الحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإن فرحتنا كبيرةٌ بهذه الثَّلة المباركة من إخواننا الكويتيين: السيد أحمد راشد المحيلبي، والسيد محمد عمر العتيبي، والسيد سعد مجبل الطويل، الطلبة النبجاء، الذين اكتحلت أعيننا برؤيتهم في وطنهم الثاني الأردن والتعريف عليهم، حيث نالوا من عبق علمها ونسيم فيوضها، وضبطوا أصول التحقيق وكيفية التعامل مع المخطوطات، فأثمر جهودكم المباركة في خروج هذه السفر العظيم إلى الوجود بعد أن كان نسيًا منسيًا.
وإننا نفتخر بهم على هذه الهمة العالية والنفوس الطيبة، ونتمنى عليهم إكمال طريق العلم في الاجتهاد في خدمة هذه الدين العظيم، بتحقيق كتب تراثه الرائقة.
ومعلوم أن القُدُوري من أعظم كتب الفقه التي عرفتها أمة الإسلام، ولا نبالغ إن قلنا: لم يرزق كتابًا فقهيًا قبولًا كما رزق هذا الكتاب، فعليه مئات الشروح، وقد ذكرت في مقدمة «خلاصة الدلائل شرح القدوري» ما يزيد عن مئة شرح عليه، وتُرجم إلى لغات عديدة، ونُظم من قبل الأكابر،
وكتاب بهذه الشهرة والفضل نحتاج أن يُطبع عليها الشروح العديدة لإفادة الطلبة من علمه الدقيق، وإن هذا الشرح من الإمام الفقيه الكردري، المشهور بخواهر زاده عليه، هو أحد الشروح العظيمة له.
ومعنى العنوان «شرح مشكلات القدوري» أي تفسير وشرح المعاني المشكلة من القُدُوريّ، التي فيها خفاء وتحتاج إلى توضيح وبيان؛ لذلك لم يكن شرحًا لجميع عبارات المتن المبارك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتبه: الأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
الموافق ٩ – ٢ – ٢٠١٧ م
المُقَدِّمَة
الحمد لله الكريم التَّواب، المنزِّل على عبده الكتاب (١)، ذا الفيض النُّوري (٢)، الشَّامل (٣) للمهمِّ الضَّروري (٤)، لصلاح العباد، وتنوير القلوب (٥) لدى أهل الشَّكِّ والإلحاد، فهو الحلُّ الضَّروري (٦) لكلِّ ذي عنادٍ مغرور.
(٢) إشارة لكتاب الفيض النُّوري شرح مختصر القدوري، لقيِّم زادة مصطفى بن محمود، (ت ١٢١١ هـ)، ينظر: بكداش، سائد، دراسة عن اللُّباب ومختصر القدوري، ط: دار البشائر الإسلاميَّة، (٤٧٩).
(٣) إشارة لكتاب الشَّامل شرح مختصر القدوري، لأبي اللُّطف، شمس الدِّين، محمد بن محمد بن أحمد الخطيب المصري، الشَّهير بابن شبانة، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (٤٥٧).
(٤) إشارة لكتاب الملهم الضَّروري، لعبد الرَّحيم بن علي الآمدي، توفي في القرن العاشر للهجرة، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (٤٦٩).
(٥) إشارة لكتاب تنوير القلوب على مختصر القدوري، وهو أحد شروح المختصر ومجهول الممؤلِّف، ويوجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة لاله في اسطنبول، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (٤٨٩).
(٦) إشارة لكتاب الحل الضَّروري لمختصر القدوري، لعبد الحميد بن عبد الحكيم بن عبد الرَّب اللَّكنوي، (ت: ١٣٥٣ هـ)، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (٤٨٦).
فإن العلم الشَّرعي هو زاد الفقهاء (٦)، وخير ما اعتني به وقصد، فهو سبيل الرِّفعة في الدِّنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (٨).
(٢) إشارة لكتاب البيان شرح مختصر القدوري، لمحمد بن رسول يونس الموقاني، (ت ٦٦٤ هـ)، ينظر: بكداش، دراسة عن اللُّباب، (مرجع سابق)، (٤١٨).
(٣) إشارة لكتاب اللُّباب في شرح الكتاب، لعبد الغني بن طالب بن حمادة الغنيمي الدمشقي الميداني الحنفي (ت: ١٢٩٨ هـ). ينظر الزِّركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الأعلام، ١٣٩٦ هـ، ط: دار العلم للملايين، (٤/ ٣٣).
