سافر الرجل المسلم فحضره الموت فأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا تجوز شهادتهما، وبه نأخذ لقول الله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وكان ابن أبي ليلى يقول: ذلك جائز. وكان أبو حنيفة رضي الله عنه لا يرى على شاهد الزور تعزيرًا غير أنه يبعث به إلى سوقه إن كان سوقيا، وإلى مسجد قومه إن كان من العرب فيقول: القاضي يقرئكم
السلام ويقول: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذروه الناس. وذكر ذلك أبو حنيفة عن
القاسم عن شريح وكان ابن أبي ليلى يقول: عليه التعزير ولا يبعث به ويضربه خمسة وسبعين سوطا. قال أبو يوسف: أعزره ولا أبلغ به أربعين سوطا، ويطاف به. وقال أبو يوسف: بعد ذلك: أبلغ به خمسة وسبعين سوطًا.
قال: وإذا اختلف الشاهدان في الموطن الذي شهدا فيه فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا نعزرهما، ويقول: لأني لا أدري أيهما الصادق من الكاذب إذا كانا شهدا على فعل؟ فإن كانا شهدا على إقرار فإنه كان يقول: لا أدري لعلهما صادقان جميعًا وإن اختلفا في الإقرار. وبه نأخذ. وكان ابن أبي ليلى يرد الشاهدين وربما ضربهما وعاقبهما. وكذلك لو خالف المدعى الشاهدين في قول أبي حنيفة رضي الله عنه فشهدا بأكثر مما ادعى، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا نضربهما ونتهم المدعى عليهما. وكان ابن ابي ليلى ربما عزرهما وضربما وربما لم يفعل. قال: وإذا لم يطعن الخصم في الشهد، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان يقول: لا يسأل القاضي عن الشاهد. وكان ابن أبي ليلى
يقول: يسأل
عنه.
