؛ إذ لم يُؤلِّف أحد مثل هذا الكتاب في حجمه وسعته قبل عصره وفي عصره في المذهب، اللهم إلا كتاب «الأصل» للإمام محمد بن الحسن الشيباني، وله وجه آخر من وجوه التأليف، ولأجل ذلك أبقيته خاليًا من التعليقات والزيادة والترجمة للأعلام الواردة في الكتاب، وسوف أترجم لأغلبهم في آخر الكتاب، وأرتبها ترتيبًا ألفبائيًا: ليجد الباحث بغيته إذا احتاج إليها، وحتى لا يُزاد في حجم الكتاب من غير طائل.

هذا وقد بذلت جهدي بما في الوسع في إخراج النص صحيحًا، ومع ذلك فالمرء في المخطوطات القديمة، لا يستطيع – مهما أوتي من علم وإحاطة وتبصر – أن يجزم بكمال النص الذي حققه.

فليتكرم من يجد فيه خطأ أو خللًا بتصحيحه، فإن هذا الكتاب لم يكن من مفاخر القرن الرابع الهجري وحده، بل هو من مفاخر الفكر الإسلامي في كل الأعصار، هذا الفكر الذي وضع جميع الأحكام المتعلقة بالإنسان، من جميع الجوانب، ليسعد المسلم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة.

ولا يفوتني في هذه العجالة أن أنوه بأهل الفضل والإحسان بفضلهم وإحسانهم، وأشكرهم على ما قدموه لي من مدّ يد العون، بالتشجيع، والتحفيز، والدعاء، ثم المساعدة على طبع الكتاب وإخراجه وتوزيعه لطلبة العلم، وبصورة خاصة (دار أسفار)، التي قامت مشكورة بطبع الكتاب ونشره، وهناك من الإخوة الأفاضل كثيرون، الذين تعاونوا على إخراج هذا الكتاب، ولا يضيرهم أن لا أسميهم بأسمائهم، ويكفيهم أن المولى الكريم يعلمهم ويثيبهم، فهو القادر سبحانه على جزائهم وإكرامهم والإنعام عليهم ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولهم مني كل تقدير وشكر وامتنان «من لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى».

فلله عز وجل وحده الحمد والمنة أولًا وآخرًا، وله سبحانه وتعالى وحده الفضل والكرم في إخراج هذا الكتاب، فإن أصبت فمن الله عز وجل