(٤) إشارة للمذهب الحنفي المنسوب للإمام أبي حنيفة.
(٥) إشارة إلى كتاب الجوهرة النَّيرة شرح مختصر القدوري، أبو بكر بن علي بن محمد الحدادي العبادي الزَّبِيدِيّ اليمني الحنفي (ت: ٨٠٠ هـ)، ينظر الزِّركلي، الأعلام، (مرجع سابق)، (٢/ ٦٧).
(٦) إشارة لكتاب زاد الفقهاء شرح مختصر القدوري، لأبي المعالي، محمد بن أحمد بن يوسف، بهاء الدين، الإسبيجابي. ينظر: ابن قُطلُوبغا، زين الدين قاسم بن قُطلُوبغا السودوني، أبو الفدا (٨٧٩ هـ)، تاج التراجم، تح: محمد خير رمضان يوسف، ط: دار القلم، (١/ ٢٥٧).
(٧) سورة الزُّمر، من الآية: ٩.
(٨) سورة المجادلة، من الآية: ١١.
وبعد فضل الفقه في العلوم … كفضل بدر التَّم في النُّجوم
فإنه قطب مدار الكلِّ … عليه في عقدِ لهم والحلِ
والشَّرع قد دعا إليه وندب … وأعظم الأجر لمن له انتسب
وأحد مدارس هذا العلم المدرسة الحنفية التي تعد اليوم أوسع المذاهب الفقهيَّة انتشارًا في العالم الإسلامي ويرجع هذا الانتشار والقبول لدى الكثير من المسلمين لأسباب منها اعتناء علماء المذهب في تدوين المذهب تأليفًا وشرحًا وتحقيقًا، كما يعود السبب إلى السمات التي اتسم بها المذهب من احترام الملكية، والحريَّة الشَّخصيَّة، والمرونة مع البعد عن الحرام.
وكتاب مختصر القدوري الذي يعد من أهم المختصرات في المذهب، هو المتن الذي تسابق عليه علماء المذهب في شرحه، منها ما هو مطبوع ومنها ما يزال أسيرًا في المخطوطات، وكان للإمام خواهر زاده نصيبٌ في شرح هذا المتن المبارك، وقد أطلق على كتابه اسم «شرح مشكلات القدوري».
مشكلة الدراسة:
لقد بحثت فوجدت أنَّ كتاب «شرح مشكلات القدوري» شرح «مختصر القُدُوري» للعلَّامة بدر الدّين محمد بن محمود الكردري، المعروف
أهميَّة الدراسة ومبرراتها:
١ – إخراج كتاب من التُّراث الإسلامي المليء بالكنوز والنَّوادر والنَّفائس بأحسن صورةٍ وأيسرها للمسلمين عامَّة ولطلَّاب العلم خاصَّة.
٢ – إظهار بعض القواعد والفروع الفقهية بصورةٍ أكثر وضوحًا وبيانًا للأجيال المعاصرة واللاحقة، لارتباطها بحياة الناس من خلال ما بُني عليها من أحكام فقهية.
٣ – بيان فضل علماء الأمة المتقدمين الذين وضعوا بصمة علميَّة لهم وقد كلَّفهم ذلك الكثير فالتَّأليف في السابق أصعب بكثير من التَّأليف اليوم ويرجع ذلك لعدة أسباب منها صعوبة الكتابة لقلَّة الصحف وقلة الأمداد وقلة النساخ وصعوبة العيش؛ إذ يصعب التفرغ للعلم.
أهداف الدراسة:
١ – تحقيق المخطوط «شرح مشكلات القدوري».
٢ – خدمة نصّ الكتاب بشرح غوامضه، وعزو مسائله ونقولاته، وتخريج أحاديثه، وبيان مبهمه، وتعريف بعض مصطلحاته، وتصحيح تصحيفه، وإخراج الكتاب بشكلٍ لائق ومناسب.
لم يسبق لهذا الكتاب – في حدود علمي – أن تناوله الباحثون بالتحقيق أو الدراسة، وذلك بعد التَّحري قدر الجهد والطاقة، فظهرت الحاجة جليةً لتحقيق هذا الكتاب، وقد قُسِّمت المخطوطة على ثلاثةٍ من طُلّاب جامعتنا الموقّرة، فوقع الاختيار عليّ أنا الطالب أحمد راشد المحيلبي تحقيق كتاب «الطَّهارة» وما بعده إلى آخر كتاب «الحج» من هذا المخطوط.
والطالب محمد عمر العتيبي من كتاب «البيوع» وما بعده إلى نهاية كتاب «الظهار».
والطالب سعد مجبل العازمي من كتاب «اللِّعان» وما بعده إلى نهاية الكتاب.
خطّة الرسالة:
قسّمت الرسالة إلى قسمين: قسم الدِّراسة، وقسم التَّحقيق.
• القسم الأول: التَّعريف بالشَّارح، ويشتمل على أربعة مباحث: هي:
المبحث الأول: الدّراسة عن الماتن، والمتن: كتاب «مختصر القُدوري».
المبحث الثاني: دراسة منهجيَّة الإمام خواهر زاده في كُتب «العبادات» وهو ما خُصِّص لي من كتاب «شرح مشكلات القدوري شرح مختصر القُدُري».
المبحث الثَّالث: ذكرت فيه منهجيَّة الكاتب في تحقيق هذا الكتاب،
المبحث الرَّابع: دراسة سيرة المؤلِّف.
• القسم الثَّاني: التَّحقيق.
* * *
التَّعريف بصاحب المتن
هو: أبو الحسين، أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان بن أبي بكر القُدُوري (١) البغدادي (٢).
• شيوخه:
تفَّقه على أبي عبد الله، محمد بن يحيى الجرجاني، (ت: ٣٩٨ هـ) (٣).
قال الخطيب البغدادي: كان صدوقًا، وكَانَ ممن أنجب في الفقه لذكائه، وانتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أَبِي حنيفة، وعظم عندهم قدره، وارتفع جاهه، وكَانَ حَسَنُ الِعبارة في النظر، جريءُ اللِّسان، مديمًا لتلاوة القرآن (٤).
(٢) ينظر: الزركلي، الأعلام، (مرجع سابق)، (١/ ٢١٢).
(٣) ينظر: ابن قُطلُوبغا، تاج التراجم، (مرجع سابق)، (٩٨).
(٤) ينظر: الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت: ٧٤٨ هـ)، سير أعلام النبلاء، تح: شعيب الارنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، (١٧/ ٥٧٥).
١ – كتاب «المختصر» وهو المتن المسمَّى (بالكتاب) فإذا أطلق اسم الكتاب في المذهب فإنه علمٌ على هذا الكتاب لشهرته وقوَّته في المذهب.
٢ – «شرح مختصر الكرخي» في عدة مجلدات، لا يزال مخطوطًا.
٣ – التَّقريب الأول في الفقه في خلاف أبي حنيفة وأصحابه في مجلَّد.
٤ – التَّقريب الثَّاني في عدَّة مجلداتٍ.
٥ – وأملى التَّجريد في فقه الخلاف (الفقه المقارن) وهو كتابٌ كبير (١).
• وفاته:
توفي القُدُوري – رحمه الله – ببغداد في يوم الأحد منتصف رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة (٢).
* * *
(٢) ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام (مرجع سابق)، (١/ ٢١٢).
منهج الشارح صاحب «شرح مشكلات القُدُوري» في الكتاب حسب ما ظهر في الجُزء المحقق:
١ – قسَّم الكتاب إلى كتبٍ، وأبوابٍ.
٢ – يذكر المناسبة بين الأبواب حتى ولو كانت المناسبة بعيدةً كما في المناسبة بين باب الصَّلاة في الكعبة وبين باب الشَّهيد ذكر مناسبةً بعيدةً.
٣ – يشرح مسائل من المتن ويترك مسائل دون شرح فهو لا يعتبر شرح حرفي لكل مسائل المتن لذلك عنون كتابه بشرح مشكلات القدوري فشرح المشكل أو الموهم وترك الواضح.
٤ – يتسلسل في شرحه بالنِّسبة للكتب والأبواب مثل تسلسل الماتن وفي شرح المسائل داخل الكتاب لا يلتزم تسلسل الماتن في ذكر المسائل فقد يقدم ويؤخر وهذه إحدى الصُّعوبات في أثناء التَّحقيق.
٥ – يذكر عبارتين أو ثلاث عبارات من المسألة ثم يشرع بشرحها ولا يذكر المسألة كاملة.
٦ – يذكر ألفاظًا فارسية في ثنايا كلامه دون الإشارة إلى كونها ألفاظًا فارسيَّةً وفي ذلك واجهت صعوبةً لفحص الكلمة هل هي عربية أصابها تصحيف، أم فارسيَّة، وفي ترجمتها للعربيَّة تكمن الصعوبة في ثلاثة أسباب:
– كتابة الألفاظ الفارسية بأحرف عربية وفي المعاجم تكون الألفاظ مكتوبة بالأحرف الفارسيَّة.
– بعض الكلمات تكون مرسومة متَّصلة وهي في الحقيقة عبارة عن مضاف ومضاف إليه.
٧ – في بعض الأحيان يقول وبالفارسيَّة ويكون ذلك في شرحه لبعض المفردات العربية مثل الخف، والإبل وغيرها.
٨ – يذكر الخلاف داخل المذهب الحنفي، والأئمَّة الذين يذكر قولهم غالبًا هم الإمام أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمَّد بن الحسن، ويذكر غيرهم من الأئمَّة أحيانًا كزفر، والحسن بن زياد، ولا يرجِّح.
٩ – أكثر من ذكر الخلاف مع الشَّافعي رحمه الله، ويرجع ذلك إلى روح التَّنافس بين المدرستين الحنفية والشَّافعيَّة وكثرة أتباعهما وعلمائهما فزادت المناقشات والردود بينها.
١٠ – كما أنَّه يذكر الخلاف مع الإمام مالك أحيانًا، ولعلَّه لم يكبر من ذكر رأي الإمام مالك لأن المذهب المالكي لم ينتشر في فارس وخوارزم وبخارى حيث عاش المؤلف، فقلة مصادر المذهب عنده وأتباع المذهب خلافًا للشَّافعيَّة.
١١ – دقيقٌ في النقل عن الحنفية، وكذا الشأن في النقل عن الشافعي إلَّا في مواضع قليلةٍ.
١٣ – ذكر الاستحسان في العديد من المواضع وهو مما أجاد فيه السادة الأحناف وامتازوا به.
١٤ – ذكر المؤلِّف قولًا واحدًا «للحنابلة» إذ أطلق عليهم لقب «أصحاب الحديث» وهي في قتل الصَّيد في الحج.
١٥ – ذكر المؤلِّف قولًا واحدًا عن «داوود الأصفهاني» إمام الظَّاهريَّة وهي في قتل الصيد في الحج.
١٦ – يعرض بعض المسائل بطريقة المحاورة النافعة والممتعة وهي على طريقة فإن قال قائل ويذكر الإشكال أو الشبه ثم يقول قلنا ويرد عليها.
المطلب الأول وصف النُّسخ
وهي خمس نسخٍ:
• النُّسخة الأولى: نسخة (يني جامع). وهي المعتمد والتي تمَّ إدخالها بدايةً، وقد رمزت لها بالنُّسخة (أ)، وعدد ألواحها (٢٢٥).
يوجد على صفحة العنوان عدَّة تملكاتٍ، ويوجد خاتم سلطاني ما نصُّه: (وقف سلطان أحمد بن غازي سلطان محمد خان)، وقد تكرَّر الخاتم في ثنايا المخطوط.
يوجد فهرسة للمخطوط مبيَّن فيها في الخانة الأولى: اسم النُّسخة (يني جامع)، وفي الخانة الثَّانية رقم حفظها في المكتبة وهو (٤٠٤)، وفي الخانة الثَّالثة حفظ برقم (٢٩٧٠٤).
وقد ابتدأ في أعلى الصَّفحة الأولى (هذا كتاب خواهر زاده على شرح القدوري).
وقد كتبت بخط نسخ واضح جدًّا ما جعلني أعتمدها في الإدخال الأوَّلي.
عدد الأسطر في كلِّ لوحٍ (٢١) سطرًا.
وعدد الكلمات في كلِّ سطرٍ بين (١٣ – ١٥) كلمةً.
يترضَّى على الصَّحابة، ويترحم على الأئمة والأعلام بقوله رحمه الله.
• النُّسخة الثَّانية: نسخة (المركز الحكومي) المسمى بنسخة (با يزيد):
وقد رمزت لها بالرَّمز (ب)، وعدد ألواحها (١٦٩).
وهي من خزانة المركز الحكومي إستانبول، وكتبت هذه النُّسخة سنة (٧٣٧ هـ – ١٣٣٧ م).
عنوان الكتاب: (كتاب مشكلات القدوري بخواهر زادة – رضي الله عنه -).
النُّسخة بها عدَّة أختام غير واضحةٍ بأوَّل النُّسخة وفي ثناياها وآخرها.
حفظت برقم حفظ (٢٥٧).
وقد كتبت بخط نسخٍ واضحٍ وقد عقد بعض رؤوس المسائل والعناوين والكتب باللَّون الأحمر، وقد ضبط أكثر الكلمات والأبواب بالشَّكل.
بها أثار رطوبةٍ وأكل الأرضة واضحةٌ في جوانب المخطوط ووسطه.
وقد تميَّزت هذه النُّسخة بأنَّها مقابلة على نسخة الأصل، وعدة نسخٍ أخرى، وتوجد بها تعليقات وتصحيحات على الهوامش كثيرة.
بها سقطٌ كثيرٌ مقارنةً بالنُّسخة (أ).
عدد الأسطر في كلِّ لوحةٍ (٢٣) سطرًا.
وعدد الكلمات في كل سطر بين (١٣ – ١٦) كلمةً.
• النُّسخة الثَّالثة: نسخة (خسرو باشا).
رمزت لها بالرمز (خ)، وعدد أوراقها (١٨٥)، وهي من خزانة خسرو باشا إستانبول.
يوجد في مقدِّمة المخطوط فهرس عالم لمحتويات الكتاب، وقد تميَّزت عن سابقتها بذكر ترقيمٍ فوق كلِّ كتاب الفهرس، وعدد الكتب (١٧٨) كتابًا بدايةً من كتاب الطَّهارة، ونهايةً بكتاب الفرائض.
ورقم حفظه في المكتبة التي حفظ بها وذلك باللُّغة الانجليزية ما نصه: خسرو باشا / ٩٢.
وقد كتبت بخط نسخٍ واضحٍ، وقد عقد بعض رؤوس المسائل والعناوين باللَّون الأحمر مضيفًا خطًا فوق كلِّ كلمةٍ تأتي بعد قوله: ….. .
كما أضاف كتاب كذا عند أوَّل كلِّ كتابٍ فقهيٍ باللَّون الأحمر.
قد ضبط بعض الكلمات والأبواب بشكل.
بها آثار رطوبةٍ واضحةٍ في أعلى المخطوط وجانبيه.
عدد الأسطر في كل لوح (١٩).
وعدد الكلمات في كلِّ سطرٍ ما بين (١٦ – ١٩) كلمةً.
• النُّسخة الرَّابعة: نسخة (فيض الله):
وقد رمزت لها برمز (ت)، وعدد ألواحها (٢٢٠).
هي نسخه كتبت سنة (٨٧٠ هـ – ١٤٦٥ م) بخزانة مكتبة فيض الله أفندي استانبول برقم (٧٩٦).
يوجد بالمقدمة فهرسٌ عامٌ لمحتويات الكتاب، بدايةً من كتاب الطَّهارة ونهايةً بكتاب الفرائض.
كما يوجد عدَّة تملُّكاتٍ واختامٍ غير التي في أول المخطوط.
كتبة بخطِّ نسخٍ واضحٍ.
عقد بعض رؤوس المسائل والعناوين باللَّون الأحمر.
توجد تعليقات وتصحيحات قليلةٍ على الهوامش.
عدد الأسطر في كلِّ لوحٍ (٢٠) سطرًا.
عدد الكلمات بكل سطرٍ (١٣ – ١٥) كلمةً.
الوصف المادي للمخطوط.
رقم المخطوط (٨٤٧)، عدد الألواح (١٧٢).
عنوان المخطوط شرح مشكلات القدوري لخواهر زاده رحمة الله عليه في مذهب الإمام أبي حنيفة.
يوجد عدة تملكاتٍ بالصَّفحة الأولى.
وفيه ترجمة للشارح وعدة أختام منها ما نصه: مما وقفه الوزير الشهيد علي باشا رحمه الله ألا يخرج من خزانته.
وقد تخلله في ثانية النسخة وأولها وآخرها ووسطها وفي أسفل الصفحة بطاقة تعريف بالمخطوط وحفظه بالإنجليزية ما نصه: شهيد علي باشا رقم حفظ (٨٤٧).
كما يوجد بمقدار نصف الصفحة تتعلق بالكتاب وصاحبه.
يوجد بالنسخة بعض التعليقات الخاصة بالكتاب ومألفه.
يوجد فهرس لمحتوى النسخة من كتب مبتدء بكتاب الطهارة منتهيًا بكتاب الفرائض.
وقد كتبت بخطِ بغير واضحٍ.
تمتاز النسخة كل الأحرف الموهمة وغير الموهمة.
لم يعقد روؤس المسائل باللون الأحمر بل كل النسخة باللون الأسود.
توجد بالنسخة تعليقات وتصحيحات وهوامش كثيره جدًّا.
تعتبر أفضل واضح نسخة بين النسخ بسلامتها اللغوية وصياغتها الفقهية.
عدد الأسطر في كل لوح (١٩)، وعدد الكلمات في كل سطر ما بين (١٣ – ١٦) كلمةً.
* * *
١ – قمت بنسخ الكتاب أوَّلًا من نسخة يني جامع كونها الأقل سقطًا والأوضح خطًا، وضبطت مقابلته على ثلاث نسخٍ مقابلةً تامةً حرفيَّةً مع نسخة (با يزيد)، ونسخة (خسرو باشا)، وأما نسختي (فيض الله)، ونسخة الشَّهيد (علي باشا)، فقد رجعت إليها في كلِّ مسألةٍ مشكلةٍ وعزوت إليهما لفروق، واعتمدت الصَّحيح في الأعلى، وسجّلت غيره من الفروق في الحاشية، وبذلت جَهدي في قصارى جهدي في إخراجه على أكمل وجه.
٢ – تصحيح التَّصحيف والإشارة إلى السَّقط إن وجد.
٣ – وضعت السّقط من بعض النّسخ بين معكوفين []، وأشرت إلى النّسخ التي وقع فيها السَّقط في بالهامش.
٤ – كتبت متن الكتاب بلون غامق بين قوسين ().
٥ – وضعت نصوص الأحاديث بين علامتين تنصيص صغيرين «».
٦ – عادة المؤلف أن يذكر رأس المسألة من متن مختصر القدوري وقد ذكرت المسألة كاملةً في الهامش، حتى يعرف القارئ ما هي صورة المسألة من المتن.
٧ – التزمت في كتابة الكلمات الرّسم الإملائي الحديث، وإنْ خالف رسم المخطوط، دون الإشارة إلى ذلك، وكذا وضع علامات الترقيم المناسبة.
٨ – عزوت ما ورد فيه من الآيات القرآنية إلى مواضعها: بذكر السّورة،
٩ – خرّجت الأحاديث التي استشهد بها الشارح، فإن كانت في أحد الصّحيحين اكتفيتُ بذكره، ولم أذكر حكم المحدِّثين عليه،
١٠ – فإنْ كان في غير الصَّحيحين ذكرت ثلاث مصادر للحديث ونقلت الحكم على الحديث في معظم الأحاديث من متقدِّمي أهل علم الحديث.
١١ – ترجمت لِما ورد في المخطوط من الأعلام بإيجاز، عدا الصَّحابة وأصحاب المذاهب الفقهيَّة، وقد ترجمت لكلِّ علمٍ وعزوت إلى مرجعين على الأقل.
١٢ – بيّنت معاني المفردات الغريبة والأصوليَّة من مصادرها الأصلية كالمعاجم وكتب الأصول وغيرها.
١٣ – علّقت على بعض المسائل التي ذكرها الشارح وبيّنت مُراده منها.
١٤ – خرجت من اختلاف النّسخ في صيغة الصلاة على الرسول – ﷺ -، بإثبات شكل الصلاة هكذا: – ﷺ -، وأمّا التّرضي على الصحابة استخدمت – رضي الله عنه -.
١٥ – لم أثبت اختلاف النُّسخ في صيغ التَّرضي والأخطاء الإملائيَّة.
١٦ – قمتُ بتشكيل ما قد يوهم.
١٧ – عزوت المسائل التي نقلها عن الشَّافعي وعن مالك، في كتب
١٨ – نظرًا لكون المؤلِّف يذكر الحديث بالمعنى فقد اعتمدت ما ذكره فوق وذكرت نصَّ الحديث الحرفي في الهامش مع تخريجه.
١٩ – أبين الضَّمائر على ما تعود إن كانت من ما توهم (١).
٢٠ – بالنِّسبة للفروق بين النُّسخ فقد كنت أضع الفروق بين معكوفتين [] إن كان الفرق في أكثر من كلمة، فإن كان بكلمة واحدة لم أجعلها بين معكوفين حفاظًا لمظهر الكتاب.
• مسامحات الشَّارح:
أبى الله الكمال إلَّا أن يكون لكتابه الكريم وحده، فلا يوجد في الدُّنيا على مرِّ العصور وفي شتَّى العلوم كتابًا كاملًا من غير نقصٍ، وذلك لا يدفعنا إلى عدم العمل أو إلى الإخلال بالعمل بل نعمل قصارى جهدنا وغيرنا يستدرك ويصحح من بعدنا، كما أن هذه المسامحات لا تنقص من قدر المؤلف ومكانته العلميَّة رحمه الله، وأذكر منها:
١ – عدم الدِّقة في النّقل عن الإمام الشافعي في بعض المسائل مثل مسألة الشك في عدد الركعات في باب سجود السَّهو فقد ذكر أن قول الشافعي الاستقبال، والصَّحيح أن في المسألة تفصيلٌ عند الشَّافعي كما
٢ – كثيرًا ما يروي الحديث بالمعنى.
٣ – عدم الدِّقَّة في ذكره للآثار فيذكر آثارًا عن الصَّحابة والتَّابعين على أنَّها مرفوعة وهي إمَّا موقوفة أو مقطوعة، وأحيانًا يعزوا الحديث لصحابي ويكون لغيره كما في حديث الثِّقل في الحج رواه عن ابن عمر وهو ليس عن ابن عمر وإنَّما مروي عن عمر – رضي الله عنهم -.
٤ – في كتاب الحج قال: قال الله تعالى: «الحج عرفه» وهو حديثٌ نبويٌ ليس بآيةٍ ولا حديث قدسي.
* * *
ويشتمل على مبحثين:
• المبحث الأول: العصر الذي عاش فيه الإمام بدر الدين الكردري.
• المبحث الثَّاني: ترجمة الإمام بدر الدين الكردري.
ويشتمل على:
١) المطلب الأوَّل: الحالة السياسية.
٢) المطلب الثاني: الحالة الاجتماعية.
٣) المطلب الثالث: الحالة الثقافية والحركة العلمية.
المطلب الأول: الحالة السياسية
عاش الإمام بدر الدين محمد بن محمود بن عبد الكريم الكردري، ما قبل سنة (٦٥١ هـ)، وفي هذه المدة كانت الدولة العباسية قائمة في بغداد، وتحت سيادتها جزءٌ من بلاد العراق يمتد من تكريت (١) إلى الفاو (٢) ومن
(٢) الفاو: مدينة وميناء على الضِّفة اليمنى من مصب شط العرب تعتبر أبعد نقطة في جنوب العراق. ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد باللُّغة والأعلام، ط: دار المشرق، (٥١٩).
أما في بلاد الشرق فقد كانت إمبراطورية خوارزم العظيمة التي كانت في أول الأمر تحمي الخلافة العباسية من الشرق والشمال الشرقي بقوة جيوشها وضخامة أموالها، ولكن علاء الدين محمد خوارزم شاه طمع في الاستيلاء على بغداد وانتزاع السلطة من الخليفة العباسي، ولكنه اضطر إلى التراجع بسبب هبوب عاصفة ثلجية وبسبب غارات المغول نحو بلاده وإحلالهم الهزيمة بجيوشه حتى اضطر للهرب وإلى جهة بحر قزوين حيث مات في إحدى جزره (٦٢٠ هـ).
أما الجزيرة ومصر ومعظم بلاد الشام فقد كانت تحت سلطان خلفاء صلاح الدين الأيوبي، الذين انشغلوا بالمنازعات والحروب، رغم تهديد الدويلات الصليبية التي كانت في سوريا وفلسطين لهم. كل ذلك أتاح الفرصة للمغول لشن غاراتهم على البلاد الإسلامية التي بدأت في (٦٠٧ هـ) (٣).
فبينا كان جنكيز خان – إمبراطور المغول – مشتغلًا بمحاربة إمبراطورية
(٢) عانة: بلد بين الرقَّة وبيت مزفة على الفرات. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٤/ ٨١)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التَّاريخ العربي والإسلامي، ط: دار الفكر، (٣٥).
(٣) ينظر: حسن، حسن إبراهيم، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ط: دار الفكر، (٤/ ١٣٠).
وهكذا فعلوا بمدينتي سمرقند (٣) وبلْخ (٤)، وغيرهما من مدن آسيا، التي كانت من قبل موطن الأولياء وكعبة العلوم.
ثم توجهوا غربا حتى وصلوا إلى حدود العراق، وبهذا الغزو التتري ابتلي المسلمون بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، فلم يدخلوا بلدا إلا قتلوا جميع من فيه من الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل
(٢) مدينة في جنوب غرب الاتحاد السوفياتي (أوزبكستان) شهيرةٌ بمساجدها ومدارسها. ينظر: البستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد في اللغة والأعلام (مرجع سابق)، (١١٩).
(٣) سمرقند: مدينة في وسط آسيا. ينظر: الحموي، ياقوت، معجم البلدان (مرجع سابق)، (٣/ ٢٧٩)، والبستاني، كرم، ومجموعة من العلماء، المنجد في اللغة والأعلام (مرجع سابق)، (٦٥)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التَّاريخ العربي والإسلامي، (مرجع سابق)، (٣٧).
(٤) بْلخ: مدينة مشهورة بخراسان أوَّل من بناها لهراسف الملك، وقيل: الإسكندر افتتحت في عهد عثمان بن عفان – رضي الله عنه -. ينظر: الحموي، ياقوت معجم البلدان (مرجع سابق)، (٤/ ٥٦٨)، وأبو خليل، شوقي، أطلس التاريخ العربي والإسلامي، (مرجع سابق)، (٣٧).
وكان الناس يخافون منهم خوفًا عظيما، حتى قيل إن رجلًا منهم دخل إلى دربٍ وبه مائة رجل لم يستطع واحد منهم أن يتقدم إليه، وما زال يقتلهم واحدا بعد واحد حتى قتل الجميع، ولم يرفع أحد يده إليه، ونهب ذلك الدرب وحده (٢).
وفي سنة ٦٥٦ هـ سقطت بغداد في يد التتار على يد هولاكو، وقتل المغول أهلها وهدموا مساجدها ليحصلوا على ذهب قبابها وجردوا القصور مما بها من التحف النادرة، وأتلفوا عددا كثيرا من الكتب القيمة في مكتباتها، وقتلوا كثيرا من رجال العلم فيها، وضاعت الثروة الأدبية والفنية التي عنى الخلفاء العباسيون بجمعها منذ بنى أبو جعفر المنصور بغداد واتخذها حاضرة الدولة.
وانتهت هذه الحوادث بقتل الخليفة المستعصم (٣)، وزوال الدولة
(٢) ينظر: ابن كثير، الحافظ أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدِّمشقي، (ت: ٧٧٤ هـ)، البداية والنِّهاية، ط: مكتبة المعارف، (١٣/ ٩٠)، وأطلس، محمد أسعد، تاريخ العرب، ط: دار الأندلس، (٧/ ٩).
(٣) المستعصم: هو عبد الله بن منصور، من سلالة هارون الرَّشيد، ولد ببغداد وولي الخلافة سنة (٦٤٠ هـ)، و(ت: ٦٥٦ هـ). ينظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام، (مرجع سابق)، (٤/ ١٤٠).
وفي سنة (٦٥٨ هـ) دخل التتار دمشق ثم وصلوا إلى غزة، وعزموا على المسير إلى مصر (٢) في ذلك الوقت كانت الحروب قائمة بين أبناء البيت الأيوبي في مصر والشام، فاستعان الأيوبيون بالمماليك المجلوبة من البلاد المجاورة، مما أدى إلى زيادة نفوذ أولئك المماليك وأصبحوا أصحاب السلطة والنفوذ والحكم.
ولما توفي السلطان الصالح أيوب (٣)، ولي شؤون الحكم بعده زوجته شجرة الدر، وأصلها مملوكة لهذا السلطان، وأصبحت سلطانة البلاد، ولكنها خلعت نفسها بسبب رفض الخليفة العباسي ذلك، وتزوجت من أيبك أحد المماليك، وأصبح أول سلطان للمماليك.
